العنف المنتج للفوضى

د. برهان غليون

 

إذا استثنينا إسرائيل وقطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي المتأثرة بدعايتها أو الجاهلة بمجريات الأمور في منطقتنا، من الصعب الوقوع على شخص أو فئة لا تعلن تعاطفها الكبير مع سوريا في مواجهة التهديدات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة التي تتعرض لها منذ احتلال العراق في ابريل الماضي. ولا ينبع هذا التعاطف من العداء لسياسة السيطرة الأميركية العالمية ولا من المخاطر التي تقود إليها سياسات اليمين الاسرائيلي التوسعية على السلام العالمي فحسب، ولكن أيضا وقبل ذلك من تأييد موقف الشعب السوري المتمسك بحقوقه في مواجهة التهديدات، وبالرغم منها. فالرأي العام الدولي وعلى رأسه الرأي العام العربي يعتقد أن إخضاع سوريا سوف يعني، في ما وراء نهاية الحقبة الوطنية العربية، تكريس السيطرة الاستعمارية أو شبه الاستعمارية الجديدة في المشرق العربي وما تعنيه من إفلات تقرير مصير العرب من أيديهم ووضعه في يد الدول الأجنبية وبالتالي التهديد بخسارة عقود طويلة مقبلة من الضياع العربي والصراع داخل المجتمعات العربية لإعادة بناء الهوية والتوازنات الداخلية التي تسمح باستعادة الوحدة الداخلية والإرادة الذاتية وروح الحرية والاستقلال.

وفي إطار هذا التعاطف الدولي والعربي الواسع مع سوريا تغاضت قطاعات كبيرة من الرأي العام الرسمي والشعبي ولا تزال عن المشكلات الكبيرة التي تطرحها سياسات احتكار السلطة والاحتفاظ بنظام الحكم السياسي القائم والذي لا يختلف في نظرها كثيرا عن الأنظمة الشمولية الأخرى. وليس ذلك بالتأكيد من باب التعلق بهذا النموذج من الحكم ولا من باب المحبة لأولئك الذين يستفيدون منه ولكن في سبيل تجنب أي نزاعات سياسية داخلية يمكن أن تدفع نحو زعزعة الاستقرار وتشكل ثغرة تغري التحالف الاميركي الاسرائيلي بتوجيه المزيد من الضغوط والتهديدات لسوريا.

لكن في مقابل ذلك لم تظهر السلطات السورية أية حساسية خاصة تجاه ما يتطلبه الحفاظ على هذا الاستقرار وقطع الطريق على المناورات المعادية. ولم يستمر الجمود السياسي التقليدي، بما يعنيه من غياب أي حوار مع المجتمع وقواه المختلفة، السياسية أو المدنية أو الفكرية وانعدام أي مبادرات جدية لكسر مناخ الفرقة والقطيعة القائمة بين السلطة والرأي العام السوري فحسب. ولكن هذه السلطات سارت في الطريق المعاكس لما يقتضيه منطق التعاون الوطني من أجل الصمود في وجه التهديدات وسياسات الإخضاع والتركيع المذلة لسوريا والبلاد العربية معا. وبدل السعي إلى فتح الحوار في الداخل كما حصل في السعودية أو في مصر وفي العديد من البلدان العربية الأخرى لتعزيز التفاهم الداخلي وتمتين الموقف السوري في مواجهة الضغوط الخارجية اختارت السلطة سياسة على النقيض تماما، أعني التضييق المتزايد على الرأي العام الداخلي والتراجع عن النزر اليسير من التسامح الذي أبدته تجاه بعض المثقفين في التعبير عن آرائهم السياسية في الصحافة الأجنبية مع السعي بجميع الوسائل إلى التفاهم مع القوى الخارجية التي توجه لها التهديدات، أي السلام في الخارج والحرب في الداخل. وهكذا وضعت نفسها أيضا في موقف محير وغير مفهوم. فهي في الوقت الذي تستخدم فيه قفازات الحرير في تعاملها مع الأعداء الخارجيين تستخدم قانون الطوارئ والمحاكم العسكرية والملاحقات الأمنية اليومية ضد المواطنين القلقين على مصير وطنهم والحريصين على أمنه وسلامته ورد الأذى عنه. وهي في الوقت الذي توسط فيه جميع الدول الصديقة وغير الصديقة لفتح المفاوضات مع إسرائيل لا تترك فرصة تفوتها من أجل إشعار الجمهور الواسع بدونيته وتجريده من أية قيمة أو كرامة أو اعتبار وإبراز أن مصيره معلق في قبضتها وأنه ملك لها تستطيع أن تفعل به ما تشاء متى تشاء.

