الإصلاح والديمقراطية والحكومة التمثيلية

د. برهان غليون

 

قلت في مقال سابق إن برنامج الإصلاح العربي الذي تبناه العديد من النظم العربية يعاني اليوم، بسبب غياب حكومات تمثيلية مستندة إلى إرادة شعبية واضحة وقوية، من انسدادات ومآزق عديدة لن يكون من الممكن تجاوزها ولا التحكم فيها من قبل دعاة الإصلاح حتى لو وجدت الرغبة والإرادة الفعلية عند القيادات الحالية. والسبب في ذلك أن الإصلاح يحتاج اليوم في البلاد العربية أكثر منه في أي مكان آخر، إلى اتخاذ قرارات صعبة تمس مصالح ثابتة وقوية ومستقرة منذ عقود طويلة كما يحمل مخاطر كبيرة داخلية وخارجية.
وأول هذه القرارات هو مواجهة الفساد المستشري في الحكم والإدارة وتضييق الخناق على أولئك الذين جعلوا من الموارد العامة موارد شخصية. ومنها أيضا معالجة التناقض الحقيقي بين متطلبات الإصلاح والتنمية وترتيب البيوت الداخلية من جهة ومتطلبات مواجهة الضغوط والتهديدات والتدخلات الخارجية من جهة أخرى. وهو ما يعني خوض معركتين في الوقت نفسه وعلى جبهتين متنافرتين تماما والتوفيق الصعب بين أهداف الاستقرار السياسي والاستراتيجي الضروري لتوطين الاستثمارات وجذبها وأهداف الحفاظ على الحد الأدنى من استقلالية الحركة والقرار واتساق السياسات التنموية عبر خطط يحتاج تطبيقها إلى فترات زمنية طويلة نسبيا. وكما يتطلب مشروع الإصلاح والتنمية تركيز الجهود الرئيسية على توفير شروط الاستثمار يحتاج الاستمرار والاستقرار السيطرة على اللعبة الإقليمية واحتواء التقلبات الخارجية الاقليمية والدولية. وهو ما يطرح مسألة الأسلوب الأنجع للتعامل مع حالة الحرب المعلنة أو الكامنة مع المعسكر الأميركي الإسرائيلي. ولا تهدف الضغوط و التهديدات الإسرائيلية والأميركية المستمرة للعديد من الدول العربية المطالبة بالإصلاح إلى شيء آخر سوى زعزعة الاستقرار لتقويض نظمها وإجهاض مشروعات الإصلاح المنشود فيها. وكما يبدو لي أن من الصعب على الحكومات العربية أن تعطي الأولوية للتنمية وتنسى التهديدات الاسرائيلية التي تقوض شرعيتها يبدو لي كذلك أنه من الصعب على هذه الحكومات أيضا أن تغضّ الطرف عن هذه التهديدات وتتصرف كما لو أنها غير موجودة وتعطي الأولوية لمشروعات الإصلاح الداخلية. فالتركيز على المسألة الوطنية يزيد من التوترات الإقليمية ويساهم في زعزعة الاستقرار وبالتالي إعاقة مسيرة الإصلاح والتنمية في حين أن التركيز على مسائل التنمية والإصلاح وتجاهل التهديدات الخارجية يجعل الحكومات تبدو في نظر شعوبها وكأنها تعد نفسها للاستسلام والتسليم بالمشروعات الاستعمارية.

والمأزق الثاني هو الناشئ عن التناقض بين حاجات الإصلاح إلى مكافحة حقيقية وسريعة للفساد أو على الأٌقل إلى تقليص انتشاره من جهة وحاجات النظام في بقائه لاستمرار الاعتماد على الولاءات الحزبية والعائلية والزبائنية عموما. وقد دلت السنوات الماضية على أن الفئات الفاسدة كانت أكثر قدرة على فهم منطق النظام والاستفادة منه لتضاعِف من نشاطها في العديد من البلاد العربية بدل أن تحدّ منها. بل ربما أدى الحديث عن الحرب ضد الفساد مع غياب إرادة العمل الجدي وعدم توفير الشروط السياسية والاجتماعية والقانونية الضرورية لتحقيقها قد دفع إلى تفاقم الظاهرة أكثر من قبل. وربما ساد شعور قوي لدى أصحاب المصالح من بيروقراطيين فاسدين ومحاسيب وأزلام للنظم بأن هذه هي الفرصة الأخيرة لتكوين رساميل أسطورية أو لتعزيز المتراكم منها. وفي عديد الحالات قامت شبكات المصالح الخاصة، في سبيل قطع الطريق على إرادة الاصلاح الضعيفة والمترددة، بالسيطرة على الدولة وتحييد مؤسساتها تماما وإلغائها او شلها ومعها جميع القواعد والمعايير القانونية والأعراف الإدارية الطبيعية التي لا يمكن لدولة أن تقوم وتستمر من دونها. وهكذا لم يعد هناك وجود حقيقي للدولة بوصفها مؤسسة عمومية وتحولت إلى غلاف أو غلالة خفيفة لا تكاد تخفي من يتلاعب بها من زعامات تعمل بمنطق الولاء وعصابات لا وجه لها تعمل لحسابها وبالتفاهم معها.

