محنة الإصلاح في العالم العربي

د. برهان غليون

 

الانهيار الذي عرفته قمة الإصلاح التي كان من المتوقع أن تعقد في العاصمة التونسية في نهاية شهر مارس الماضي يقدم البرهان القاطع على المحنة التي واجهها الإصلاح ولا يزال في العالم العربي منذ عقود طويلة. وبالرغم من أن الأمين العام لجامعة الدول العربية قد أعلن عن الاتفاق لعقد هذه القمة مجددا في تونس في مايو القادم إلا أن الأمل في إحراز تقدم حقيقي فيها يكاد ينعدم اليوم بسبب المناخ الذي خلقته الدعاية الرسمية العربية في الأشهر القليلة الماضية. فقد نجحت هذه الدعاية في حرف المناقشة حول الإصلاح عن هدفها الرئيسي عندما ركزت الجهود كلها على موضوع واحد ووحيد: من أين تأتي الإصلاحات؟ من الداخل وبأيادٍ عربية أم من الخارج وبأيادٍ أجنبية؟. والنتيجة أنه لم يعد أحد يفكر في طبيعة الإصلاحات المطلوبة ومضمونها وأهدافها ووتيرتها ولكن في طبيعة المصدر الذي يتحدث بها وعنها. بل ليس من المبالغة القول إن الدعاية العربية الرسمية قد نجحت في وضع مسألة الإصلاحات في مواجهة المسألة الوطنية لابتزاز الرأي العام، وفرضت عليه الاختيار بين التمسك بالقيم الوطنية ورفض الإصلاح، أو القبول بالإصلاح والخضوع لإرادة القوى الأجنبية. فقد ربطت مبادرة الإصلاح بحل المسألة الفلسطينية أو بتحرير الأراضي المحتلة كما لو كان هذا التحرير جزءا من مهام الدول الأجنبية وثمنا لقبول الدول العربية بالإصلاحات الداخلية، أو كما لو أن مثل هذا التحرير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمسك بنظم استبدادية تستبعد بشكل دائم ومطلق أي احتكام حر للإرادة الشعبية وتفتقر إلى المؤسسات وينعدم فيها حكم القانون لصالح قانون المحسوبية، والولاءات الشخصية للزعامات أو الطوائف أو العشائر ولا يسمح فيها لقوة منظمة بالبقاء سوى قوى الأجهزة الأمنية.

وإذا عبر هذا المنطق عن شيء فإنما يعبر عن تهافت معنى الإصلاح في أذهان العديد من النخب العربية أو بالأحرى عن انعدام أي أمل فيه في إطار النظم وقواعد العمل والحكم القائمة في معظم البلاد العربية. وبالفعل، إن الوقت الذي كان بالإمكان بذله لإصلاح النظم القائمة قد فات منذ زمن طويل، ولم يعد هناك بديل من الاعتراف بأن أي إصلاح مهما كان ضعيفا وجزئيا أصبح يستدعي كشرط ومقدمة له تغييرا في طبيعة الحكم وأساليبه وقواعده وغاياته ورجالاته أيضا. أي يستدعي التحول من نمط الحكم القائم على الوصاية أو القيادة الطليعية أو الأبوية إلى نمط الحكم المستند إلى تفويض مباشر وعن طريق انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية من قبل الشعب والخاضع لمراقبة ممثليه أو نوابه. ومن غير ذلك لن يتقدم مشروع الإصلاح خطوة واحدة سواء كان الدافع إليه الضغط الخارجي أو الضغوط الداخلية. وكل الجهود المادية والمعنوية التي ستبذل أو يمكن أن تبذل في هذا الإطار قبل التغيير سوف تضيع وتساهم أكثر من ذلك في إضاعة الوقت على المجتمعات العربية التي تعيش حالة خطيرة من الإحباط والاحتقان والقلق والخوف من المستقبل.

ومهما كان الأمر لا أعتقد أن حالة التخبط والتمزق والانهيار التي نعيشها على جميع مستويات حياتنا الجمعية، في جبهة النزاع العربي الإسرائيلي وفي الميدان الاقتصادي وفي الميدان السياسي والاجتماعي والفكري، هي بأي معنى أو شكل مقدمة للإصلاح، أي إصلاح كان، بقدر ما هي النتيجة الطبيعية لفشل الإصلاح الذي كان منتظرا منذ عقود ولم يمكن تحقيقه. وإذا كنا لا نزال نتحدث عن الإصلاح أو إذا عدنا إلى مفاهيم الإصلاح بعد طول نسيان فليس ذلك لأننا أصبحنا أكثر وعيا بمتطلبات الإصلاح ودواعيه وإنما كي نغطي، نحن ودول الغرب الأطلسية التي تمارس دور الوصي علينا معا، على إخفاق الإصلاح وانعدام فرصه وآفاقه.

