الديمقراطية الأميركية وإعادة بناء علاقات السيطرة شبه الاستعمارية

د. برهان غليون

 

لا أعتقد أن خطاب الإدارة الأميركية الجديد حول التحويل الديمقراطي والإصلاح في البلاد العربية دعاية فارغة ولا خدعة لفظية لا تهدف إلا إلى ضمان تأييد العرب لمشاريعها الإمبراطورية في احتلال العراق وتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية من دون تحقيق مطالب الدولة الفلسطينية والانسحاب من الأراضي المحتلة. وفي نظري أن الباعث على الحديث عن مبادرات ديمقراطية للعالم العربي موجود في مكان آخر غير الدفاع المباشر عن المصالح المادية والسياسية والاستراتيجية التي تحدثنا عنها. إنه يكمن في الاقتناع الصحيح بأن النظم العربية قد أخفقت في تحقيق أي هدف من الأهداف التي لابد منها لاستقرار الشعوب والمجتمعات والبلدان، سواء ما تعلق منها بالتنمية الاقتصادية أو العدالة الاجتماعية أو بناء الأنظمة السياسية الشرعية، وأن النتيجة الطبيعية لهذا الإخفاق هي تدهور شروط الحياة العربية وتفاقم البطالة والفقر ومن ورائهما تنامي التناقضات والنزاعات الداخلية وبالتالي انفجار أزمة تاريخية طويلة لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمآلها ولا بعواقبها على المصالح الأميركية والغربية والإسرائيلية عموما، بل وعلى استقرار الشرق الأوسط والقدرة على حكمه والسيطرة عليه.

وعلى هامش هذه الأزمة الطاحنة والسائرة حتما نحو التفاقم مع توليد المزيد من التعصب والتوتر والاقتتال والعنف لا يبدو في المشهد السياسي أحد، وأعني هنا، فاعلا جمعيا يقف على رجليه أو يبدو كذلك ويقدر على التدخل لتثمير الأحداث ودفعها في اتجاه واضح على الأقل من وجهة نظره، سوى القوى الإسلامية التي تستمد من معين المشاعر والاعتقادات والتقاليد الجمعية الدينية والمدنية معا.

وأمام تفكك هذا النظام الشرق أوسطي ومخاطره الكبيرة على تدفق النفط الطبيعي وسلام وأمن إسرائيل وانتشار أسلحة الدمار الشامل إن لم يكن استخدامها من قبل مجموعات منظمة صغيرة واتساع دائرة ما يسمى اليوم بالإرهاب، لا يسع الولايات المتحدة ولا بلدان المعسكر الصناعي الأخرى التي تدعمها وتقف وراءها، حتى عندما تختلف معها في الخطط التكتيكية، إلا أن تتدخل مباشرة في عين المكان لتعيد ترتيب الأوضاع وتقطع الطريق على أية مفاجآت أو تطورات غير متوقعة ومهددة للمصالح الغربية.

هكذا يعتقد الأميركيون والغربيون عموما أن سبب الإخفاق الخطير الذي تشهده المنطقة في جميع المستويات والذي يحمل تهديدات لا يمكن تجاهلها للمصالح الغربية هو سوء حكم وإدارة النخب العربية الحاكمة. وبالتالي فإن من المستحيل درء مخاطر الإخفاق الشامل في المنطقة دون وضع حد لما أصبح يبدو عمليات سطو جماعي مسلحة على موارد البلاد وسكانها أكثر مما يبدو سياسات مدنية وعقلانية مستمدة من حاجات بناء المجتمعات وضمان عمل المؤسسات وتكوين الدول الفاعلة.

إن ما تهدف إليه واشنطن من الحديث عن الديمقراطية هو القفز على برنامج الإصلاح الذي أصبح برنامجا عربيا شعبيا والتظاهر بتبنيه لتبرئة نفسها من مسؤولية الوضع الكارثي القائم وانتزاع المبادرة في توجيه وقيادة المرحلة القادمة التي ستخلف مرحلة تفكك النظم العربية القائمة.

