هل انتهى عهد التفاهم بين الاستبداد والاستعمار؟

د. برهان غليون

 

أثرت في مقال سابق الخوف الشديد الذي تبديه النخب العربية الحاكمة من مبادرات الإصلاح الأميركية الأوروبية بالرغم مما تظهره هذه المبادرات من حرص على استقرار النظم العربية وما تبديه من تطمينات لاستمرارها. بل إنها تنطلق أساسا من السعي إلى حمايتها في وجه موجات الغضب والعنف الشعبية التي تعتقد أنها قادمة لا محالة والتي تشكل حركات التطرف الديني المظاهر المعلنة عنها. وفي المقابل ليس هناك شك في أن القسم الأكبر من النخب العربية نفسها أخذت تدرك في السنوات الأخيرة أنه أصبح من الضروري القيام بإصلاحات سريعة لضمان الاستقرار وقطع الطريق على الانفجار والفوضى، وأن مثل هذه الإصلاحات تحتاج إلى موارد مادية وفنية كبيرة لا يمكن توفيرها من دون دعم الدول الصناعية. فلا يمكن إحداث القفزة المطلوبة في مستويات الاستثمار وتحديث هياكل الصناعة والإدارة والتأهيل من دون القيام باستثمارات تتجاوز عشرات مليارات الدولارات بالإضافة إلى الاستثمارات الداخلية.
ربما يعتقد البعض أن رفض هذه المبادرات ناجم عن حرص النظم العربية على قيم السيادة والاستقلال، أو بسبب أسلوب الإملاء الذي اتبعته في البداية الولايات المتحدة. والواقع أن الدول العربية كما ذكرت سابقا لم ترفض المعونات والتدخلات الأجنبية في العديد من الميادين والمناسبات في سبيل إيجاد حلول لمشكلاتها الخاصة. وعلى رأس هذه المشكلات التي استدعت في نظر الحكومات العربية عدم التردد في طلب التدخلات الخارجية، مسألة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وتزايد النزاعات العربية- العربية الداخلية التي وصلت إلى حد إعلان الحرب واحتلال بلدان لبلدان أخرى. ومنها أيضا التدخل من أجل مواجهة المعارضات الداخلية أو حركات التمرد والاحتجاج المسلحة وغير المسلحة التي كرستها مشاركة الدول العربية في الحرب العالمية ضد الإرهاب، وتعاونها بشكل مستمر على مستوى الأجهزة الأمنية مع الدول الصناعية. ومن ينظر فيما حصل في العقدين الماضيين، يتبين إلى أي حد حصلت وحدة حال بين النظم العربية القائمة والتحالف الأوروبي الأميركي في جميع الميادين والسياسات، وأن العالم العربي قد سلم مقاليد أموره أو كاد إلى عواصم هذا التحالف لضمان الحد الأدنى من الاستقرار.

في اعتقادي أن تخوف العديد من النظم العربية من المبادرات الدولية ورفضها النقاش فيها وتمسكها بإظهار العالم العربي على أنه قادر على إنتاج مبادرات إصلاحه الذاتية، وبجهوده الخاصة يعود إلى أمرين رئيسيين. الأول هو خوفها من أن يبدو قبولها بالمبادرات الخارجية أمام الرأي العام وكأنه تخل نهائي عن السيادة وقبول بالوصاية الدولية عليها. والثاني أن النخب العربية الحاكمة أو أكثرها قد اعتاد منذ عقود أن يحكم من دون رقيب ولا حسيب. وقد نجح معظم هذه النخب بالفعل في إخراج المجتمعات كليا من الحياة العمومية السياسية والمدنية معا وفي استبعاد أية رقابة داخلية، حتى تتمكن من التصرف في بلادها تصرف السيد المطلق الذي لا ينازع ولا توضع على إرادته حدود. وها هي الدول الصناعية تريد، تحت غطاء الإصلاح، أن تفرض نفسها على النخب الحاكمة رقيبا وحسيبا خارجيا، بل إنها، أكثر من ذلك، تطلب منها علنا أن تراعي في حكمها وتصرفها بموارد البلاد وشعوبها بعض المعايير السياسية والأخلاقية، على الأقل الشكلية، كشرط لاستمرارها في دعمها في مواجهة المعارضة والحركات الشعبية والتغطية عليها. هذا هو التدخل الذي يثير حفيظة النخب العربية الحاكمة ويؤرقها لأنه يعرض انتصارها اللانهائي والمطلق على مجتمعاتها للخطر، بل يهدد بأن يلغيه عن طريق استبداله بوصاية ورقابة ومقاومة أكثر نجاعة وقوة بما لا يقاس، هي الوصاية والرقابة الدولية على أعمالها الاستثنائية ونمط ممارستها للسلطة التي لا تخضع غالبا لقانون. ولذلك تشعر هذه النخب بالفعل بالقهر ولا ترى في مبادرات الإصلاح الأميركية والأوروبية التي تشكل في جوهرها تغييرا في السياسات الدولية تجاه العالم العربي الذي تم تجاهله تماما في العقود الماضية لصالح إسرائيل إلا محاولات لتركيعها وللانتقاص من سيادتها الحقيقية وليس من السيادة الوطنية التي لم يعد لها من شروط الوجود حتى الاسم.

