ضرورة المجتمع المدني*

أ.انطون مقدسي**

 

أشكركم على حضوركم للحديث عن المجتمع المدني وآمل أن أكون عند حسن ظنكم بي.

مدني نسبة إلى مدينة، وأول سؤال يطرح هل كل من يسكن المدينة مدني؟ وهل كل مدينة تشكل أو يمكن أن تشكل مجتمعاً مدنياً؟ كان في برامجنا لسنوات خلت مادة اسمها (معلومات مدنية) عرضها يعطيكم فكرة واضحة وأولية عن المجتمع المدني، فقد كان فيها تعريف بالمؤسسات السياسية الجمهورية، اتحاد الجمهورية، الوزارات، ومن ثم المؤسسات: المؤسسة التعليمية، المؤسسة الصحية، القضاء،…الخ، والعلائق المدنية من مثل أن لا ترفع صوتك بعد الساعة العاشرة ليلاً كي لا تزعج جيرانك، دخول البعض إلى الدور، آداب السلوك في الشارع،…الخ، وكمثال على ذلك: أنا أسكن في حي الشعلان في بناء يتألف عملياً من طابقين وطابق أرضي وراجع يعني أربع طوابق، منذ حوالي 35 سنة لم نتمكن نحن سكان هذه البناية من الاتفاق على شطف الدرج، أترك التدفئة والأمور الأخرى.. أما في البلاد الأوروبية وفي بناية كبيرة كانت أم صغيرة، هناك ميثاق يُتفق عليه بين الجميع، على التدفئة، على النظافة، إلى آخره، هذا الاتفاق هو المجتمع المدني بكل بساطة، الغريب في الأمر أن بعضهم رأى في الحديث عن المجتمع المدني ما يشبه حصان طروادة يدخل في قلب الحكم لتفكيكه من الداخل، إذا كان الاتفاق على شطف الدرج يفكك الدولة … المجتمع المدني يتبدل بتبدل المدن، فلكل مدينة مجتمعها المدني أو يغيب عنها المجتمع المدني، أذكر على سبيل المثال ثلاثة أنواع من المدن نتعرف بها عملياً على الملامح الكبرى للمجتمع المدني كما بدأ في التاريخ وتطور المدينة الإغريقية أولاً، المدينة الأوروبية ثانياً، المدينة العربية ولو كان حديثي إليكم بعد خمس سنوات لأضفت مدينة رابعة…التي هي عبارة عن تجمع مدني غير أن الحديث عن هذا الموضوع سابق لأوانه.

مدينة الإغريق في بلاد اليونان مؤلفة من مدن كثيرة من شاطئ آسيا الصغرى إلى حوض البحر الأبيض المتوسط أو في جزر بحر ايجه وأخذت شكلها النهائي شبه المستقر في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، والمدينة الإغريقية بالذات وخاصة في عهد المسرحيين في القرن الخامس وفي عهد الفلاسفة سقراط وأرسطو، هذه المدينة كانت السيادة فيها للمواطنين، ديمقراطية مباشرة، وكل قانون كان يعلق مباشرة في الساحة (الآغوره)، ويأتي المواطنون ويصوتون ليس على القانون فقط بل على الوظائف الكبرى، قائد الجيش مثلاً، القاضي، حاكم المدينة، ويُعطي فرصة للقيام بمهمته، سنة، سنتين أو نصف سنة، أقل أو أكثر، يقول أرسطو أن فضيلة المواطن هي الأمر والطاعة، يعني عندما يوضع في مركز الآمر عليه أن يأمر وعندما تنتهي مهمته عليه أن يعود إلى صفوف المواطنين ويطيع، هذا أول نموذج للمدنية في المجتمع المدني.

ديمقراطية مباشرة، تصويت، وسيادة القانون بالدرجة الأولى، المثال على ذلك، سقراط حُكم عليه بالموت لأسباب فيها الكثير من الدس والدسائس وحكم مع ذلك وأعطي المجال كي يترك أثينا على الأقل كي لا ينفذ حكم الإعدام فيه وقدمت له عدة عروض ليتجنب حكم الإعدام فأبى وقال يجب أن أطيع قانون المدينة، فإذاً ديمقراطية مباشرة، حكم مواطنين، وفكرة المواطنة هي فكرة أرستقراطية، عندما وضع أرسطو القانون قال انه كان لديه 150 دستور بلون الإغريق، هذه عناية بالقانون تسترعي الانتباه، لكن المدينة الإغريقية لها حدودها، وأولاً أُقرت العبودية وكانت هذه أول مرحلة كان العبد فيها بمثابة أجير، وثانياً كان المواطنين فيها بعدد محدود، أرسطو وأفلاطون في الجمهورية كانوا يرون أن عدد سكان المدينة في الجمهورية يجب أن لا يزيد عن 30 ألف، الحقيقة عدد المواطنين كان أكثر فالتاجر والغريب والحرفي هؤلاء ليسوا مواطنين، وهذه من المآخذ على المدينة الإغريقية، المواطنون هم الأرستقراطية الفكرية والزراعية، أما النموذج الثاني الأقرب إلينا فهو نموذج المدينة الأوروبية، المدينة الإغريقية انبثقت من البربر (ما يسمى بالمجتمع البربري)، كلمة بربر يقابلها في اللغة العربية الأعاجم.

المدينة الأوروبية انبثقت من قلب الإقطاع، إذ كان الذين يتركون الإقطاع، يتجمعون في مكان معين من هنا أتت كلمة برجوازية، برجوازية تعني ساكن المدينة، تطورت تدريجياً البرجوازية حتى الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، هذه الثورة التي تمت في إطار الثورة الصناعية الأولى أو ثورة الثلاثين المعروفة، البرجوازية استلمت الحكم واستبدلت الأرستقراطية في الدم بالأرستقراطية الثانية.

