المبادرات الأميركية لدمقرطة العالم العربي

د. برهان غليون

 

بعد مبادرة الشراكة الشرق أوسطية الأميركية التي تحدث عنها كولن باول في ديسمبر 2002 الذي رصد فيها 29 مليون دولار كدفعة أولى ومشروع دمقرطة الشرق الأوسط الذي نشره وليم بيرنز في منتصف عام 2003 ثم أول إعلان من جورج بوش الابن عن خطة للتغيير الديمقراطي في العراق والشرق الأوسط في مايو ثم في نوفمبر من العام نفسه، حيث ذكر أن أميركا التي دعمت الديمقراطية خلال ستين عاما ماضية قد غيرت من اختياراتها، يتحدث العالم أجمع اليوم عن الخطة التي يقال إن الإدارة الأميركية بالتفاهم هذه المرة مع أوروبا المعنية جدا بالشأن العربي تستعد لنشرها وتطبيقها منذ الصيف القادم لنقل الشرق الأوسط والعالم العربي إلى مصاف الدول الديمقراطية كما حصل لليابان وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
في مواجهة هذا التركيز المتواصل للإدارة الأميركية على مسألة التغيير والإصلاح الديمقراطي التي تشكل اليوم بؤرة الاهتمام في وسط الرأي العام العربي على مختلف تياراته العقائدية والسياسية وفي جميع قطاعاته يثور النقاش بين العرب حول من يدافع عن العرض الأميركي ويقبل به أو يراهن عليه ومن يرفضه ويدعو إلى عدم الاعتقاد به والتمسك بالمقابل بمشاريع الإصلاح والتغيير الداخلي. وهكذا انقسم الرأي العام بالفعل بين فريقين متخاصمين. يقول أنصار الحل الأميركي إن المجتمعات العربية قد أظهرت أنها غير قادرة على الخروج من المأزق الذي وصلت إليه وأنه لا مهرب لنا من اللجوء إلى الدعم الخارجي للخروج من الوضع المأساوي الذي نجد أنفسنا فيه. ومن الواضح أن الولايات المتحدة التي ساهمت في التحويل الديمقراطي للكتلة الشيوعية بأكملها تريد الآن أن تزيل الوضع الاستثنائي الذي فرضته على العالم العربي في الماضي ودعمت فيه الديكتاتورية ولا يمكن ألا نستفيد من سياستها الراهنة الإيجابية. وفي المقابل يعتقد الفريق الآخر أن مبادرات الديمقراطية الأميركية دعاوى فارغة تستخدمها فقط للتغطية على مشاريع السيطرة التي تعدها للمنطقة ولا شيء آخر، وأنه لا ينبغي على العرب القبول بالديمقراطية المفروضة وأن يعتمدوا على أنفسهم وقواهم الخاصة للوصول إلى الإصلاحات المنشودة مهما كان الثمن والحال.

وبداية أقول لسنا هنا في معرض رفض الديمقراطية سواء جاءت من طرف الولايات المتحدة أم من طرف غيرها. فنحن نشكو من أن الولايات المتحدة والدول الصناعية تدعم ولا تزال تدعم الديكتاتوريات في العالم العربي. كما أن المجتمعات العربية لم تنتظر الولايات المتحدة لتدخل في معركة التحويل الديمقراطي في بلدانها. ولا أرى هناك معنى لوضع المسألة في إطار الاختيار. إن ما هو مطلوب اليوم من محللين ومثقفين معنيين بمستقبل العالم العربي هو إعطاء تقديرات واقعية ومنطقية لمدى جدية الالتزام الأميركي بالديمقراطية إذا كان هناك التزام أو الكشف عن الطابع الدعائي لهذه المبادرات في سبيل تنوير الرأي العام وفي مقدمه قادته الذين يجدر بهم ألا يأخذوا أحلامهم كواقع ولا يضيعوا الفرص التاريخية إذا وجدت أيضا.

