الديمقراطية الأميركية وإعادة بناء علاقات السيطرة شبه الاستعمارية: تجربة الشرق الأوسط

د. برهان غليون

 

في ما وراء وضع الوصاية الأميركية المباشرة تشكل إعادة بناء وترسيخ قواعد النظام الشرق أوسطي شبه الاستعماري الذي يشكل جزءا تابعا للنظام الغربي منذ الحرب العالمية الثانية الوسيلة الوحيدة أيضا لقطع الطريق على أي تحول حقيقي نحو سيطرة الشعوب العربية على مقدراتها الحقيقية، أي نحو ديمقراطية تضمن تقرير المجتمعات لمصيرها فعلا من دون ضغوط ولا قيود ولا تدخلات أجنبية. إنها تعني الحفاظ على نظام التدخلات الأجنبية التي طبعت مصير الشرق العربي وحددت اتجاهات تطور نظمه وعمليات استتباع نخبه في الوقت نفسه خلال العقود الطويلة الماضية بعد انقضاء حقبة التحرر من السيطرة الاستعمارية.
ومع ذلك يمثل هذا الوضع تقدما بالمقارنة مع الوضع السابق الذي أطلقت فيه الولايات المتحدة يد الفئات الحاكمة في البلاد العربية طالما بقيت هذه الفئات منسجمة مع استراتيجياتها الإقليمية، سواء أعلنت تحالفها معها أم لا. فهو يعني حدا أفضل من تطبيق المعايير الدولية والمراقبة الخارجية وبالتالي نوعا ما من المحاسبة كما يعني حدا أدنى من احترام القانون والحقوق والحريات الفردية. والأهم من ذلك في نظري أن هذا النظام الذي يعاني من الانهيار والتفتت اليوم لن يمكن إصلاحه لا من قبل الولايات المتحدة ولا من قبل غيرها. وسوف تنقلب أية إجراءات ديمقراطية مهما كانت ضعيفة على أصحابها. لن ينجح الأميركيون في نظري في إعادة الحياة إلى نظام الشرق الأوسط الخنوع والخاضع والتابع لهم ولن يفيدهم ترقيعه في شيء. وهذا يعني أن الأميركيين ووكلاءهم المباشرين وغير المباشرين يعيشون في مأزق سواء أنجحوا في فرض التجديد والإصلاح على النظم التي رعوها في العقود الماضية وانكشفت عورتها اليوم للعامة والخاصة أو لم ينجحوا واضطروا إلى التعامل مع أزمة النظم العربية المتفجرة بوسائل وطرائق أخرى، بما فيها ربما الحرب المستمرة.

من هنا، لا ينبغي التقليل أيضا من أثر التأكيد العالمي، والأميركي منه بشكل خاص، على مأزق الأنظمة العربية وافتقارها للديمقراطية واحترام الإنسان. فالواقع أن استقرار الاستبداد ذاته لم يحصل في البلاد العربية إلا بسبب الصمت والتغطية على انتهاكات الأنظمة العربية لجميع التزاماتها تجاه مواطنيها من قبل الدول الغربية، وبالتالي بسبب ثقة النخب الحاكمة بأنها منسجمة في سياساتها القمعية مع الاستراتيجية الأوروبية الأميركية. ولذلك فهي تشعر اليوم بالضياع ولا تفهم شيئا مما يحصل حولها بعد تغيير الولايات المتحدة خطابها وإظهارها ميولا مختلفة لمعالجة معضلات الأوضاع الشرق أوسطية.

ولا شك أن حديث الإدارة الأميركية عن المبادرات الديمقراطية يزعزع استقرار هذه الأنظمة أو بالأحرى يساهم في تعميق زعزعتها لأنه يحرمها من الغطاء السياسي الخارجي الأساسي والذي لا غنى لها عنه في استمرارها للتعويض عن غياب التأييد أو الشرعية الشعبية والانتخابية. وهذا ما يفسر أنه بالرغم من كل ما حصل ومن كل المبادرات الأميركية حول الديمقراطية والإصلاح لا تزال معظم النخب الحاكمة الحائرة والمنكوبة تأمل خيرا وتراهن على الوقت لإقناع الولايات المتحدة بالتراجع عن خططها والعودة إلى رشدها، أي إلى التعاون والتفاهم مع النظم القائمة لقاء التنازلات العربية المطلوبة.