الثورة الفرنسية كشفت المفهوم الارستطالي على المواطن، البلد مؤلف من مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات وأمام القانون، المفهوم الثاني الذي كشفته هو مفهوم الأمة، ففي اليونان لم تكن الأمة موجودة بل كان هناك مدن، ثالثاً الاقتراع المباشر، التصويت العام لكل المواطنين بنفس السوية والأكثرية تؤلف البرلمان، هذه المفاهيم التي أتت مع الثورة الفرنسية، ثم تفاوت في الطبقات الذي تحدث عنه كارل ماركس … هذه المفاهيم: المواطنة، المساواة أمام القانون، الاقتراع لاختيار ممثلي الشعب هي الأطر التي تكون بها المجتمع المدني، المجتمع المدني لم يظهر في الغرب إلا في أواخر القرن التاسع عشر وقام على نظام إقامة البلديات، البلدية هي حكومة المدينة وإذا تضخمت المدينة قسمت إلى إمارات، مدينة باريس 20 حارة وكل حارة لها بلديتها التي تنتخب رئيسها الرمزي بالمناسبة نحن لا نزال نأخذ بنظام البلدية العثماني مع أن تركيا تركته)، المجتمع المدني إذاً يقوم على البلدية، بلدية منتخبة مباشرة من الشعب، فرئيس البلدية والبلدية ليسوا موظفين بل أعضاء في المدينة لهم دور سياسي، المحافظ له وظيفة، مدير المنطقة له وظيفة، أما البلدية فليست وظيفة، هي كيان سياسي، وهذا هو بالضبط المجتمع المدني، كيان سياسي ينظم كل أمور المدينة، المدارس، الطرق، المواصلات، علاقات الناس ببعضهم وكل ما يخص الناس هو من تنظيم هذه البلدية. وهذا هو النموذج البرجوازي الذي لا يزال حتى الآن معمولاً به.. لذلك في أوروبا لانتخاب البلديات من الأهمية ما لانتخاب البرلمان.    

أنتقل رأساً بعد ذلك وبلا إطالة إلى المجتمع العربي، فالعربي بفطرته تاجر، بدوي تاجر بقي يتمدد طولاً وما يزال ما بين النظام العشائري ( نظام البادية) حيث العلاقات شخصية، والمدينة حيث النظام يقوم على القانون، والأمثلة على ذلك:

في الماضي، الأحكام السلطانية من القرن الخامس للهجرة (الثاني عشر الميلادي) تقول أن الجنود كانوا مرتبين كلٌ حسب قبيلته، ابن خلدون في القرن الثامن الهجري (الخامس عشر الميلادي) في أوائل النهضة الأوروبية كان أول من تكلم عن المجتمع، أو عن الاجتماع البشري والعمران، وكان يرى أن الدولة تكون قريبة في البداية من العصبية القبلية وعندما تنتقل إلى المدينة تزول، هذا قول لأكبر عالم اجتماع عربي، إذاً ما تزال البادية حاضرة. فالمدينة العربية تشكو من تأرجحها بين بقايا العشائر القديمة والحياة في المدينة، وهذا التأرجح كما سنرى هو الذي أفادت منه السلطات وهذه أول نقطة ضعف في المدينة العربية. النقطة الثانية أن الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وعملياً فرنسا وبريطانيا وبالدرجة الأولى بريطانيا جزأت البلاد العربية بعد أن كان مجال التاجر العربي يمتد حتى أيام العثمانيين من بلغاريا ومكدونيا في البلقان إلى المغرب (كان أحد الشعراء يقول لابد من صنعاء وإن طال السفر). هذا المجال ضاق وأصبح بحدود القطر العربي السوري.

القطر العربي السوري كيان جديد، سورية قديمة، لكن هو كيان جديد عمره (42-55) سنة ليس له تقاليد، تقاليده تتكون الآن، وكثيراً تهمنا نواة المجتمع المدني في بلادنا، فالقطر العربي السوري بتر منه فوراً بعد الحرب العالمية الأولى، ديار بكر والأردن، ديار بكر أعطيت لكمال أتاتورك ليكون بجانب الغرب، الأردن، يقول تشرشل في مذكراته أننا أنشأنا في شرق الأردن ثكنة لجيش من البدو وأكثره ضباط إنكليز وهو خط دفاع عن قناة السويس، كما أن تشرشل يقول في مذكراته: حيث يوجد بئر بترول سأبني دولة، وهذا كلام خطير، فالأنظمة العربية متضاربة جداً.

إذاً، نقاط الضعف في المدينة العربية:

بقايا العشائرية أولاً، وهذه الكيانات المفتعلة ثانياً، فالأردن افتعل كي يكون ثكنة تدافع عن القناة، وأيضاً سورية اقتطع منها خمس أقضية وضمت إلى لبنان حتى تنشأ دولة لبنان الكبير كما كانوا يسمونها، وفي عام 1936 جرت مظاهرات وإضراب استمر ستة أشهر احتجاجاً على الانتداب الفرنسي، ودخلت فرنسا بالتفاوض مع الكتلة الوطنية وذهب الوفد برئاسة هاشم الأتاسي وأنشد له أهل حمص:( هاشم بيك يا عزيز يلّي رايح على باريز، أنت بتعرف شو بدنا، بدنا الوحدة السورية) يعني استرجاع الأقضية، بعد ذلك مرت الأيام وأصبح الأمر طبيعي، نسينا البقاع، طرابلس وراشيا وحاصبيا، هذه مناطق سورية، فلواء اسكندرون أعطي للأتراك حتى تقف تركيا على الحياد في الحرب العالمية الثانية أو أن تسير إلى جانب الحلفاء، وهذه كلها تدابير سياسية، فهذا نظام يفتعل من بقايا البادية وشعب في طريق التكون، أما الآن فالشباب منكم يجدون سورية وقد أصبحت الآن حدودها بالنسبة لهم شيء طبيعي، أما بالنسبة لي ولجيلي فهذه ليست سورية، وهذا ما جعل سورية تنتقل بشكل عفوي من سورية إلى الأمة العربية.

