متطلبات الإصلاح التي يطرحها واقع ومشكلات قطاع التجارة الخارجية*

 

الدكتور عارف دليلة**

 

تعتبر التجارة الخارجية من أهم ميادين السياسة الاقتصادية نظراً لتأثيرها الكبير على التطور الاقتصادي سلباً أو إيجاباً. وأهداف سياسة التجارة الخارجية ليست مستقلة بل هي أدوات لتحقيق استراتيجية التنمية الاقتصاديةوالاجتماعية الشاملة. وهناك أدوات لخدمة سياسة التجارة الخارجية مثل سياسة سعر الصرف، والسياسة الجمركية والسياسة الضريبية وغيرها.

ويعتبر الميزان التجاري لدولة ما المرآة التي تعكس مستوى وخصائص تطور اقتصاد هذا البلد واتجاهات تخصص وتميز هذا الاقتصاد، معبّراً عن ذلك بحجوم ونوعيات الصادرات والواردات من السلع ومن الخدمات، وبرصيد الميزان التجاري. ويعبر تطور العلاقة النسبية بين قيمة وحدة الصادرات وقيمة وحدة الواردات، وما يسمى بشروط التجارة عن تطور فعالية اقتصاد هذه الدولة مقارنة بتطور فعالية الاقتصادات الأخرى، أي هل يتقدم هذا الاقتصاد أو يتأخر.

لو تتبعنا التغيرات التي طرأت على الميزان التجاري السوري لتبّين لنا، أولا:ً يتميزبحدّة التقلبات صعوداً وهبوطاً، بل مع اتجاه عام نحو الهبوط على مدى العقدين الأخيرين، وثانياً:أن هذه التقلبات كانت انعكاساً للتقلبات الاقتصادية التي اتصف بها تطور الاقتصاد السوري خلال العقدين الماضيين.

ولكي نتتبع مسار تطور الصادرات والواردات يجب أن نعيد تقويم الأرقام الإحصائية على أساس سعر صرف واحد، إذ أن الأرقام حتى عام 1986 كانت محسوبة على أساس سعر صرف 390 ـ 405 ق.س للدولار, ومنذ عام 1987 أصبحت محسوبةعلى أساس سعر صرف 1120 ـ 1125 ق.س للدولار، وهناك الآن أسعار صرف جديدة مختلفة.

- بالنسبة للواردات: بلغ رقم قيمة الواردات الذروة الأولى عام 1981 وهو 19781 مليون ل.س (حوالي 5 مليار دولار) وانخفض عام 1986 إلى 10709 مليون ل.س أي بحوالي 45% عن مستواه عام 1981.

بينما وصل في عام 1989 إلى أدنى مستوى وهو 23544 مليون ل.س (حوالي 2.1 مليار دولار) ليعود بعد ذلك إلى ذروة أخرى (أكثر بقليل من مستوى عام 1981) وهو 61374 مليون ل.س عام 1994 (أي حوالي 5.5 مليار دولار) وليهبط مرة أخرى عام 1999 إلى 43000 مليون ل.س (أي حوالي 3.9 مليار دولار).

بالنسبة للصادرات: بلغت قيمة الصادرات عام 1981 مبلغاً قدره 8254 مليون ل.س (حوالي 2.050 مليار دولار) وانخفضت عام 1986 إلى 5199 مليون ل.س أي بنسبة حوالي 30% عن مستواها عام 1981. وارتفعت عام 1989 إلى 33740 مليون ل.س (أي حوالي 3 مليار دولار) وذلك مع بدء تطبيق اتفاق المدفوعات مع الاتحاد السوفيتي الذي كان فرصة استثنائية لتضخيم أرقام الصادرات الكاذبة, وفي عام 1990 بلغت الصادرات الذروة بسبب اتفاق المدفوعات، فوصل إلى 47282 مليون ل.س أي حوالي( 4.3 مليار دولار) ثم انخفضت عام 1991 إلى 38504 مليون ل.س وذلك رغم بروز الصادرات النفطية ولتعود مرة أخرى إلى ذروة جديدة عام 1996 حيث بلغات 44887 مليون ل.س (أي حوالي 4.1 مليار دولار) ولتنخفض عام 1998 إلى 32443 مليون ل.س بسبب انخفاض أسعار النفط ولترتفع عام 1999 بسبب ارتفاع أسعار النفط إلى 38880 مليون ل.س.