ومهما كان الأمر، فليس لدينا أي سبب لرفض أية تحولات ديمقراطية مهما كان الباعث لها. بل نحن الذين كنا ولا نزال نتهم الدول الغربية بخيانة مبادئها باستمرار ودعم الاستبداد والنظم اللاشعبية في المنطقة. ولا يمكن أن نطالبهم اليوم بالعودة عن خطابهم وتأكيد موقفهم التقليدي من جديد. لكننا نقول لهم أولا إن الحديث عن تعميم الديمقراطية في المنطقة لا يمكن أن يستقيم وأن يكون حقيقيا طالما لم تربط الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون مثل هذه المبادرات بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية واليوم لقضية احتلال العراق. كما لا يمكن أن يستقيم ثانيا ما لم تغير الولايات المتحدة والغرب بشكل عام من نظرتهما لطبيعة مصالحهما في المنطقة ومن اعتقادهما بأن ضمان هذه المصالح لا يمكن أن يتحقق بالتفاهم مع شعوبها ولكن بإخضاعهم وتأمين السيطرة المباشرة عليهم، أي بحرمانهم من حقهم في المشاركة الفعلية في التعبير عن مصالحهم، سواء جاء هذا الاعتقاد نتيجة الشك في المجتمعات الإسلامية وقدرتها على التعامل مع معايير الحضارة العصرية أو بسبب الخوف من أن يؤدي تسليمها مقاليد أمورها إلى صعود نخب إسلامية معادية للغرب في معظم البلاد العربية.

ليس هناك إذن ما يمكن أن يوحي بالثقة بأن المبادرة الأميركية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ليست مجرد وسيلة للتغطية على إرادة السيطرة أو التمديد لها في المنطقة ولحرف نظر الشعوب العربية عن المسائل الخطيرة العالقة بين العرب والأميركيين وفي مقدمها المسألة الفلسطينية. وبالرغم من الحديث المكرر عن الإصلاح بل ربما بسببه، فإن هناك شكوكا كبيرة حول جديه الولايات المتحدة. ومن الممكن ألا تكون جميع هذه المبادرات سوى وسيلة لذر الرماد في العيون وللضغط على النظم العربية حتى تستجيب بشكل أكبر للمطالب الأميركية. فإلى جانب الإرادة الضعيفة التي تظهرها واشنطن تجاه زبائنها من النظم العربية هناك من دون شك الحسابات المعقدة أيضا في التوفيق بين المصالح القريبة والبعيدة. ثم إنه لا شيء يؤكد أن لدى واشنطن القدرة، بالرغم من كل شيء، على مواجهة النخب التي أطلقت يدها خلال عقود طويلة في البلاد العربية والتي استشرست وأتقنت اللعب على كل الحبال واستخدام جميع وسائل المراوغة والتحايل والخديعة، بما فيها الحروب الأهلية، لقطع الطريق على أي تغيير يحد من نفوذها أو يهددها بالتخلي عن ممتلكاتها، أعني عن الدول التي تسيطر عليها كإقطاعات القرون الوسطى القديمة مع كل شعوبها ومواردها. وكلها مستعدة لتفجير هذه الدول ودفعها نحو الهاوية بكل الوسائل إذا كانت النتيجة المتوقعة لأي إصلاح إخراجها من جنتها وحرمانها من ثمراتها بل تقليم أظافرها.

والخوف كل الخوف أن تنجح المخاوف الأميركية من الانفتاح السياسي والمراوغة التقليدية للنخب المتسلطة على الدول والبلدان في الدفع نحو توقيع صفقة جديدة، وهذا هو المرجح في نظري، بين الفئات الحاكمة والإدارة الأميركية الراهنة أو القادمة تكون نتيجتها التضحية المشتركة بالديمقراطية، أي بالمصالح الشعبية، مقابل التزام الدول الصناعية بتقديم مساعدات كبيرة اقتصادية وأمنية للنظم الحالية وقبول الأخيرة بتنازلات كبيرة في مسائل الاستقلال والسيادة والهوية الوطنية والتمسك بحل عادل للمسألة الفلسطينية وبآفاق التنمية المستقلة والوحدة والتحرر من السيطرة والاحتلال الأجنبيين. لا يمنع هذا بالتأكيد القيام ببعض الإصلاحات الشكلية لإقامة واجهة من التعددية السياسية العقيمة والحريات الفردية الفارغة لكنه يضمن إعادة بناء النظام الشرق أوسطي القديم وتجديد الشراكة التقليدية بين النخب الحاكمة والتحالف الغربي على الأسس ذاتها التي ضمنت في الماضي حرمان الشعوب العربية من الحرية والمشاركة والسيادة وبالتالي من التنمية، أي الاستمرار في الإحياء الاصطناعي لدول فارغة من أي مضمون سوى التغطية على المصالح الخاصة والعمل كوكالات للشركات والدول الأجنبية.