أعود إلى المسألة التي ذكرتها وهي إدخال المعلومات المدنية في التربية السياسية، المعلومات المدنية كانت في الإعدادي وهي فعلاً كانت تعطي صورة عن المجتمع المدني وعن آدابه، تربية سياسية تمتد 11 سنة من الثالث الابتدائي حتى السنة الثانية في الجامعة وكل من درس في الجامعة يعرف ذلك، أذكر أنه أتاني يوماً إلى وزارة الثقافة ضابط في الجيش برتبة لواء، وهذا قبل 15 سنة، إذ كان مشرفاً على التربية السياسية في سورية، فسألني هل يمكن أن نقوم بتنسيق بين مادة الفلسفة والتربية السياسية على اعتبار أني اشتهرت بوضع برنامج الفلسفة في الثانوي، فقلت له يا سيادة اللواء أطرح عليك سؤالاً واحداً فأرجوك أن تجيب عن سؤالي أولاً وبعد ذلك نتفق على التنسيق: ما الفرق من حيث المضمون الحقيقي في التربية السياسية بين الصف الثالث الابتدائي والسنة الثانية الجامعية؟ فسكت وانسحب، يعني التربية السياسية هي تلقين تلاميذ الابتدائي والإعدادي والثانوي وطلاب الجامعة أيديولوجية الحكم بكل بساطة وهذا شيء واضح تماماً، تلقين أيديولوجية الحاكم، الآن إذا سألت أنا: هل دمشق مجتمع مدني؟ سؤال جوابه عندكم، ومن الذي يحكم دمشق، من الذي يحكم ويسير الأمور في مدينة دمشق، إن كل فئة اجتماعية تكون أمة سواء أكانت حزب أم منظمة سياسية أو اجتماعية، مجموعة قوى، والحكم إدارة هذه القوى، هذه القوى تفسر عملياً بالسلطات، فما هي السلطات الحاكمة في البلاد العربية الـ22؟ أعددها: سلطة عرفية انقلابية، سلطة دينية، سلطة عشائرية، سلطة ثقافية، وبالنتيجة سلطة مدنية، المدنية تقريباً ليس لها وجود، إذاً التساؤل من يحكم مدينة دمشق؟ السلطة المدنية غائبة تماماً، لا يوجد سلطة مدنية، المحافظة، المحافظ وظفوه، السلطة المدنية لا تتألف من موظفين، السلطة المدنية هي المدينة التي تنتخب حكامها، في البلدية والعمدة وهذا منصب سياسي، إذاً تحكمها السلطات التي ذكرت وأترك لكم الإجابة، فالسلطة هي عرفية انقلابية، سلطة دينية، سلطة عشائرية، سلطة ثقافية، أما السلطة المدنية فغائبة.

عام 1983 بمناسبة مرور مئة عام على وفاة كارل ماركس، دعت اليونسكو إلى لقاء عالمي تشترك فيه كل أمم العالم، الشيوعيون كانوا أقلية قدموا مداخلات كثيرة، وفي الهيئات الاجتماعية، طُلب منا نحن الموجودين أن نجيب على السؤال التالي: إذا افترضنا أن ماركس عاد حياً اليوم ما الذي يقوله إلى مدينتكم أو أمتكم؟ وأعطي لكل من يود الحديث دقيقتين حيث كان هناك حوالي خمسون متحدث، فقلت أنا بدوري: ارفعوا أيديكم أيها الدول العظمى عن بلدي وعن البلدان التي يقولون عنها دول العالم الثالث، فالشعوب قادرة على أن تتطور بفعل قواها الذاتية، وخطر بذهني سؤال آخر سكتّ عنه لكنه بقي في رأسي حتى الآن، هو يا سادة كل دولة من دول العالم الثالث أنتم طغاة ارفعوا أيديكم عن هذا الشعب كي يتمكن لا من تحقيق المجتمع المدني فحسب بل من التقدم، الانتقال من التخلف إلى التقدم، المجتمع ظاهرة من مظاهر الحياة في هذا القرن وفي القرون الأخرى.. طالما الشعب تحت الوصاية، فالحاكم يعتبر الشعب قاصراً وعليه أن يلقنه ما يقول، ومن جملة ما يلقنه لا فصول المجتمع المدني ولا المعلومات الأدبية بل الأيديولوجية التي يعتقد أنه يحكم أو التي توفر له المسوغات العقلية والفكرية والأخلاقية حتى يحكم وطالما الحكم على هذا الشكل وطالما أن الشعب يعتبر قاصراً فينتهي كل شيء وكل عمل يجب أن يقوم على تحرير الشعب والمجتمع المدني أو المطالبة بالمجتمع المدني وهو خير وسيلة من جملة هذه الوسائل.        