هناك بالتأكيد خوف كبير من أن تقود الانفتاحات السياسية إلى تفجير أجواء من الحرية تصعب السيطرة عليها في ما بعد أو أن تتجاوز مقدرة أجهزة الأمن على ضبطها. وهو ما يمكن أن يخلق ظرفا يفرض على النظام، في ما بعد، القبول بشكل أو آخر من أشكال التعددية حتى لا نتحدث لا عن المشاركة ولا عن الديمقراطية. وجميع المتعاطفين مع سوريا وهم كثر، في أوساط الأنظمة والرأي العام معا، يأخذون هذا بالاعتبار ولا يؤمنون كثيرا بأن من الممكن الذهاب بعيدا في عملية التحويل الديمقراطي في سوريا والعالم العربي من دون إيجاد المناخ الملائم في الوقت نفسه لفتح مسار التنمية الاقتصادية وإيجاد حلول معقولة ومقبولة للنزاعات الإقليمية وفي مقدمها النزاع العربي الاسرائيلي ومأساة الشعب الفلسطيني اليومية. لكن في المقابل لا أحد يفهم ويقبل، وهو ما سمعته من العديد من الشخصيات الأجنبية والعربية التي دعمت ولا تزال تدعم سوريا والنظام السوري لتحقيق مشاريع الإصلاح التي تعتبر أنها أساسية لوقف المزيد من تدهور الأوضاع السورية والاقليمية معا ومواجهة حالة الفوضى والخراب العام، أقول لا أحد من هؤلاء يفهم أو يقبل أن يعني مفهوم الاستقرار والطمأنينة أو التغلب على الخوف وضع لوح من الجليد على الحياة الفكرية والسياسية لشعب كامل ومنعه حتى من ممارسة حقوقه المدنية الأساسية. ونحن لا نتحدث هنا عن الديمقراطية في الواقع ولكن عن احترام الحد الأدنى من القانون ومن الحريات المدنية التي تعني أنه لا يحق للسلطة أن تلقي القبض على من تشاء لأسباب غير معقولة مثل مشاركته في ندوة فكرية أو حضوره لها، أو بسبب انضمامه إلى جمعية أهلية للدفاع عن البيئة، وإذا حصل وألقي القبض عليه ألا يحاكم في محاكم عسكرية أو استثنائية لا تقبل الالتزام بأية شروط موضوعية للمحاكمة القانونية.

وكما يقول أصدقاء سوريا والحريصون على استقرارها، من الممكن أن تجلب مثل هذه السياسة الأمنية المفرطة في استخدام القهر والعنف الطمأنينة للسلطة وعناصرها المختلفة التي تزداد مخاوفها بقدر ما تتعرض للضغوط والتهديدات الخارجية وكذلك بقدر ما تزرع هذه التهديدات والضغوط الانقسام في ما بينها. لكن هذه السياسة التي تعطي لأجهزة السلطة الانطباع بأن كل شيء خاضع وخانع وتحت السيطرة تنقل الخوف والرعب والقلق والذعر إلى داخل المجتمع وبشكل خاص إلى قلب نخبه الأكثر وعيا وحساسية واهتماما بالشأن العام. وكما هو الحال عند البشر جميعا، يشكل الخوف والقلق واليأس التربة الخصبة لكل الأفكار والحركات المغامرة والمتطرفة واللاعقلانية. ومن هنا يمكن لسياسة المبالغة في طلب الأمن والاستقرار، أي لاستسهال استخدام سلاح العنف المادي أو القانوني وتحويل أي تعبير عن الرأي أو مشاركة في ندوة أو محاضرة أو النية في تشكيل جمعية أهلية أو الطموح للمشاركة في الحياة السياسية من خارج إطار الحزب الحاكم كما هو الحال اليوم، أن تكون هي السبب الرئيسي في زعزعة الاستقرار وتفجير الأزمات العميقة الراكدة أو المتأججة تحت الرماد. ولا ينبغي للسلطات السياسية أن تركن إلى مظاهر الخنوع والخضوع والصمت الراهن، فقد تكون خادعة وغشاشة.

