تحية إلى إدوارد سعيد المثقف العالمي

د. برهان غليون

 

لم تكن وفاة إدوارد سعيد، المفكر والجامعي الفلسطيني الأميركي المعروف مفاجأة لأحد من أصدقائه ومعارفه· فقد كان يصارع ضد المرض العضال لسنوات طويلة ماضية· ولكنها كانت مع ذلك خسارة كبيرة للمثقفين والباحثين في العالم أجمع، وللضمير العالمي أيضا · فقد جسد إدوارد سعيد الذي عاش متقلبا بين الحضارات ومتنقلا بين القارات ومسافرا بين الثقافات والقيم والمواقف والأفكار، المثقف العالمي بامتياز، وبقي لسنوات عديدة أحد مصادر الوعي النقدى العالمي الذي هز الاعتقادات الراسخة ودمر الأسس النظرية التي قام عليها حبس الشرق وتدجينه في أسطورة روحانياته الزائلة·
كنت قد تعرفت على إدوارد سعيد بمناسبة مشاركتي في الحفل الذي أقيم لتكريمه في بيروت عام ·1997 وكان من الواضح أن الحفاوة التي أظهرها جمهور بيروت به قد أثارت انفعاله فكان يبدو نشيطا بشكل استثنائي كقبطان على ظهر سفينة على وشك الإقلاع· لكن هذا النشاط لم ينجح في إخفاء الحزن وروح الاحتجاج بل الثورة العميقة التي كانت تسكن سعيد كمثقف فلسطيني وعربي وعالمي أيضا·
ففي ما وراء متعة الانجاز العلمي التي مارسها الأكاديمي كان إدوارد سعيد قد اكتشف، بعد كتابه نقد الاستشراق الذي جعل منه مرجعا فكريا، متعة الممارسة السياسية، ليس بالمعنى الشائع والبسيط لممارسة السلطة السياسية، ولكن بالمعنى الرفيع للتدخل من موقع الالتزام الأخلاقي وحيازة سلطة معنوية وأدبية من أجل التغيير والاحتجاج على الأوضاع اللاإنسانية· هكذا سيبرز عند إدوارد سعيد منذ ذلك الوقت وجه المثقف في مقابل وجه الأكاديمي، بل سوف يغلب عليه· ولن يعرف العرب إدوارد سعيد لا كناقد أدبي ولا كموسيقي بارع بقدر ما عرفوه كمثقف من نمط جديد· وليس من المبالغة القول إن إدوارد سعيد قد شق في ممارسته الثقافية هذه طريقا جديدة وبلور رؤية أصيلة لدور المثقف في عصرنا الراهن، عصر الاندماج العالمي وتحول العالم إلى قرية صغيرة · وقد جعل هذا من إدوارد سعيد المثقف العالمي بامتياز وأحد كبار رواد الثقافة العالمية الحرة·
في كتابه الصغير الذي ترجم إلى العربية تحت عنوان صور المثقف يعرض إدوارد سعيد رؤيته لهذا المثقف وللمحيط الاستثنائي الذي يعمل فيه والدور المتميز الذي يطمح إلى ممارسته· لكن من وراء استعراضه المواقف المتباينة للمثقفين الكبار الذين سبقوه لا يعمل إدوارد سعيد في هذا الكتاب إلا على بلورة رؤيته الخاصة لدوره هو كمثقف وريث لجيل كامل من المثقفين الأوروبيين الذين وجدوا أنفسهم، بسبب الحرب، تماما كما وجد هو نفسه، مخلوعين من عالمهم الأصلي ومقذوفين في عالم جديد لا مرجعية له بعد ولا قرار·
ولعل أول ما يلفت النظر في هذا التصور لوضع المثقف عند إدوارد سعيد هو ربطه المباشر بين المثقف والمنفى· والربط بين المثقف والمنفى هو أساس فهم تفكيره في هذا الموضوع· ولا يتعلق المنفى هنا بالمعنى المادي بقدر ما يتعلق بمعنى أدبي· واكاد أقول إن المنفى الحقيقي الذي عاينه إدوارد سعيد هو منفى الذات والهوية· وهو ما يعبر عنه في سيرته الذاتية بشكل مؤثر وعميق أيضا، وبداية في ما يتعلق بالاسم الذي يحمله· لكن إدوارد سعيد ككل النفوس القوية لن يرى في المنفى ذاك الوجه المادي السطحي للغياب عن الأهل والوطن، كما لم يقبل بأن يكون ضحية الشعور الطاغي بالبعد والغياب، إنما سوف يحوله إلى مصدر للتحدي الفكري والأخلاقي ويستمد منه الوحي والقوة معا· ولذلك لن يحتفظ مفهوم المنفى عنده بأي معنى سلبي· ولكنه سيعني ببساطة الوجود المفارق في العالم· وما يقرب معنى المنفى من المثقف هو أن من الممكن تعريف المثقف أيضا بأنه ذاك الوعي المفارق للعالم · ويكون المنفى بذلك مأوى المثقف بامتياز· ففيه يجد المثقف نفسه منفيا مرتين، مرة كإنسان حي ومرة كوعي مستقل حر· ويطابق إدوارد سعيد في الكتاب نفسه بين حالة المثقف وحالة المنفى في أنهما يتميزان معا بالتعبير عن تلك الحالة من عدم التأقلم الكامل، ومن الشعور الدائم بأننا خارج العالم المألوف و المهزار الذي يقطنه سكان أصليون· وهو يقول إن المثقف كالمنفي ليس إنسانا أصليا في أي مكان· إنه المهاجر، الطارئ، المغامر، الغريب والمغترب في كل مكان· فكلاهما المثقف والمنفى تجسيد لصيغة الوجود في حالة الانزياح والانشقاق والهامشية والخروج على الإجماع والمألوف·