التعقيبات والمداخلات

أ. محمد المالكي: أبدأ من حيث انتهى أستاذنا الكبير انطون مقدسي أستاذ الأجيال المتعاقبة.. قلتم للدول الاستعمارية ارفعوا أيديكم عن الشعوب، أنا لا أقول للدول الاستعمارية ارفعوا أيديكم عن الشعوب، بل أقول لحكامنا العرب في الأرض العربية حيثما وجدوا ارفعوا أيديكم عن شعوبكم وأوقفوا السياط التي تضربوا بها الشعب من خلال القوانين والأنظمة التي تتحكمون فيها في كل حق من الحقوق المشروعة.. لا أريد أن أطيل ولكن كيف لي أن أقول ما أريد والسياط فوق رأسي لا في دمشق ولا في حلب فحسب وإنما على امتداد الوطن العربي، هذه ظاهرة تحرم الشعب العربي من كافة مزايا الحقوق الإنسانية الطبيعية في الإبداع والعطاء والتعبير عن الرأي، وأنا أذكر مثالاً بسيطاً: الأول، وكما تعلمون تحدث أستاذنا عن المجتمع المدني الإغريقي الأول، وكما تعلمون الديمقراطية تأثرت بأفكار مجموعة من الأدباء والمفكرين لا نزال نتندر بأفكارهم كأرسطو، وفي المجتمع الإغريقي كان نظام الحكم في جبال الألب يختلف عما كان عليه في مدينة أثينا، لاحظوا أن رئيس وزراء الألب كان يتردد في بعض الأيام على بعض الغابات، وبما أن النظام كان نظاماً عسكرياً فقد تتبعته الأجهزة الأمنية المعروفة بمهامها التقليدية، ولاحظته يقف أمام شجرة كبيرة ويقول ما يتناقض مع مخلفات الأنظمة والقوانين واغتصاب حقوق المواطنين، فألقي عليه القبض وجيء به إلى الأمير، وقيل له هذا يفشي أسرار الدولة بحكم موقعه فهو يعرف من قتل ومن سرق ونهب، فقال له الأمير انت خنت الثقة والأمانة، فقال له يا سيدي لكل إنسان طاقة وصبر ويقدر على السكوت إلى حدود معينة لكن إذا امتلئ قلبه فلابد أن يجد شجرةً صماء بكماء يفش قلبه لها كي يحييه وأنا أقترح أن يجد كل مواطن عربي شجرة صماء بكماء كي يفش لها قلبه، والسلام عليكم.

 

د. عارف دليلة:  الأستاذ أنطون يسعدنا أن نلتقي ونسمع حديثك عن المجتمع المدني ،ولكن توقفت عند السلطة التي تملي أيديولوجيتها على المجتمع وأظن أن ربما نكون متفقين على أن جميع الدول العربية تجاوزت مرحلة الأيديولوجيا، ففي المرحلة الأولى لصعود أي نظام يأتي بإيديولوجيا ويحاول إملائها، لكن هذه المرحلة تنتهي عند ذروة معينة وتبدأ مرحلة الركود ثم مرحلة التفسخ والانهيار والتشبث بالمواقع والامتيازات والمصالح، ففي كل الأنظمة العربية انتهت من مرحلة  إملاء الأيديولوجيا، إذ لم يعد لديها شيء يسمع، تجاوزت مرحلة الأيديولوجيا إلى تشبث القائمين على مراكز النفوذ والقوة وخاصة في المجال الاقتصادي وتشبثهم بمراكزهم ودفاعهم عن هذه المراكزأصبح بدون أيديولوجيا وبدون أي شيء غير خطاب فاقد لأي معنى وأي مضمون، وبالتالي ألا ترى معي أننا وصلنا إلى مرحلة من الاستقطاب الخطير، بحيث أنن المتشبثين بمواقعهم مستعدين للدفاع عنها ولو كلف ذلك حياة شعب بأكمله، لو مات شعب بأكمله من الجوع فهم متشبثون بمواقعهم، يدافعون عنها بكل ما أتوا من أسلحة ومن قوة، بالمقابل في الجانب الآخر الذي لم يعد يرى شيئاً قابلاً للحوار مع المتشبثين بمواقعهم سيحصل أيضاً استقطاب من نوع آخر وهذا سيؤدي بالمجتمع إلى الانحطاط، ربما كل بطريقته.. يومياً ألتقي بموظفين وعمال من مختلف المستويات، في الشركات والدولة، في مواقع معينة واسمع منهم حديثاً يشيب له الرأس عن تصرفات بالمال والمصالح العامة التي لا يضبطها رقيب أو حسيب وأتساءل من يسائل من، من في دولتنا يحاسب من، عندما يقول بعضنا أن لابد من وجود مؤسسات مجتمع مدني توقف هؤلاء أو ترفع صوتها يومياً في وجه هؤلاء، يتهمون بأنهم مرتبطين بالصهيونية والماسونية وقوى الاستكبار العالمي وإسرائيل ولا ادري بمن، أما المتشبثون بمواقعهم والمدافعين عن هذه الممارسات فهم الوطنيون والمخلصون والاشتراكيون الذين لا ينام لهم جفن، برأيكم هذا الاستقطاب إلى ما سيدفع المجتمع، هل سيأكل بعضه بعضاً، أم ستأتي إسرائيل وتتسلمنا جثة هامدة على طبق من فضة ويكون أصحاب الامتيازات قد نقلوا ما استطاعوا نقله من مئات مليارات الدولارات ليقدمونها هدية للمصارف الصهيونية، هذا هو السؤال إلى أين سيفضي بنا مثل هذا الاستقطاب، الذين لا يقبلون أي حوار، لا يقبلون أي حل وسط على الإطلاق، وشكراً.

 

أ. نجاتي شوقي: أولاً أقول أننا استمتعنا بما قدمه الأستاذ انطون حول المجتمع المدني، حيث عرفه تعريفاً جميلاً ومختصراً، سؤالي هو هل يمكن اعتبار نظام الإدارة المحلية السائد في سورية بديلاً عن المجتمع المدني؟ وهل يمكن تطويره ليكون بديلاً عن دور المجتمع المدني؟