يعني الإصلاح كما تتحدث عنه الولايات المتحدة وأوروبا اليوم وكما تتحدث عنه النظم العربية التي تريد تمييز مشروعها عن المشروعات الأجنبية حتى لا تبدو وكأنها وكيلة لها في المنطقة، أن النظم القائمة، بالرغم مما بدا منها من قصور في تحقيق الأهداف والمطالب المجتمعية، لا تزال سليمة بالعموم وليس من الضروري تبديلها أو تغييرها. إن المطلوب في نظرها، وهذا واضح من المشروع الأميركي الذي وجدته النظم العربية طموحا بالنسبة لها، هو تعديل بعض القوانين التي تحد من عمل النظام أو تعيق اشتغاله بشكل صحيح. ومن ذلك الإصرار على توسيع قاعدة المشاركة السياسية للطبقة الوسطى بما يعنيه ذلك من الحد من السيطرة الشمولية والشاملة للحزب أو للفريق الحاكم على وسائل السلطة والثقافة والإعلام والاقتصاد والإدارة معا، والحد من الفساد المستشري وإدخال إصلاحات تتعلق باكتساب المعرفة والتقنيات الحديثة وزيادة مشاركة المرأة في الحياة العمومية. ومن المفروض أن يطلق كل ذلك دينامية التنمية الاقتصادية الضرورية لامتصاص البطالة المتزايدة والحد من توسع دائرة الفقر وبالتالي التخفيف من مشاعر الاحباط، ومن التوترات التي تعرفها المجتمعات العربية اليوم والتي تهدد باتساع دائرة الخروج على النظام وربما الانتماء إلى منظمات العنف والتمرد المحلي والعالمي. إن المقصود هو باختصار إجراء بعض التعديلات الضرورية حتى تستعيد الأنظمة الراهنة بعض الصدقية وتخفف من المفرزات المدمرة والخطيرة للأزمة التاريخية التي تعيشها مئات الملايين الثلاث العربية والتي ليس لها في الأفق المنظور أي حل.

في اعتقادي كان من الممكن لمثل هذا المشروع الإصلاحي، بصرف النظر عن الداعي إليه أو المشجع عليه، أن يتحقق ويفتح آفاقا جديدة لو حصل في الثمانينيات، أي في الفترة ذاتها التي شهدت موجة عامة من الإصلاحات في العالم أجمع وبشكل خاص في الدول الشيوعية والفاشية أو شبه الفاشية التي انضمت فيما بعد إلى أوروبا والتي كانت تشابه في بنية أنظمتها أنظمة معظم النظم العربية. فلم تكن الأزمة التي شهدتها البلاد العربية في تلك السنوات أقل حدة ولا أقل تجليات مما حدث في أوروبا الشرقية واليونان والبلقان وأسبانيا والبرتغال. وقد بدأت ثورات الخبز منذ بداية الثمانينيات وامتدت إلى أكثر من بلد عربي وتكررت المواجهات بأشكال مختلفة ولأسباب واحدة بين قوات الأمن العربية وحركات الاحتجاج الشعبي التي كانت في أغلب الأحيان حركات عفوية قبل أن تتحول في مرحلة لاحقة إلى منظمات تسميها الدول اليوم إرهابية تستخدم السلاح وتجعل من العنف وسيلتها الرئيسية لمقاومة السلطات المحلية. وأعقبت هذه الحركات انتفاضات واعتصامات وإضرابات مختلفة مناطقية وقطاعية ومهنية في أكثر من مكان أيضا قتل فيها في بعض الأحيان المئات من المواطنين بل الآلاف.

وبالرغم من هذه التظاهرات الكبيرة والخطيرة للأزمة المجتمعية والاحتقان العميق الذي بدأت تفرزه وتزايد حسابات القتلى والسجناء، لم تظهر النظم الحاكمة أي قلق ولم تبد أي تساؤل عما حدث وما يمكن أن يحدث في المستقبل. لقد كانت أكيدة مئة في المئة من صحة توجهها ولم ترَ في حركات الاحتجاج والاعتصام والتشكي سوى محاولات من قبل القوى الأجنبية للضغط عليها والانتقاص من سيادتها أو من قبل قوى المعارضة التي لا تستحق حتى اسمها في نظرها لمنافستها على السلطة والثروة. ولأنها رفضت الاعتراف حتى بحصول أخطاء جزئية أو اتباع مناهج أو السير في توجهات غير مناسبة لم يكن من الممكن لها التفكير حتى بفكرة الإصلاح. لقد كانت تعترف في أفضل الأحوال بوجود صعوبات لكن لتؤكد أن كل خياراتها السياسية والاستراتيجية والثقافية والتعليمية كانت صحيحة وعلى صواب. والنتيجة هي ما نعرفه اليوم من خروج مسألة الإصلاح من بين أيدينا وتبنيها من قبل الدول الأجنبية.