وأقول بداية من منطلق تقدير الحالة هذا إنني لا أعتقد أن نشر الديمقراطية من الهموم الأساسية للولايات المتحدة أو لأية دولة أخرى. وقد أظهر التاريخ القريب المعروف أن الولايات المتحدة استخدمت سلاح الديمقراطية عندما كان هذا السلاح يتماشى مع مصالحها كما هو الحال في مواجهة الكتلة السوفييتية السابقة كما استخدمت سلاح الانقلابات والديكتاتوريات العسكرية والحكومات المطلقة الأبوية والقبلية عندما كان ذلك يتماشى أيضا مع هذه المصالح كما حصل في دول آسيوية وأميركية لاتينية وعربية أو شرق أوسطية عديدة خلال العقود الماضية. وبالمثل لا أعتقد أنه يكفي الإشارة إلى أن المبادرات الديمقراطية الأميركية تشكل جزءا من مشروع السيطرة الإمبراطورية على الشرق الأوسط يتم البرهان على بطلانها ومعها دعاوى الدمقرطة الخارجية. إذ من الممكن كما رأينا ذلك في مثال أوروبا الشرقية وروسيا أن يتفق هدف السيطرة الأميركية مع هدف التحويل الديمقراطي. إن موقف الولايات المتحدة من الديمقراطية موقف براغماتي تابع بالفعل لمصالحها. وفي هذه الحالة لن تكون المسألة المهمة هي قبول المبادرات الخارجية للإصلاح أو الوقوف في وجهها ولكن معرفة ما هي بالفعل وجهة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط للسنوات القادمة وإلى أي حد يلتقي تحقيق هذه المصالح مع غاية التحول الديمقراطي للنظم السياسية العربية. والسؤال الثاني الذي لا يمكن أن ينفصل عن الأول هو معرفة ماذا نقصد وتقصد الولايات المتحدة بالديمقراطية؟ هل هو إقامة نظم سياسية تمثيلية تعكس بالفعل الإرادة الجمعية أو السيادة الشعبية في البلاد العربية وتقود إلى سيطرة المجتمعات على مصائرها التاريخية أم هو إقامة واجهات تمثيلية شكلية عبر انتخابات دورية كما هو قائم في العديد من الدول الأفريقية والآسيوية والأميركية اللاتينية، أي إقامة نوع من التعددية التي تسمح للأفراد بحد أدنى من التعبير الحر عن الرأي ومن التنظيم والتنافس على مناصب المسؤولية تختلف كثيرا عما هو سائد من احتكار السلطة ومصادرة حق التعبير والتنظيم والمشاركة والمنافسة على مناصب المسؤولية من قبل فئات محدودة أصبحت سيطرتها الأحادية ترى كأنها عملية سطو مسلحة على العباد والبلاد ومواردهما الرئيسية.

في اعتقادي أن الولايات المتحدة ومن ورائها قوى أخرى من المعسكر الصناعي والأطلسي تفكر في الشرق الأوسط والعالم العربي من خلال أربع مصالح رئيسية: عدم ترك أهم احتياطيات النفط العالمية تحت سيطرة شعوب أو أنظمة عربية غير مضمونة لا في مواقفها ولا في إمكانية استقرارها، تأمين كل فرص ووسائل الانتصار في الحرب ضد الإرهاب الذي تعتقد أن ظاهرته متجذرة في الأرض العربية، تجريد المنطقة أو الدول العربية بالأحرى من أسلحة الدمار الشامل التي تملكها حتى لا تبقى خطرا كامنا على الدول الصناعية أو على إسرائيل وأخيرا توطين إسرائيل نهائيا وترسيخ جذورها في التربة الشرق أوسطية وتأمين القبول بها والتعامل الطبيعي بينها وبين الشعوب العربية، ومن مستلزمات ذلك الإضافية القبول بمشاريع إسرائيل التوسعية باعتبارها ضرورية لضمان مستقبل إسرائيل ومعاداة كل محاولة تكتل عربية تهدد بتغيير جيوسياسة المنطقة وتوازنات القوى الإقليمية. هذه الأهداف هي التي توجه السياسة الأميركية أساسا وربما أكثر فأكثر السياسة الأطلسية.

ليس من بين هذه الأهداف هدف واحد يسمح بالحديث عن الالتقاء بين الأجندة الأميركية ومشروع نشر للديمقراطية في المنطقة. فالسيطرة على النفط لا تهدف إلى أمر آخر سوى منع الدول أو النظم العربية، تحت ضغط شعوبها، من استخدامه كأداة في الحرب أو الضغط على الدول الصناعية. وذكرى الحظر النفطي العربي عام 1973 هي التي تدفع الغربيين للتدخل المباشر اليوم وتبرره. وبالمثل من الصعب الاعتقاد بأن محاربة الإرهاب تستدعى فتح المجال السياسي في العالم العربي بعد أن ساهمت في تكبيله وتقليص الحريات أو الضمانات الدستورية للحريات في موطن الديمقراطية الأميركية نفسها. ولا أدري ما هي العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين نزع أسلحة الدمار الشامل العربية ودمقرطة الحياة السياسية في الشرق الأوسط. أما فيما يتعلق بإسرائيل فأنا على يقين بأن أنصار هذه الدولة في واشنطن يعتقدون بقوة أن الرأي العام العربي رأي معاد للسامية وكاره لليهود وأن الديمقراطية لا يمكن أن تكون إلا الطريق الأسرع لسيطرة القوى الإسلامية المتعصبة والمعادية لليهود والغرب على السلطة في معظم إن لم يكن في جميع الأقطار العربية. هل يعني هذا إذن أن دعوة الولايات المتحدة إلى تطبيع الحياة السياسية والعودة إلى سيادة القانون والحريات العامة والديمقراطية في البلاد العربية هي دعوة فارغة وملغومة؟ هذا موضوع مقال قادم.