أ انطون مقدسي: الإدارة المحلية ليست بديلاً عن المجتمع المدني، وأنا لم أقل شيئاً من هذا، الإدارة المحلية أملتها عدة حاجات، أولاً اللامركزية في الحكم، فمركزية الحكم صعبة قليلاً لكن تبقى مركزية الحكم موجودة، هناك أمور يجب ان تدرك فانا قلت ان الإدارة المحلية يكون عندها موظفون سواء أكان محافظاً أو مديراً للمنطقة أو رئيس للبلدية أو مختاراً، بينما المدنية تقوم على ان تكون إدارة المدينة من قبل المدنية فإذا كانت المدينة كبيرة تقسم إلى أحياء، مدينة دمشق في أواسط الثلاثينات لم تكن مدينة، بل كان يوجد أربعة مدن: الشيخ محي الدين والمهاجرين والقصاع والميدان وحتى الخمسينات عندما كان ينزل شخص من المهاجرين ويركب تروماي يقول لأصدقائه ماذا تريدون من المدينة، هذا في الخمسينات، المدينة كانت المرجة والحميدية والسنجقدار، هذه المدينة تعترضها صعوبات دمج المواطنين في وحدة مدنية،  قلت ان البعض يعتبرون أن المجتمع المدني وكأنه حصان طروادة لقلب نظام الحكم، لا، فنحن نطلب اقل من ذلك بكثير، ان ننهي عهد التهديد وندخل في حوار، وهذا ما نطلبه، وهذا باعتقادي يكون إذا امتلك المثقفون الجرأة في الحديث، لأن نقطة الضعف سكوت المثقف عن الكلام حتى لا يثيرون السلطة، فعلى المثقف إذا تكلم في دائرة محدودة ان لا يمدح ولا يردح.

 

د. يوسف سلمان: أود أن أضيف في هذا المجال بعض النقاط التي ربما تحمل بعض التساؤل. المجتمع المدني هو طبيعة مدينة حضارية نفتح حوار عقلاني وهادئ بين أطراف متعددة ومختلفة، في المجتمع هناك شرائح اجتماعية مختلفة وطبقات مختلفة وبالتالي الغرض الأساسي من المجتمع المدني ان ندخل في حوار مجدي وهادئ بين الأطراف المكونة للمجتمع والدولة، وعندما يأتي للأسف أي طرف من الأطراف ليصم الآذان عن الدخول في هكذا حوار يكون الغرض منه بصورة رئيسية وأساسية إخراج المجتمع من الأزمة، ونحن نعتقد ان هنالك أزمة في كل قطر عربي، لذلك علينا ان نخرج منها بصورة سليمة ديمقراطية هادئة، بعيدة عن الاقتتال كي لا تصل الأمور إلى أزمة لا مخرج منها، يجب أن نفتح أبوابنا وندخل في حوار عقلاني لصيغة المجتمع المدني لنصل إلى النتائج المرجـوة، وفي هذا الإطار نحـافظ على تطـور المجتمع المدني ودوره في بناء الدولة الحديثة.

فحبذا لو يلخص لنا الأستاذ مقدسي ولو باختصار شديد مواصفات وسمات الدولة الحديثة، وهل نحن في ظل هكذا دولة حديثة، أم أننا ننشد حواراً من أجل الوصول إلى هكذا دولة حديثة، أرجو من الأطراف كافة سواء السلطـة التشريعيـة والتنفيذيـة وشرائح المجتمع سواء أكانوا داخل السلطة أو خارجها أن يعتمدوا حواراً عقلانياً هادئاً لنصل إلى الدولة الحديثة .

نحن لا ندعو إلى الطائفية والعشائرية إطلاقا، نحن نريد من خلال هذا الحوار أن نصل إلى منطق الدولة الحديثة التي  تتجاوز الطائفية والعشائرية والانغلاق الحزبي، هذا غرضنا الرئيسي والمطلوب. 

أ. أنطون مقدسي : إن دولة كما هي في سورية وبقية الأقطار العربية حديثة كانت أو قديمة يوجد فيها تيار هجين بعوامل داخلية أو خارجيـة، لكن المهم أن نكتشف طريقة للحوار.

فما هو الحل، وكيف يتم تحويل المجتمع العربي إلى مجتمع مدني عبر الحوار مع الأقوى الذي لم يشارك في الحوار؟ هناك نموذجان أتاتورك وتحويل الدول العثمانية إلى دولة حديثة، ونموذج محمد علي باشا الذي استطاع أن ينتمي للدول الحديثة.

العربي منذ فجر التاريخ تاجر، والسـوري تاجر أكثر من العربي مثل الفينيقي لكن هذا التاجر ليس برجوازي، المجتمع البرجوازي نشأ في مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ومحمد علي باشا سـهل هجرة كبار الملاكين في الريف إلى المدن، وهؤلاء الملاكين تحولوا تدريجياً إلى برجوازيين.

أما البرجوازية في سورية فقد نشأت بالضبط عام 1943 من قبل المالكين الوسط، وهم عبارة عن حركة شعبية تطور وضعها بعد عام 1943 حيث تم الاتفاق على تقسيم العالم وجاء رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك إلى الإسكندرية وجمع حكام المناطق العربية ومنحهم (كوتا)، فهذا البلد العربي يستطيع أن يشتري من أمريكا سلفاً بمبالغ كائنة قدرها.. وذلك البلد بمبالغ قدرها.... وجميعها مجانيـة والحقيقـة أنه لا يوجد شـيء مجاني، فالحلفاء سـددوا مصاريف الجيش الأمريكي والأسترالي والكندي عن طريق اللعب بالأوراق المالية.

شكري القوتلي عاد إلى سورية وجمع أصدقائه الملاكين وتم إنشاء الشركة الخماسية والمغازل ومن هنا كانت بداية البرجوازية السورية.

و بالرغم من أن الوضع معقد فأنا لا أعتقد أن في البلد أزمة، لأن الحاكم لا يريد أن يكون هناك أزمـة، تريدون زيادة الرواتب فيطبع أوراق نقدية جديدة.

على كل إنسان أن يسأل نفسه يا ترى هل قمت بالحد الأدنى من واجبي للمصلحة العامة، أنا من موقعي كمدرس أو موظف أتساءل كيف يمكن أن يتحول كل ما يطرح من الخاص إلى العام ويجب أن لا نخدع أنفسنا بالكلمات الكبيرة، على المثقفين أن يفكروا بدورهم ويحاولوا قليلاً قليلاً الدخول بالحوار 

 

حسين الشرع : النظام البلدي هو المجتمع المدني ( البلديات ) كما فهمت، وعلى المثقفين أن يتجاوزوا النظام المدني في البلاد العربية إلا أن هذه النظم أو السلطـة بالأحرى هي التي تقرر النظام البلدي وتقرر الصحافة وتقرر السينما.