 

رصيد الميزان التجاري: من مقارنة أرقام الصادرات والواردات نلاحظ أنه خلال الفترة 1981ـ1988 كانت الصادرات لا تزيد بالمتوسط عن نصف الواردات، بينما حقق الميزان التجاري فائضاً كبيراً خلال سنوات 1989،1990،1991 بلغ حوالي 38 مليار ل.س، أي حوالي 3.4 مليار دولار، وهو فائض حسابي وهمي في قسم كبير منه, إذ أن جزءاً منه يعود إلى القيم الحسابية المضخمة بشكل مصطنع بسبب اتفاق المدفوعات، بينما يعود الجزء الآخر إلى ظهور الصادرات النفطية. ومنذ عام 1994 حتى 1999 يعود العجز إلى نسبة تتراوح بين ثلث قيمة المستوردات وربع قيمة المستوردات، ويتضمن رقم الصادرات أيضاً صادرات كاذبة بسبب ربط الاستيراد بقطع التصدير.

 

ما بين الرصيد الرسمي والرصيد الفعلي للتجارة الخارجية: تتأثر قيم الواردات والصادرات المبينة في الإحصاءات الرسمية بعدد من العوامل التي تجعلها بعيدة عن القيم الحقيقية للمستوردات والصادرات الفعلية. ويرجع هذا الاختلاف بالأساس إلى السياسات الاقتصادية, ومن هذه العوامل والسياسات:

1ـ سياسة تقييد الواردات: لم تكن هذه السياسة قائمة على سياسة حمائية معللّة، بل كانت تحكمها القرارات الاعتباطية المرتجلة والجامدة فاقدة الصلة بأوضاع السوق الداخلية ومتطلبات الإنتاج والاستهلاك، كما أنها لم تحقق أي ترشيد للاستيراد وتوجيه له في خدمة التنمية، بل أدّت لاختلالات ضخمة ذات كلف عالية على الإنتاج والاستهلاك، كانت من نتيجتها تحويل جزء كبير من الدخل القومي، وبالأخص من حصة ذوي الدخل المحدود، إلى جيوب فئات طفيلية للاستهلاك ألتبذيري أو للتهريب إلى الخارج مع تغذية السوق بشكل غير نظامي بسلع سيئة المواصفات ذات آثار ضارة على المنتجين والمستهلكين، وعلى مستوى المعيشة العام، وبالأخص للطبقات التي تعيش على دخل العمل والعاطلين عن العمل.

أما بالنسبة للصادرات، فبالإضافة إلى الأسباب المحفّزة على تضخيم القيم الاسمية للصادرات إلى الاتحاد السوفيتي في الفترة 1988 ـ 1991 أي فترة اتفاق المدفوعات، فقد كان لربط الاستيراد بالتصدير أثرمماثل على تضخيم قيم الصادرات وظهور صادرات كاذبة ضخمة حيث حقق المتاجرون بالقطع في الأسواق السوداء ثروات ضخمة على حساب المنتجين والمستهلكين، وعلى حساب خزينة الدولة، إذ إن تزايد الاستيراد بقطع التصدير جرى في وقت كانت فيه نسب متزايدة من الواردات تعفى من الجمارك وتدخل البلاد عن طريق الاستثناءات.