إن حكومة ديمقراطية تمثيلية مسلحة بدعم شعبي حقيقي هي وحدها التي تستطيع أن تتخذ القرارات الحاسمة من دون أن تخاف من نتائجها وتحدد الاولويات وتوفق بينها من دون أن تتهم بالعمالة الأجنبية أو بالمزاودة الوطنية على حساب مصالح المجتمعات وحياتها. واعتمادا على الصفة التمثيلية والصدقية التي تحظى بها بوصفها بالفعل حكومات لا يمكن التشكيك بشرعيتها، تستطيع هذه الحكومات وحدها أن توقف منطق الابتزاز المدمر بالإصلاح والديمقراطية الذي أصبحت القوى الأجنبية، وفي طليعتها الولايات المتحدة وإسرائيل، تستخدمه لتفرض على الحكومات الراهنة تنازلات لا تمسّ سيادة الدول وصورتها الخارجية فحسب وإنما سيادتها الداخلية ذاتها. ولم يبق إلا أن توظف مندوبا ساميا في كل دولة عربية لضمان أمنها ومصالحها في الحرب ضد الإرهاب ومن أجل الديمقراطية والتنمية واحترام المرأة وغير ذلك من النقاط الموضوعة على برنامج التغيير من الخارج.

ولذلك يبدو لي أن ما تطالب به النظم القائمة أو أغلبها من الاحتفاظ بسلطة مركزية قوية، حتى من دون أن تكون تعسفية خاضعة لقانون الطوارئ والأحكام العرفية، لا يمكن أن يفيد في هذه المرحلة الدولة ولا أن يعزز مكانتها أو أن يزيد من قدرتها على المناورة الخارجية والداخلية. إنه يساهم بشكل أكبر في إخضاعها وتركيعها من قبل القوى الخارجية كما يعطي فرصة جديدة لمجموعة المصالح الخاصة التي تسيطر عليها باسم الولاءات الحزبية أو العائلية أو العشائرية أو المحسوبية للاستمرار في نهبِها المتواصل للموارد العامة. ومن هنا لا يعني التمسك باحتكار السلطة وشموليتها ورفضها الخضوع لقاعدة القانون نشوء دولة قوية بله سلطة وطنية متماسكة ولكن العكس تماما: دولة مرعوبة مفتقرة للإرادة والقوة معا وسلطة مفككة تنخرها نزاعات المصالح الفئوية الزبائنية التي تنهش فيها. وفي ما وراء المظاهر الخادعة، ليس ما نراه أمامنا سوى تلاشي الدولة من حيث هي حضور فعلي وحي للمؤسسات التي تتحكم بالعلاقات الشخصية وتخضعها لمنطق موضوعي يساوي بين الأفراد وينظم علاقاتهم على أسس قانونية لحساب النظام الذي يقوم على مباديء حزبية أو تحزّبية تلغي بنيته الوطنية وتجعله إطارا لتآلف المصالح العشائرية والعائلية والزبائنية.

ومن هنا لا أعتقد بأهمية النقد الذي غالبا ما توجهه المعارضات العربية للنظم القائمة وتركز فيه على تحكم السلطة التنفيذية بالسلطات التشريعية والقضائية وإخضاعها لها. وليس من الصحيح أن المشكلة كامنة في قوة السلطة التنفيذية للدولة. الصحيح أن سلطة الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية معا معدومة لصالح سلطة ممثلي المصالح التي تتقاسم موارد الدول وصلاحياتها، وهم متمركزون داخل الأجهزة الأمنية والحزبية والنقابية التي تتصرف كميليشيات مستقلة عن الدولة وغير خاضعة لقانونها، مثل ما هم متمركزون خارجها وبمحاذاتها. فهذه هي القوى التي تستفيد من تركيز سلطة الدولة وليس الأمة أو الشعب عموما، ولصالح هذه النخب ولخدمة أهدافها يعمل إلغاء التعددية والحياة السياسية من البلاد وليس لصالح الدولة. فالمشكلة لا تنبع هنا من وجود دولة قوية قادرة على مركزة القرار والمبادرة السريعة ولكن في غياب الدولة ومصادرة سلطتها المركزية جدا والقاسية جدا من قبل جماعات المصالح ولتحقيق أهداف ومشروعات خاصة متناقِضة تماما مع مصالح بناء الدولة والحفاظ على الأمة معا.

إن الابقاء على نظام السلطة المطلقة الاحتكارية والتعسفية بدل أن يعزز قوة الدولة ويساهم في إيجاد قرار مركزي يساهم في نجاح الاصلاح والسياسات التنموية، يزيد هنا، بعكس ما يدعي أنصار الابقاء على نظام الأمر الواقع، من تغول أصحاب المصالح الخاصة والضيقة على الدولة ويكرس تحييد المؤسسات وتهميشها. وبمعنى ثان إن الاصلاح يحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى تحرير الدولة من سيطرة المصالح العصبوية التي تنخرها وجعلها دولة مؤسسية وقانونية أولا، تفكر بمنطق وطني وتعمل لصالح المواطنين جميعا وتتحلى بروح المسؤولية وبرؤية شمولية للمصالح العامة والبعيدة. ولا يمكن لهذا أن يحصل من دون العودة إلى المجتمع عبر آليات التمثيل الديمقراطية التي تشكل في هذه المرحلة الانتقالية الوسيلة الوحيدة لتحرير الدولة أو إعادة بنائها.