المثقفون في البلاد العربيـة نوعان: نوع يتكلم بوجهـة نظره وتصل نسبة هؤلاء ما بين 5 % و6 % وقد فقد هؤلاء وظائفهم وأحياناً حياتهم، والقسم الآخر استهوته السلطة وبذلك أكلوا البيضة وقشرتها 

في عام 1972 كنت عضو مجلس محافظـة وبالإضافـة لذلك فأنا اقتصادي وكنت أعمل في وزارة النفط، وخلال عملي في مجلس المحافظـة وجدت أن هناك ثلاث سـلطات تتصارع فأولاً هناك سلطـة فرع الحزب وهناك سلطة المحافظة وأخيراً سلطة الإدارة المحلية وهناك أيضاً الجبهة الوطنية التقدمية، أنا لو جئت وناقشت الأمور بإطار عملي لرأينا أننا لا نستطيع أن نفصل السلطة عن أي موقع من مواقع المجتمع بدءً من مختار القرية وحتى رئيس الوزراء، وإذا ما أردنا أن نحدث تجمع مدني فهناك صناديق الاقتراع، والأمر يسـتدعي أولاً القيام بالإصلاح الاقتصـادي والسياسـي والثقافي والدستوري وتعديل وإصلاح القوانين، ولا بد أن يكون الدستور يمثل رأي الشعب، يجب أن تُؤخذ مؤسسات الإدارة المحلية من مجلس القرية إلى المدينة إلى المحافظة إلى مجلس المحافظة إلى مجلس الشعب إلى رئاسة الوزارة بواسطة صناديق الاقتراع.

 وأنا لا أتصور أن هناك ديمقراطية و133 عضواً من أعضاء مجلس الشعب يتم تعيينهم.

 حدث في السنوات الأخيرة بعض لمسات التجميل حيث دخل عدد من الصناعيين والتجار وصرفوا الملايين للفوز بمقعدٍ في مجلـس الشعب، وأستغرب أن يصرف عضو في مجلس الشعب (20) مليوناً لكي يتقاضى راتباً من مجلس الشعب لا يتجاوز السبعة آلاف ليرة، فكيف سيحصّل هذا النائب الفرق فيما دفعه لدعايته الانتخابية وراتبه في المجلس؟.

برأيي أن العرب ليسوا تجاراً، وإنما العرب مجرد سـوق وأفواه تأكل ما ينتجـــه الغرب، حتى الخبز نســتورده وعندما كنت مستشاراً في مجلس رئاسة الوزراء كنا نستورد الشعير ثم يتم طحنه وإطعامه للمواطنين، هذا هو مجتمعنا، المجتمع المدني هو مجتمع يعطي الحرية، وإن لم تكن هناك حرية فلا يوجد مجتمع مدني.

 

عبد الله حنا : هل بالإمكان قيام مجتمع في مشرقنا العربي في ظل الظروف الاجتماعية الراهنة التي أدت إلى تدمير القوى الاجتماعية التي كان  يمكن لها أن تحقق المجتمع المدني، إن هذه القوى دمرت بفعل عوامل كثيرة أدت إلى زوال الطبقة العاملة وتبعثر الفلاحين وانحسار البرجوازية الوطنية المنتجة الصناعية وتحوَل قسم كبير من المجتمع إلى فئات طفيلية، وهبطت فئة أخرى إلى الأسفل مهمشة، في ظل هذه الظروف، هل يمكن إقامة مجتمع مدني؟.

إن الأستاذ مقدسي وكلامه ثمرة من ثمار عصر النهضـة حيث بلغت أوجها وكان من أهم شعاراتها العقلانيـة والعلمانيـة والدعوة لتحرير المرأة والديمقراطية وبناء المجتمع والقضاء على التخلف، وهذه النهضـة العربية والمجتمع المدني جزءٌ من تلك النهضـة، فالمجتمع مرَ بأربع مراحل هي العهد العثماني وعهد الانتداب الفرنسي وعهد الاستقلال ومنذ الستينات بدأ المجتمع المدني يتراجع ليحل محله قوى أخرى كثيرة ترافق معها دمار المجتمع، ففي ظل هذه الظروف هل يمكن التطور للأمام.

في ظل ظروف النهضة العربية في الخمسينات قامت في بلدة ديرعطية التي أنتمي إليها، وكان عدد سكانها لا يتجاوز ستة آلاف نسمة، قام هناك تجمع مدني أسسته رابطة المثقفين عام 1951 بالاتفاق مع رئيس البلدية فأقيمت المدارس وشقت الطرقات وتم تأمين المياه ومن هنا نجد أن المجتمع المدني لم يكن حكراً على المدن بل في القرى أيضاً ويمكن أن يكون المجتمع مدنياً عندما يكون هناك قوى اجتماعية حية.

 

أ. أنطون مقدسي : البلاد العربيـة في الثلاثينات كانت عبـارة عن شعب يكافح، ولا أريد هنا أن أعرض تاريخ سوريـة ولكن أقول أن اليأس في الإنسان أكبر خطيئة، فأنا عندما كنت مدرساً كنت أدخل قاعة الصف مبتسماً مهما كانت الظروف.

 

د. سمير التقي: هل التنمية في مرحلتها الراهنة تفتح مجالاً للتنمية على أساس شمولي، وتسمح بإقامة مجتمع مدني، إن الديمقراطية أصبحت ضرورة موضوعية تفرضها المرحلة.

 

حزامي العلي : أذكر أن معظم الدول العربية تحوي على حي اسمه المدينة، هذا الحي يعني أن هناك حضارة عريقة لهذه المدن، فهل يمكن أن أتصور من خلال الحديث عن المجتمع المدني أن النظام العربي قد كان أحد الأسباب في تعميق العشائرية والقبلية في مدنٍ كانت قبل ذلك مدنية ومتحضرة.