لن يأتي الخطر بالضرورة من ناحية الطبقات الوسطى والمثقفين الذين لم يكفوا خلال السنين الثلاث الماضية عن التعبير عن تمسكهم ببرنامج إصلاح وتحولات ديمقراطية تدريجية وسلمية ولكن من ناحية شرائح اجتماعية واسعة لا يسيطر عليها لا فكريا ولا سياسيا أحد من الفئات الحاكمة أو من نخب المعارضة، بما فيها النخب الاسلامية. فالتنكيل اليومي والمستمر بما تنظر إليه السلطات على أنه أقليات بسيطة من المعارضة والمثقفين المعزولين عن الجمهور الواسع يخلق مناخا محبطا عند جميع أبناء البلاد وينزع الصدقية عن السلطة والحياة السياسية بأكملها. وبشكل عام إن الذي يمنع الجمهور الواسع والمحبط معا من الحركة هو عدم ثقة أفراده بأنفسهم وقدراتهم وخوفهم من عالم السياسة بكل ما يشتمل عليه من خطابات منمقة ومناهج عمل ووسائل تنظيم مدققة، عند فئات الحكم والمعارضة معا. لكن بقدر ما يفسد المناخ العام ويزيد الشعور لدى هؤلاء باستنفاد النظام السياسي بأجمعه، حكومة ومعارضة، لأوراقه واهتلاك السياسة نفسها، أو انسداد طريق الاصلاحات بالسياسة وعن طريقها، يزداد لديهم الشعور بانعدام القيادة والضياع وبالتالي الخوف من المستقبل ويحرك لديهم غرائز طبيعية للدفاع عن النفس والخروج من حالة العطالة والسكون. وليس هناك شك في أن السنوات الثلاث الماضية التي شهدت إطلاق فكرة ومشروع إصلاح الأوضاع السورية قد أثبتت للجميع بأن النخب الاجتماعية غير قادرة على الوصول إلى نتيجة ولا إلى أي حد من التفاهم وأن نظام السياسة أو منطقها قد استنفد أغراضه ووصل إلى طريق مسدود ولم يبق هناك شيء لا دولة ولا قانون يستحقان الذكر وبالتالي الاحترام.

حان الوقت لوقف لعبة التدمير الجماعي المتبادل وحان الوقت كي يدرك المسؤولون وأصحاب المصالح الرئيسية في النظام، والآن في البلاد، أنه لا شيء يبقى كما كان، وأن الدفاع عن النظام الذي بدأ بناؤه منذ أكثر من أربعين عاما، كما هو من دون أي تغيير أو تنازل أو مشاركة، مع ما عناه من تركيز الثروة والسلطة والجاه في يد فئات صغيرة وتهميش شعب كامل، لم يعد بالإمكان. فما نجح البعض بتحقيقه عن طريق القوة والسيف في ظرف داخلي وخارجي استثنائي يصعب اليوم الدفاع عنه وبالأحرى إيجاد مبررات استمراره. وأي مسعى لضمان هذا الاستمرار بالقوة والاستخدام الموسع للعنف سيكون له مفعول معاكس تماما ولا يمكن أن يقود إلا إلى دفع الجمهور إلى المزيد من الانفصال عن النظام وإلى نمو روح المقاومة والتمرد والانفجار. وأعتقد أن استخدام العنف السياسي والقانوني قد استنفد أغراضه تماما وأنه لم يعد هناك خيار آخر سوى المخاطرة بمستقبل البلاد أو فتح النقاش حول أسس النظام الجديد الذي يضمن وحدة السوريين وولاءهم ويقطع الطريق على التفكك والانهيار الذي قاد إليه في كل مكان الإصرار على التفرد بالقول والسلطة والقرار.

إن السوريين جميعا مدعوون إلى المشاركة في حمل المسؤولية لتجنيب البلاد هذا الاحتمال. لكن الدور الأكبر يقع على كاهل التيارات الاصلاحية داخل النظام. فهي التي تملك زمام المبادرة لإطلاق ديناميكية بعكس الاتجاه السائد اليوم. وهي تشكل الأغلبية الصامتة والمستعملة داخل الحزب الحاكم وليس لديها في الواقع ما تخسره من العودة إلى نظام الحياة القانونية والسياسية الطبيعية سوى ربما السمعة السيئة التي ارتبطت ولا تزال بمنطق الولاء والاستزلام والتضحية بروح الكرامة والعدالة والمساواة الانسانية. وربما كانت الإعدادات الراهنة لمؤتمر الحزب القادم هي فرصتها المثالية كي تظهر انتماءاتها الحقيقية وتميز نفسها عن فئات المصالح الشخصية والمافيوية، أعني كي تعلن رفضها الإذعان للأمر الواقع وتقول نعم للحرية والعدالة والمساواة والأخوة في سوريا مستقلة حرة وديمقراطية خالية من التعسف والسجون والمعتقلات.