وهكذا فإن أرقام الميزان التجاري الرسمي لا تصلح أساساً لاتخاذ قرارات وسياسات اقتصادية لأنها بعيدة عن الوقائع الفعلية. ولكي تصلح ذلك لابد من معالجة أسباب الانحرافات والتشوهات التي تعاينها وذلك بتعديل السياسات الكامنة وراء هذه الانحرافات والتشوهات، مثل إتباع السياسة الجمركية بدلاً من المنع أو التقييد كأداة لترشيد الاستيراد، وإعادة دور المصرف التجاري السوري في خدمة كامل عمليات الاستيراد والتصدير وإلغاء القرارات التي تلغي دور المصرف هذا وتحوله إلى المصارف في الدول الأخرى، مثل قرارات منعه من شراء القطع بأسعار السوق وتغطية قيم الواردات, وبهذا الشكل يجب إلغاء الاستيراد بتسهيلات ائتمانية أو بقطع تصدير، والتي تحول مهام المصرف التجاري السوري إلى الأسواق السوداء.

 

أمابالنسبة لطبيعة ولاستخدامات المواد المستوردة والمصدرة:فان معرفة التغيرات في نسب مكونات الصادرات والواردات المصنفة حسب طبيعة المواد واستخداماتهاتساعد في الاستدلال على اتجاهات تطور الاقتصاد الوطني وعلى اختيار السياسات المناسبة لتفعيل التنمية وتحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية. ومن المهم تطوير قانون الجمارك والاهتمام بوضع تصنيف جديد لأنواع المستوردات والصادرات يجعل المعاملة التمايزية الجمركية مرتبطة بأهداف واضحة وسليمة وليست تفصيلاً على مصالح شخصية أو فئوية معينة.

من الأرقام المتوفرة حالياً نلاحظ أن انخفاض المستوردات عام 1999 عنها عام 1995 تتركز بالدرجة الأولى في المواد المصنوعة (من 24.3 إلى 17.5 مليار ل.س), وبالدرجة الثانية في المواد نصف المصنوعة (من 23.9 إلى 20.6 مليار) بينما ارتفعت المواد المستوردة الخام بنسبة طفيفة (من 4.6 إلى 4.9 مليار). أما بالنسبة لاستخدامات المواد فقد انخفضت قليلاً قيمة المستوردات الاستهلاكية ( من 7.8 إلى 7.2 مليار ل.س) وكذلك المواد الوسيطة (من 27.4 إلى 25.4 مليار), ولكن الانخفاض كان كبيراً جداً في المواد الرأسمالية أي الإنتاجية (من 17.6 إلى 10.4 مليار ل.س), ويعتبر ذلك مؤشراً على اتجاه سلبي يعبر عن حالة الركود وبالأخص في ميدان الاستثمار، والذي تزامن مع انخفاض معدل النمو الاقتصادي.

وبالنسبة للصادرات: فقد بقيت قيمة الصادرات الخام دون تغيير تقريباً ما بين عامي 1995 ـ 1999 (32.8 و 32.5 مليار) بينما انخفضت قيمة الصادرات المصنوعة بنسبة كبيرة (من 9.7 إلى 4.7 مليار) وهو مؤشر يدل على اتجاه تطوري سلبي، وانخفضت قيمة الصادرات نصف المصنوعة (من 2 إلى 1.7 مليار)، وبالإجمالي انخفضت الصادرات من 44.6 مليار إلى 38.9 مليار ل.س ما بين عام 1995 ـ 1999. وبالنسبة لاستخدام المواد، فقد انخفضت الصادرات من المواد الاستهلاكية من 9.5 إلى 7.6 مليار ل.س، كما وانخفضت الصادرات من المواد الوسيطة من 34.7 إلى 31.2 مليار، والصادرات من السلع الرأسمالية من 350 مليون إلى 90 مليون ل.س، وهي دلالات أخرى على اتجاه سلبي في تطور الاقتصاد الوطني.

وبالأرقام نلاحظ أن سورية وهي بلد زراعي يعاني من عجزا كبيرا حتى في ميزان تجارة السلع الغذائية والحيوانات الحيّة، إذ صدّرت عام 1999 منها القيمة 6148 مليون ل.س واستوردت 9333 مليون ل.س, وهناك عجز كبير آخر في استيراد  والتبغ (صادرات 60 مليون وإيرادات 118 مليون ل.س، ولكن الواردات لا يشكل إلا نسبة لا تذكر من الواردات الفعلية وهي في معظمها غير نظامية وتقدّر قيمتها بعشرات مليارات الليرات السورية.