أذكر أيضاً بأن ما قلتموه من مثال حول قيم الفردية واللامبالاة التي منعت سكان بناء من الاتفاق على شطف الدرج والتي هي مثالٌ على تفكك المجتمع المدني، هذا الشعب نفسه هو الذي تحوَل لشعب منظم خيري في حرب تشرين.

 

صادق جلال العظم: الثورة الإسلامية في إيران الآن تجد نفسها أمام صراع كبير حول مبدأ ولاية الفقيه من جانب ومبدأ الانتخاب الجمهوري من الجانب الآخر، ماذا يعني هذا التطور الذي يحدث، وهل يقول لنا شيئاً، وهل ممكن أن نستخلص شيئاً من تطور هذه الأحداث، لدينا نحن نظام ولاية من نوع آخر.

 

أ. أنطون مقدسي : سؤال الدكتور والصديق العزيز صادق وجيه كثيراً، من وجهة نظره وجود خاتمي في الحكم سبقته مظاهرات طلابية، والطلاب دفعوا ثمناً بدمهم، فالطلاب دفعوا ثمناً ومازالوا يدفعون، أما عندنا فعندما طلب سعيد حورانية مني أن أقول كلمة باسم النضال وكان سعيد حورانية في التجهيز الأولى ( جودت الهاشمي )، قلت له وكان الطلاب مثل النمور ودفعوا ثمناً لذلك، فعندما يضرب سجين في دمشق كانت سوريـة كلها تُضرب، أما الآن فقد حدث تحول اجتماعي يجب أن نتغلب عليه.

 

د. ريمون معلولا : القوى والسلطات الحاكمة في المدينة العربية ومنها دمشق، هي قوى انقلابية عرفية دينية عشائرية ثقافية، هل لي أن أقترح قوىً أخرى مثلاً قوى فلاحية، فالمدينة العربية شهدت ما سمي بعملية ترييف المدينة نتيجة الهجرة الريفية الكثيفة إلى المدينة العربية خلال فترات زمنية قصيرة جداً وموجات متلاحقة من الفلاحين لم تستطع أن تندمج في المجتمع المدني، تشكل الآن سمة من سمات المدينـة العربيـة حيث نقل هؤلاء قيمهم وثقافتهم وتقاليدهم وعاداتهم، نراهم هنا، ونحن في الحقيقة منهم، ألا يمكن أن نقول أن هذه العقلية الفلاحية يمكن أن تكون أيضاً سلطة من السلطات الموجودة، على الأقل من الناحية الأدبية، أيضاً سلطة أخرى أقترحها إن وافقتم التجارية، السلطة التجارية والتاجر العربي هو تاجر تابع ينتمي إلى شريحة عالمية من التطور، إنه تاجر أبوي والفلاح هنا أيضاً  أبوي، أقترح القول أن العلاقات الأبوية التجارية والفلاحية هي السائدة والمسيطرة، ومن هنا ينشأ شكل الحكم ونموذجه الذي نشاهده.

في سؤال آخر، إذا كنا نقول في السابق نريد قطع طريق التطور الرأسمالي ونبني مجتمعاً جديداً.

أممنا وعملنا إصلاح زراعي، وبالنتيجة أقمنا حكومات شمولية بلون واحد أفرغتها الشعارات من محتواها. ووصلنا في الحقيقة إلى طرقٍ مسدودة. المجتمع المدني انبثق في المدينة الأوربية، آليته وليدة الثورة الصناعية الأولى، ومع ذلك موجود كي يتطور، هل نحن بحاجة إلى فترة تطور طبيعي حتى يتم طبيعياً، أي نعود إلى قوانين التطور الطبيعي، أي نسلك طريق التطور الرأسمالي كي نصل إلى المجتمع المدني أم أننا، وهذا طبعاً إشكالية، نحن لا نستطيع أن نسلك هذا الطريق لأن المرحلة التاريخية اختلفت، وبالتالي هل البرجوازية والرأسمالية التابعة والتي نحن منها قادرة على إنشاء مجتمع مدني.

 

أ. أنطون مقدسي  : المجتمع المدني نسبة إلى المدينة، هل كل إنسان في المدينة مدني، هجرة الفلاحين أوصلت الوضع العربي إلى حالة معقدة، وأصبح المجتمع بحاجة إلى إعادة دمج الفرد في المجتمع، هذه مراحل على طريق المجتمع المدني، هل الرأسماليـة قادرة على إقامـة مجتمع مدني؟ أذكر في حديث مع الشيوعيين وكانوا يقودون حركة ضد الرأسمالية، ما هي الرأسمالية؟ إنهم يفسروها كيف يستثمرون الأموال، لكن من الصعب القول أن نختار الطريق الرأسمالي أو لا نختاره، مرةً أخرى أقول إذا استطعنا أن نشق طريقاً للحوار، أي نفتح ثغرة صغيرة في الحكم المغلق على حاله فهذا شيء جيد كثيراً، وهذا بحاجة لمن يدفع الثمن، الطلاب في إيران حتى الآن يدفعون الثمن.

 

د. عمر أبو زلام : ماذا يجب أن نفعل كي يكون المجتمع حضارياً، فأنا أخالف الأساتذة الكرام في هذه التسمية، فالمجتمع الحضاري هو الذي طبَق في تاريخنا ولا يجوز أن نستنسخ معاصره من الفكر الرأسمالي الغربي. في الأوقاف المسيحية والأوقاف المحمدية كانت تُمارس كل وجائب المجتمع المدني الحضاري، بينما الخليفة أو الحاكم كانت مهمته الدفاع عن الدول أو النظام ونشر الدعوة، وما تبقى هو من مسؤولية هذا الشعب الذي يتنادى كي يكوّن جمعيات ومنظمات خيرية للنهوض بالمجتمع، الكل يعرف لو عدنا إلى التاريخ أن المجتمع لم يكن يوجد فيه فقير، وإنما يوجد فيه منتج ويوجد فيه رعاية للمسنين والشيوخ في الأوقاف الإسلامية.

