في سبيل حركة تضامن عربية شعبية

د. برهان غليون

 

لا تزال المشكلة الأبرز في الحياة السياسية العربية في نظري، كما بينت ذلك الأشهر والأسابيع الماضية المليئة بالتحديات، عجز القوى السياسية عن تحريك الجمهور العربي، أي في الواقع استمرار جمود الشارع العربي الواسع تجاه ما يجري من أحداث وبالرغم من الطابع المأساوي الذي اتخذته هذه الأحداث في فلسطين والعراق، وذلك بالمقارنة مع ردود الفعل القوية التي عرفتها العواصم الدولية. فبينما خرج الجمهور الأوروبي في أكثر من مدينة للتنديد بالسياسات الإسرائيلية والأميركية في فلسطين والعراق لم يبدِ الجمهور العربي الواسع أية حركة تعبر عن حضوره السياسي بل عن وجوده الجماعي، لا في مواجهة الأعمال الإجرامية للحكومة الإسرائيلية وما تقوم به من تدمير منظم ومتواصل لأسس قيام مجتمع ودولة فلسطينيين في المستقبل، ولا أمام ما يحصل من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في العراق على يد قوات الاحتلال الأميركية. وفي الوقت الذي ضج فيه العالم لمرأى صور التعذيب والإهانة التي تعكس مدى الانحطاط الأخلاقي الذي وصلت إليه الإدارة الأميركية العسكرية والمدنية في سعيها للبقاء في العراق وإدامة الاحتلال، لا تزال مجموعات المثقفين الصغيرة التي تعتصم في بعض العواصم العربية وحيدة ومعزولة عن أي جمهور شعبي حقيقي تتعرض للحصار والعقاب من قبل قوى الأمن التي ترى في عملها الاحتجاجي الرمزي هذا تهديدا للاستقرار وتحريضا على العصيان ونشرا للفوضى في مجتمعات تأمل أن تستمر في تحريكها بعصاها السحرية وحدها وقت اللزوم وفي المناسبات.

وأقول إن هذا الشلل الذي ظهر على الجمهور العربي في الأسابيع والأشهر الماضية كان الحدث السياسي الأبرز لأنه يعطي للعالم أجمع وللدول الكبرى، التي تقف مكتوفة الذراعين أمام الحرب الإسرائيلية المستمرة على الشعب الفلسطيني منذ أربع سنوات كما تتردد في اتخاذ مواقف قوية تجاه ما يجري في العراق، الانطباع بل التأكيد على الانطباع القديم بأن الرأي العام العربي لا يهتم كثيرا بالقضايا التي تبدو لمثقفيه وبعض أطراف نخبه مصيرية ولا يتأثر بما يجري حوله إن لم يعطها الانطباع بأنه لا وجود له ومن الخطأ أخذه بالاعتبار في أية حسابات قوى ومصالح قادمة في الشرق الأوسط. ويوحي هذا الوضع لنخب العالم الخارجي جميعا، الثقافية والسياسية، بأن العالم العربي الذي يعد اليوم حوالي ثلاثمائة مليون نسمة لا يستحق الضجة التي تحوم حوله ولا التردد الذي يسم سلوك بعض العواصم الغربية في امتهان حقوقه وكرامته، فهو من الهزال والضعف بحيث لا تجد فيه قوة متبلورة من أي نوع يمكن أن تشكل تهديدا حقيقيا لأحد، اللهم إلا باستثناء الإرهاب المدان دوليا والمحارب عالميا. وأنه فيما عدا إسرائيل التي تبدو الفاعل الأول والأكثر نشاطا وحيوية في المنطقة لا تكاد تكون هناك حاجة لأخذ حساب لأية قوة أخرى معارضة أو معادية قائمة أو محتملة. أما النخب الصغيرة والهشة التي تسيطر على الدول وتتحكم بأجهزة عسكرية وأمنية متفاوتة القدرة والتنظيم فهي لا تشكل أي خطر لا اليوم ولا في المستقبل. فبالإضافة إلى ما تعاني منه من تفكك إقليمي وداخلي وما تتسم به من ضعف بنيوي وتأخر سياسي وفكري، لا تحلم بشيء أكثر من التفاهم مع القوى الدولية التي تعتقد أن بقاءها وعدم بقائها مرتبط بها وأنها وحدها القادرة على تقرير مصيرها.