وهكذا تريد الولايات المتحدة التي كانت الداعم الأول لنظم الحكم اللاشعبية باسم الحفاظ على الاستقرار أن تظهر بمظهر الشريك الأول للشعوب العربية في السعي نحو الخروج من الأزمة. والمضمون الحقيقي لمشروعات الإصلاح الأميركية هو لا أكثر ولا أقل من إعادة تشكيل النظم والنخب العربية بما يحقق استعادة زمام الأمور في منطقة استثنائية في موقعها وقيمتها الاستراتيجية، أي بما يضمن الحفاظ على المصالح الحيوية الأميركية الأوروبية. ولا يمكن تحقيق ذلك في نظر التحالف الغربي إلا بوضع حد لسياسات الهدر والاستهتار والانفلات القانوني والإداري التي تشكل اليوم أكبر تهديد للاستقرار وبوقف مسار التدهور المعنوي والمادي والسياسي وإنقاذ الوضع الشرق أوسطي من وجهة نظر الولايات المتحدة وحلفائها من كوارث محققة.

ولا شك أن الديمقراطية بما تعنيه من الاعتراف بحد أدنى من الحريات والتعددية للشعوب العربية وتأكيد معنى المسؤولية والمحاسبة السياسية تشكل اليوم أحد العناوين الأساسية إن لم تكن العنوان الرئيسي لأي برنامج إصلاح عربي.

لكن لا ينبغي أن نفهم من المشروع الأميركي لنشر الديمقراطية في البلاد العربية إعادة السيادة للشعب والقبول بمطالبه وجعل السلطة العمومية ممثلة بالفعل لمصالحه وتوجهاته. فالولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى الشعوب العربية على أنها شعوب بدائية ضعيفة التكوين الروحي والفكري والسياسي لا يمكن الاطمئنان لها أو السيطرة عليها. إن ما يهدف إليه هو بالأحرى وضع الأنظمة أو النخب العربية التي تدين ببقائها وتدعيمها للولايات المتحدة تحت الوصاية المباشرة للمعلم، وحرمانها من التصرف بحرية بما أصبح يبدو لها، من بلاد وعباد وثروات وموارد وطنية، وكأنه من أملاكها الخاصة وحكرا قائما عليها. أي في الواقع وضع حد لعربدتها الداخلية الاستثنائية. وهو من قبيل وصاية الأب على الولد الجاهل والفاسد والقاصر معا.

يطمح الحلفاء، والأميركيون على رأسهم، أن يحقق لهم نظام الوصاية الجديد الذي يزمعون فرضه على العالم العربي إشرافا أفضل على مسار التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في المنطقة والقيادة شبه المباشرة لها بعد أن خرجت أو كادت تخرج في نظرهم عن السيطرة. فالإصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية هي التي تضمن في نظرهم منع برميل البارود الذي هو العالم العربي برمته من الانفجار وتدمير كثير من المصالح حوله. كما يطمحون أيضا، من خلال إدخال درجات أكبر من الشفافية على النظم السياسية الجديدة أو المجددة، إلى ضمان النفاذ بشكل أفضل إلى سلطة القرار والتحكم فيه عن قرب ومنع حصول تطورات خطيرة لا يمكن التحكم بنتائجها، مثل تطوير أسلحة الدمار الشامل. وهم يطمحون كذلك إلى تقريب الطبقات الوسطى لإضفاء طابع من الاستقرار على النظام الجديد أو المجدد وذلك من خلال تأمين شكل من أشكال التعددية السياسية وضمان الحريات الفردية الأساسية. باختصار إنهم يريدون شراء المجتمعات العربية أو طبقاتها الوسطى ونخبها الرئيسية لضمان استمرار أطول واستقرار أكثر وأقوى مقابل الإبقاء على ما ينبغي تسميته نظام السيطرة المشتركة العربية الأميركية. وبهذا المعنى قلت إن هدف ديمقراطيتهم الليبرالية الفردوية هو قطع الطريق على الديمقراطية الحقيقية التمثيلية التي تعترف بسيادة الشعب والمجتمع وتعبر عن طموحاته وأهدافه وآماله الجمعية.