من كل الذين استمعت منهم أو قرأت لهم لم أجد توصيفاً دقيقاً للمجتمع الذي يسمونه مجتمع مدني، حتى الآن لم أجد نظاماً مقترحاً كي نتبناه أو نتخاطب فيه أو ننفذه تطبيقياً، لهذا نعتبر هذا الاجتماع بمثابـة محاولة كي نتنادى نحن كمتخصصين في مختلف العلوم في أحيائنا ونبادر للتطوير،  لضر على الصعيد النسبي والمعرفي، والصعيد  النفسي نعني الإنسان الشجاع الذي يعرف ويمارس ما يعرف، قد نكون نعرف شيء ولكن أغلبنا لا يمارس هذا الشيء، فمن الضروري أن نأخذ الإنسان بعين الاعتبار، عارف دليله تحدث عن المتشبثين بالسلطة ولم يتحدث عن الناس الذين أُخذت حقوقهم.

 

د. حسين حمادة : لي بعض الملاحظات على ما سمعت، أريد القول أن المجتمع المدني يحتاج إلى المدنيين حتى يتم.

أتمنى أن لا أكون ذلك الطير الذي يغرد خارج السرب، أستذكر وبمرارة شخصية أحبها وأحترمها، الباحث الدكتور سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز دراسات ابن خلدون الإنمائية.

بدأنا من موضوع الحديث عن العنف تجاه المرأة، وانتقلنا إلى موضوع حق المرأة في التطور، وإلى اعتبار مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية في مصر، وأن الأقباط هم مجرد أقلية في المجتمع المصري، وهذا نموذج من نماذج الجمعيات الأهليـة غير الرسميـة التي لا أصادر ولا أقول أن الخيار يمكن أن ينسـحب عليها، ولكنها قضية مثارة وبقوة، فالولايات المتحدة الأمريكية قامت من خلال وزارة الخارجية الأمريكية بالدعوة والإصرار على الرئيس حسني مبارك لإطلاق سراح سعد الدين إبراهيم كما جرى، أرجو أن لا أكون بهذه الاستطالة قد شاغبت على من سبقوني.

نعلم أن النظام الشمولي كان قائماً في الاتحاد السوفييتي يمنع منعاً باتاً قيام مثل هذه الجمعيات الخاصة أو الجمعيات الأهلية، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي نرى أن فيه (65) ألف جمعية أهلية، وأتسـاءل الآن هل المجتمع الآن في الاتحاد السوفيتي من خلال التأمين الصحي والاجتماعي والتأمين العلمي وسوى ذلك من الأمور التي كان يحتاج إليها المواطن أفضل مما كان في زمن الاشتراكيـة، أنا لا أقول أن المجتمع الاشـتراكي مجتمع منزّل من السـماء، له ما له وعليه ما عليه ولكن أقول ماذا تصدّر الدول الاشتراكية إلى دول الخليج وإلى الدول الأوربية بالنسبة للفتيات وللكثير من الأمور التي لا أريد أن أذكرها. 

المجتمع المدني ليست قضية شطف درج في بناء، فهذا تبسيطٌ للأمور، فالقضية أكبر بكثير من خلال ما نراه في المجتمعات المدنية القائمة الآن في كثيرٍ من الدول، نحن الآن في موضوع الفكر القومي العربي نتعامل مع صالح مجموع الأمة بكل تناقضاتها وخلافاتها ماذا يُراد لنا بالنسبة لموضوع الوحدة العربية والبلاد العربيـة، ولنبدأ بالوحدة السورية ولا يمنع أن نُصبح في يوم من الأيام ونسمع عن الأقلية العربية في هذا المجتمع العربي الذي نعيش فيه، دعونا لا نبسط الأمور، إن هذه المجتمعات المدنية ستنقلنا من موضوع حماية المستهلك إلى الحديث في أمور تتعلق بمصائر الأوطان وبمسار كافة شرائح المجتمع.

سؤال ولا أقول ببراءة، هل المجتمع المدني يعني إضعاف للدولة، المجتمع المدني يعني توازن بين قوة الدولـة والمجتمع، ولكن وكأنني أسـمع وكأن الدولـة في جانب والمجتمع في جانب آخر، الدولـة والمجتمع صفان مترادفان متعاونان متآزران لما يمكن أن يقوم في المستقبل، وعملية التفريط بهذه الصورة فيها مجازفة خطيرة إلى أبعد الحدود.

هل المجتمع المدني يعني الانتقال من رأسمالية الدولة إلى رأسمالية المؤسسات والجمعيات والأفراد،

ثم، ما مصدر التشريع والقوننة والتجديد للمجتمع القادم، هل هو التحليل العقلاني بكل توجهاته. ما أريد أن أقوله أن هذه الديمقراطية الواقعية تحتاج إلى اقتصاد قوي وليس أغنياء أقوياء يفيضون بالديمقراطية، بؤس الفقراء والمعوزين،  وأستذكر مثالاً هو الولايات المتحدة الأمريكية وجارها المكسيك، في الولايات المتحدة الأمريكية يوجد 2 مليون جمعية أهلية ماذا عملت هذه الجمعيات بالنسبة إلى المكسيك وفقر المكسيك.

 

مصطفى الأحمد : بولونية تزوجت من شاب سوري، وبعد فترة طلبت الطلاق منه، فقال لها لماذا؟ قالت له نحن يوجد لدينا نظام شمولي ولكن لدينا ما نأكله، أما أنتم فليس لديكم ما تأكلوه، وفضلاً عن ذلك فالحذاء في أفواهكم.