ولأن إدوارد سعيد لم يعش المنفى كحالة درامية تبعث على الاكتئاب كما عاشه أدورنو، أحد كبار المبدعين الذين ألهموا إدوارد سعيد، فقد حوله، كما يقول هو نفسه إلى نمط حياة وسلوك، إلى ثقافة وهواية، إلى حد وتحد معا يفجر الموقف الأخلاقي الذي يرفض كل أشكال الظلم والقهر والازدواجية والتمييز والتسلط· ففي هذا الموقف تكمن متعة المثقف وامتيازاته· هكذا يتحول غياب الوطن إلى حضور العالم بكليته كما يتحول الحرمان من الحميمية الأهلية إلى منبع للحرية الشخصية·
ليس مثقف إدوارد سعيد عنصر مجاملة ولا خالق إجماع، وإنما إنسانا يراهن بكينونته كلها على حس نقدي، على الاحساس بأنه على غير استعداد للقبول بالصيغ السهلة أو بالأفكار المبتذلة الجاهزة أو بالتأكيدات المتملقة المجاملة دائما لأقوال الأقوياء والقدماء وأفعالهم · إنه بالتأكيد مثقف عملي مثله مثل مثقف غرامشي الذي يهتم بشؤون المجتمع ويسعى إلى تغيير الواقع· لكنه بعكسه أيضا يرفض أن يربط من أجل ذلك مصيره بمصير وفكر طبقة أو حزب أو مؤسسة، بل بمصير أمة بأكملها· إنه وعي حر في العالم أو وعي العالم الحر· وهو مثالي مثله مثل مثقف بندا حامل الرسالة الأخلاقية، لكنه بعكسه أيضا يرفض أن تكون هذه الرسالة حقا يخوله التميز أو المناداة بالتميز عن عامة الناس· إن مبرر وجوده على العكس من ذلك هو تمثيل تلك الفئات من الناس وتلك القضايا التي غالبا ما تنسى ويغفل أمرها وشعاره المعتمد ومنطلقه أن من حق جميع البشر أن ينعموا بمعاملة قائمة على معايير سلوكية مبدئية، وأنه لا يمكن السكوت على الانتهاكات التي تراهن على إهمال هذه المعايير، وينبغي بالعكس إعلان الحرب عليها بشجاعة أينما جاءت وكيفما جاءت· تلك هي وظيفة المثقف ورسالته · صوت حر لعالم مرتهن وضحية الظلم والتشويه والازدواجية والابتذال · ومع ذلك، إن ما يميز إدوارد سعيد كمثقف عن غيره، أو بالأحرى ما يميز المثقف الحقيقي بشكل عام، ليس، على ما يبدو لي، دفاعه عن الحق والحرية في وجه الظلم والطغيان، وإنما ما يتمتع به بالفعل من حرية داخلية، أي تلك الحرية الحقيقية التي تسمح لنا وحدها بتكوين وعي أخلاقي متجرد من ضغوط الواقع المادي والسلطوي والنفسي، الايديولوجي والقومي والديني والطبقي، تلك الضغوط التي تكبل الانسان الطبيعي وتحد من رؤيته·
وها هنا نجد العلاقة الوثيقة التي كشف عنها إدوارد سعيد أو اكتشفها عن حق بين المثقف والمنفى· فلا يساهم المنفى في تكوين المثقف، أي الوعي الحر، إلا لأنه في مباعدته بين الفرد و مجتمعه الأصلي ، أو في تحريره الفرد من أصليته الحضارية أو القومية أو الدينية أو الطبقية، يحرر الانسان من التزاماته الموروثة والمفروضة بحكم الولاء والانتماء والعطالة البيولوجية أيضا، ويؤهله بالتالي لفعل الحرية ويمكنه من التزامات وولاءات وأنماط انتماء أخلاقية رفيعة· ولأن المثقف بوعيه الأعمق والأشمل حر أكثر، فهو مسؤول أكثر أيضا· ولكن مسؤوليته لا تتجلى هنا تجاه أبناء عشيرته أو جنسه أو طبقته أو عائلته وإنما تجاه العالم· وإنني لا أرى في الثقافة شيئا آخر سوى هذا الجهد الاستثنائي المستمر والمحرر للذات، أي المكون، في ثنايا المنفى الايجابي الذي يعيش فيه، للوعي العالمي أو على مستوى العالم· فالمثقف يكون اليوم مثقفا عالميا أو لا يكون·
تحية إلى إدوارد سعيد المثقف والمنفي بامتياز، مفكر الحرية والوعي العالمي بامتياز، تحية إلى أحد كبار أخلاقيي هذا العصر الذين ينبغي أن نحتفي بهم بسرور، لأنهم الأقدر على الارتفاع بنا إلى مستوى الاختيارات المبدئية· والمبدئية تعني ، في أوضاعنا العالمية الراهنة، المصيرية.