ليس إنشاء مصارف للتنمية ممولة من الدول الصناعية، ولا تقديم المعونة الفنية والعلمية، ولا حتى تقديم المستشارين السياسيين والعسكريين والأمنيين، ولا إنشاء المعاهد والجامعات التي تدرّس باللغات الأجنبية، هو الذي يبدو صعب الاحتمال ومهددا للهوية والشخصية الوطنية في نظر النظم بالتأكيد. بل إن النظم تعرف أن مشاريعها الإصلاحية الخاصة إذا وجدت لا يمكن تحقيقها من دون الدعم الدولي وبالشروط ذاتها التي تعرضها مبادرات الإصلاح القائمة إن لم يكن بشروط أقسى منها. إن ما يبدو صعب الاحتمال عليها، بل كارثة سياسية هو ربط الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والتعليمية والتقنية والفنية بإصلاحات سياسية، أي في الواقع أن تجبر على أن تخضع حكمها وسلوكها تجاه شعوبها لقواعد وقوانين وقيم سياسية وأخلاقية وقانونية واضحة ومعروفة. فهذا يهدد الأسس التي تقوم عليها بالفعل، أي قانون التحكم المطلق والتصرف بحرية على طريقة النظم الإقطاعية من دون صحافة تنتقد ولا أحزاب حرة ولا رأي عام ولا انتخابات فعلية نزيهة ولا تظاهرات ولا احتجاجات ولا اعتراضات. إن الإصلاحات المطلوب تحقيقها على هذا المستوى تهدد إذن الخصوصية العربية، أعني خصوصية النظم السياسية العربية لا خصوصية المجتمعات، والشعوب التي لم تعد تحلم بشيء آخر سوى الحرية والعدالة والإنصاف والكرامة والاحترام. باختصار إن ما ترفضه أكثر الحكومات العربية هو بالضبط توسيع المشاركة الاقتصادية والسياسية والاعتراف بالحد الأدنى من حريات التعبير والتنظيم للمجتمعات المدنية، أي الاعتراف بالمجتمعات نفسها والخروج من نظام لا يمكن وصفه إلا بأنه قائم على التجريد العملي لشعوب بأكملها من حقوقها المدنية والسياسية.

إن ما ترفضه الحكومات العربية ليس التدخل في شؤونها ولا التخلي عن امتيازاتها الهائلة، فهي مضمونه لها، وإنما التنازل عن امتيازات سياسية مهما كانت رمزية لصالح مجتمعات أصبحت تنظر إليها كعبيد ولا تقبل بأن توضع على مستوى واحد معها. إنها مستعدة للقبول بكل التنازلات مهما كانت للأميركيين والأوروبيين وكل من تعتبرهم أسيادا مثلها، لكنها تعتقد أنها ستخسر ماء وجهها وتفقد وجودها نفسه إذا قبلت ولو للحظة واحدة أن تعترف بشعوبها وتقبل بأن تعاملهم كرجال أحرار أصحاب حقوق وإرادة ومسؤولية. وهذا هو جوهر الصراع العميق القائم في المنطقة وقلبه. وهو ما يسعى إلى إخفائه النزاع القائم بين المشاريع الوهمية أو الإعلامية العربية للإصلاح.

ولا يعني هذا أن موقف التحالف الأطلسي يصدر عن أي شعور بالعطف على الشعوب العربية وإنما هو ثمرة لحسابات المصالح الاستراتيجية وحدها. فليس لدى واشنطن وبروكسل خيارات كثيرة كي تضمن العودة بالمنطقة إلى الحد الأدنى من الاستقرار وقطع الطريق على الانفجارات والتغييرات المفاجئة القادمة. فهي إما أن تضغط على الأنظمة القائمة كي تحد من شرهها وتترك بعض الفتات للمجتمعات المنكوبة مقابل الاستمرار في دعمها ورعايتها، أو تنتظر الانفجارات القادمة وتغامر بتهديد مصالحها الحيوية التي دفعتها في الماضي إلى التعامل مع نظم لا تؤمن بأن هناك قيما أو مبادئ تجمعها معها. والسؤال الذي طرحناه سابقا وأصبح أكثر صدقية اليوم بعد بيان قمة الثمانية الكبار هو: هل تصر دول التحالف الصناعي الثماني على الاحتفاظ بملف الإصلاح الديمقراطي رديفا لملفات الإصلاح الأخرى أم أنها سوف تقبل في النهاية تحت ضغط الأنظمة التي ليس لديها بديل عنها بتقليص الإصلاح إلى أبعاده الاقتصادية والفنية وترك المستقبل مفتوحا أمام جميع الاحتمالات؟

بالرغم من كل ما حصل لا أعتقد أن الدول الصناعية قد أصبحت تدرك بالفعل أن النظم التسلطية المحبطة والمعطلة للإرادات الفردية والوطنية لم تعد وسيلة استقرار ولكنها هي مصدر الخطر ومنبع التوتر والانفجار الرئيسي في المنطقة العربية كما كانت إسرائيل منذ عقود. لكن بالرغم من ذلك لا أعتقد أنه سيكون من الممكن بعد ما حصل إعادة بناء التفاهم التاريخي الذي عمل على تجميد الأوضاع في المنطقة بين الاستبداد العربي والإمبريالية الأوروبية الأطلسية طوال حقبة ما بعد الحرب الثانية.