وأما العجز في تجارة الزيوت والشحوم الحيوانية فهي بين 181 مليون صادرات و116 مليون ل.س واردات، والعجز في المواد الكيماوية ومنتجاتها ما بين 339.5 مليون صادرات و5393 مليون ل.س واردات، وبالنسبة للعجز في البضائع المصنوعة ما بين 1511.2 مليون ل0س واردات و13665 مليون ل.س صادرات ومن معدات النقل ما بين 91 مليون صادرات و 947 مليون واردات.

وتعتبر العجوزات الثلاثة الضخمة في البنود الثلاثة الأخيرة (المواد الكيماوية والبضائع المصنوعة، ومعدات النقل) عن قصور نمو وعن تخلف القاعدة العلمية التكنولوجية للاقتصاد الوطني، إذ إن هذه النوعية من الصادرات هي التي تحمل أكبر نسب من القيمة المضافة بينما المواد الخام، باستثناء النفط، تتصف بأقل نسبة من القيمة المضافة، وميزاننا التجاري يشهد عجزاً كبيراً فيها أيضاً.

إن الفائض الوحيد في ميزاننا التجاري يظهر في ميزان الوقود المعدني حيث صدرت سورية عام 1999 وقوداً معدنياً بقيمة 26113 مليار ل.س مقابل استيراد ما قيمته 1212 مليار ل.س، وتحقق فائض بسيط أيضاَ في ميزان المواد الخام عدا الوقود حيث بلغت الصادرات 2471 مليون ل.س مقابل واردات 2016 مليون ل.س.

وبالنتيجة فإن الريع النفطي هو وسيلتنا لتغطية عجز ميزاننا التجاري الناتج عن التخلف الاقتصادي، بالإضافة إلى عجز ميزان الأغذية والحيوانات الحية.

هذه الصورة الراهنة لميزاننا التجاري تؤكد على عمق التخلف البنيوي في الاقتصاد السوري وعلى العلاقة السلبية بينه وبين الاقتصاد العالمي، حيث يصدر الريع غير الناجم عن العمل سواء العمل الفيزيولوجي أو العمل الذهني، ويكاد لا يصدر نسبة تذكر من السلع التي تحمل قيمة مضافة ملموسة، بينما بالمقابل يستورد جميع السلع الغنية بمحتواها من القيمة المضافة أي من نتاج العمل الإنساني، وبالأخص العمل الذهني، وسيلة الإنتاج الرئيسية في اقتصاد المعرفة المعاصر. فلو وضعنا الصادرات النفطية جانباً، كأي بلد غير مصدر للنفط، فإننا سنكتشف عمق الأزمة التنموية، حيث سيبدو اقتصادنا مكشوفاً عارياً بدون أي غطاء, إن الاستمرار باستخدام النفط كتغطية للفجوات والعجوزات المتزايدة الإتساع سيكون عامل تعمية وتضليل عن ضخامة التحديات والمخاطر الماثلة في الوقت الراهن، وبالأحرى في المستقبل المنظور، والتي تتطلب تغييراً جذرياً خاصة إذا ما نظرنا في ميزاننا التجاري مع الدول الصناعية باستثناء النفط من الصادرات.