من الخارج يبدو العالم العربي، عبر ردود أفعاله المشتتة والضعيفة والظرفية والانفعالية بالأحرى قوقعة فارغة تماما لا يملؤها شعب ولا يبدو أن من الممكن أن تبرز فيها على المدى القريب أية إرادة جماعية قوية قادرة على فرض رؤية ومصالح وطنية أو قومية خاصة واضحة، ومن باب أولى على مقاومة الخطط والمشاريع والتصورات التي تصوغها الأقطاب الدولية المتنافسة على تحويلها إلى مناطق نفوذ وتقاسم الموارد الاستراتيجية التي تنطوي عليها. فهو عالم راكد، من دون عمق يخيف من يرمي بنفسه فيه ومن دون سماكة تجعل التقدم فيه بحاجة إلى مجهودات وتضحيات كبيرة ومن دون رؤى وخطط ومصالح قومية واعية ومتسقة. أي باختصار من دون فاعلين حقيقيين مستقلين عن الحماة والمصالح الخارجية، أي أيضا من دون حضور بل وجود ذاتي أو قائم بذاته.

قد يقول البعض إن هذا الانطباع انطباع خاطئ حتما وإن ما يحصل في فلسطين منذ سنوات عديدة بل منذ عقود وما يجري من مقاومة استثنائية في العراق ضد قوى الاحتلال يدل تماما على أن الشعوب العربية تستطيع في الوقت المناسب أن تعيد بناء وحدتها وتوجيه مقاومة شرسة للعدوان الخارجي. أما ما تبديه اليوم من الضعف والجمود والشلل فهو راجع لظروف استثنائية ولا يمكن أن تدوم. فالدول الكبرى تخطئ كثيرا عندما تأخذ ما هو مؤقت على أنه مستمر ودائم. كل هذا صحيح بالتأكيد وإلا لكان علينا أن نقبل بالعنصرية تجاه أنفسنا وشعوبنا. لكن، بالرغم من أننا لا ينبغي أن نستخف بوجود مثل هذه العنصرية لدى فئات واسعة من الرأي العام العالمي اليوم تجاه العرب، بل في تفكير قسم كبير من نخبنا العربية نفسها، لا يهم الدول والقوى الكبرى الفاعلة اليوم في الساحة الدولية والإقليمية أن تكون لدى المجتمعات العربية طاقات كامنة تمكنها في المستقبل من نزع الوصاية عنها وانتزاع حقوقها أو جزء منها من القوى الكبرى النافذة. فحسابات القوى المتنازعة على الموارد لا تقوم على اعتبار المدى البعيد. فالواقع متغير باستمرار وهي تعرف ذلك، ولكن على المدى الراهن. فحساب الزمن يعني تحقيق السبق واستباق الأحداث ولا يمكن لمثل هذا الحساب أن يضع في اعتباره المخاطر البعيدة القادمة. وعندما تتحقق هذه المخاطر بل قبل أن تتحقق يمكن أن نكون قد غيرنا تماما شروط اللعبة وصار بإمكاننا أن نلعب على أسس ومبادئ جديدة. وإذا كان من المؤكد أن الكلمة الأخيرة ستكون في المنطقة العربية للعرب، لأنها منطقتهم أولا ولأنه لا شيء يمنعهم من تغيير أساليب عملهم في المستقبل لتحقيق السيطرة على وضعهم وانتزاع المبادرة من القوى الأجنبية إلا أن للوقت الضائع أيضا قيمة كبيرة لا ينبغي أن نتجاهلها. فالاستمرار على النهج ذاته لا يسمح بتمديد فترة العذاب والمعاناة العربية فحسب ولكنه يحرم العرب أيضا من فرص ثمينة لمراكمة التقدم المادي والمعنوي وتحسين شروط حياة الأفراد وتطوير إبداعاتهم.

باختصار إننا بجمودنا وضعف ردود أفعالنا تجاه ما يحصل من انتهاك لسيادتنا ومصالحنا، سواء أكان ذلك في فلسطين أو في العراق أو أماكن عربية أخرى، لا نهرب من المحاذير ولا ننقذ أنفسنا ولكننا بالعكس تماما نطمِع الضعيف بعد القوي فينا ونشجع الآخرين على الاعتداء السافر علينا. لأننا نخلق لديهم الاعتقاد بأنهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون في بلادنا من دون أن يدفعوا أي ثمن حقيقي أو أن يخشوا من أي عقاب جدي.

ومن الطبيعي أن تكون ترجمة ذلك هو اندفاع الدول الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة إلى العمل من وجهة نظر خدمة مصالحهم وحدها من دون أن تأخذ حسابا لأي مخاطر يمكن أن تنجم عن ذلك أو لأية احتجاجات واعتراضات ومقاومات قد تكلفها غالياً.