 

بالنسبة لمواقع القطاعين العام والخاص في التجارة الخارجية:

المستوردات: تغّيرت نسبة مساهمة القطاعين العام والخاص في المستوردات تغيّراً جذرياً ما بين عامي 1980 و 1999. ففي عام 1980 كان القطاع الخاص يستورد ربع المستوردات والقطاع العام ثلاثة أرباع المستوردات، وانخفض نصيب القطاع الخاص إلى أقل من خمس المستوردات عام , 1985 وأصبح القطاع العام يستورد أربعة أخماس الواردات (وللحقيقة كان القطاع الخاص يستورد أضعاف وارداته الرسمية بطرق غير نظامية). واعتباراً من عام 1991 ارتفعت حصة القطاع الخاص من الواردات عن حصة القطاع العام (16.6 مقابل 14.5 مليار ل.س) حتى اقتربت حصة القطاع الخاص عام 1995 من ثلثي الواردات مقابل الثلث للقطع العام (34.5 مليار مقابل 18.3 مليار ل.س) وفي عام 1998 أصبحت حصة القطاع الخاص ثلاثة أرباع الوردات مقابل الربع للقطاع العام، أي عكس ما كان التناسب بينهما في مطلع الثمانينات وكان التناسب بين القطاعين مماثلاً لما كان عليه عام 1998 وذلك في الربع الأول من عام 2000.

 

الصادرات: في عام 1980 كانت صادرات القطاع العام أكبر بـ 12.5 مرة من صادرات القطاع الخاص (7.7 مليار مقابل 0.6 مليار ل.س) وفي عام 1986 انخفضت صادرات القطاع العام إلى 3.6 مليار مقابل ارتفاع صادرات القطاع الخاص إلى 1.6 مليار,, واستمرت صادرات القطاع العام تفوق بحوالي الضعف صادرات القطاع الخاص (1991، 1994، 1999) وبحوالي ثلاث مرات (1992،1993،1994،1995،1997) وبحوالي أربعة مرات في الربع الأول عام 2000.

يلاحظ أن جميع قوانين تشجيع الاستثمار التي أوقعت اختلالات كبيرة في ميزانية الدولة وتشوهات استثمارية لغير صالح القطاعات الإنتاجية لم ترافقها أي تغيرات إيجابية لا كمية ولا نوعية في الميزان التجاري، بل رافقتها تغيرات سلبية في السنوات الأخيرة حيث تمثل صادرات القطاع الخاص إلى الانخفاض بالحجم المطلق ولم تظهر أي تحسن في بنيتها يشير إلى ظهور صادرات نوعية جديدة تحمل قيمة مضافة عالية. والأمر نفسه ينطبق على القطاع العام الذي تقتصر صادراته على المواد الخام تقريباً وعلى رأسها النفط والقطن والفوسفات.

 

الإيرادات الجمركية: رغم أن المستوردات تتركز في المواد المصنوعة والمواد الكيماوية ووسائل النقل، أكثر منها في المواد الخام أو الوسيطة, مع ذلك فإن الحصيلة الجمركية في الموازنة السورية لا تزيد في موازنة عام 1992 التقديرية عن 10170 مليون ل.س وفي موازنة عام 2000 التقديرية عن 12500 مليون ل.س، أي 200ـ250 مليون دولار، بينما تبلغ الحصيلة الجمركية في لبنان 1.5 مليار دولار، أي ستة أضعاف الحصيلة السورية، علماً بأن الواردات السورية النظامية وغير النظامية تعادل الواردات اللبنانية، أي 6 مليار دولار، وعلماً بأن لبنان يتقاضى رسوماً جمركية مخفضة بعكس سورية التي تتقاضى رسوماً جمركية بمعدلات عالية0

إن ضياع أكثر من مليار دولار أي 50 مليار ل.س أو أربعة أخماس الرسوم الجمركية في سورية أمر بالغ الخطورة ويشير إلى كثير من العيوب التشريعية والإدارية والتنظيمية التي يجب أن تكون على رأس مهمات الإصلاح.

 

الإصلاحات المطلوبة في إدارة وتنظيم التجارة الخارجية:

1ـ وضع قانون عام جديد للجمارك يحل محل جميع القوانين والتعليمات المعمول بها ويزيل الالتباسات والتعقيدات الحالية ويأخذ بالاعتبار المستجدات والتغيرات الجذرية في التجارة الدولية والإقليمية ويشتمل على تصنيف جديد للسلع والرسوم الجمركية إلى زمر رئيسية بما يخدم التنمية الاقتصادية ويلغي أسباب التهرب والتهريب والفساد ويبسط ويسرع التخليص الجمركي ويضمن حقوق الدولة الكاملة.

2ـ وضع مبادئ سياسة جديدة للحماية تتركز على الرسوم الجمركية ولكنها مانعة للاحتكار في الوقت نفسه، ومؤشر الاحتكار هنا ليس عدد المنتجين وإنما سعر البيع في الأسواق الداخلية لنفس النوعية الذي يجب أن يكون متقارباً مع الأسعار الدولية، وأي اختلال كبير بينه وبين الأسعار الدولية يجب أن يدفع لتعديل سياسة الحماية. فسياسة الحماية يجب أن تكون مرنة ومتغيرة لتحقيق القدرة التنافسية للإنتاج الوطني، وأن لا تميز في ذلك بين قطاع عام أو قطاع خاص.

3ـ التخلي عن سياسة الإعفاءات والاستثناءات من الرسوم الجمركية أو سياسة الحماية الموصوفة أعلاه والتأكيد على التطبيق الشامل للقانون في حال الإعفاء أو الاستثناء.

4ـ إعادة الوظائف المصرفية في خدمة التجارة الخارجية كاملة وبما يتفق مع ما هو سائد عالمياً، وذلك بالسماح الفوري للمصارف بشراء القطع الأجنبي بأسعار السوق المتغيرة يومياً، وتطبيق قانون النقد والتسليف، واستخدام القطع في فتح الاعتمادات المستندية وإلزام المصدرين بإعادة قيمة الصادرات وشرائها بالسعر الجاري وإلغاء ما يسمى بالتسهيلات الائتمانية وربط الاستيراد بالتصدير وغيرها من القرارات التي عطلت المصارف لكي يقوم بها نشطاء الأسواق السوداء, وأخّلت بقواعد السوق وحملت المنتجين والمستهلكين غرامات كبيرة أضرت بالاقتصاد الوطني عموماً.

التخلي عن التقسيم الإداري ألأوامري للعمل في التجارة الخارجية بين القطاعين العام والخاص والسماح لهما بالعمل على أساس تنافسي دون احتكار وفي مجالي الاستيراد والتصدير والخدمات كالتوكيلات الملاحية 0

6ـ إعفاء الصادرات من الرسوم الجمركية والضرائب باستثناء الصادرات التي تتضمن عنصراً ريعياً طبيعياً، يتمثل بالفرق الكبير بين أسعارها الدولية وسعرها المحلي، حيث يجب أن يذهب جزء كبير من الريع إلى الميزانية.

7ـ اعتبار النشاط الترويجي للصادرات، وكذلك المهام الاقتصادية الأخرى، من أهم الوظائف التي تقوم بها ممثلياتنا الدبلوماسية في الخارج ويجب اختيار موظفين مختصين ومؤهلين عبر دورات متخصصة وتزويد السفارات بهم وربط استمرارهم بنجاحهم في مهماتهم المحددة مع قيام الجهات المختصة بتزويدهم بجميع المعلومات الضرورية وإدارة عملهم ومتابعته بانتظام.

8ـ وضع نظام مراقبة للصادرات يحول دون وقوع إساءات تنعكس سلباً على الصادرات السورية وتحميل المسئولين عنها المسؤولية.

9ـ إحلال إبطال التصدير محل إبطال الاستيراد كمرجعية مساعدة استشارية وعند وضع السياسات واتخاذ القرارات الاقتصادية، وتحويل دور وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية ومديرياتها ووزارة المالية وإدارة الجمارك العامة من خدمة المستوردين بشكل أساسي كما هو جار حالياً إلى خدمة المصدرين والمستوردين، وإلغاء الانحياز إلى المستوردين والذي أضر كثيراً بالاقتصاد الوطني وبالتنمية الاقتصادية.

10ـ الحذر والحرص عند توقيع اتفاقيات دولية على عدم النص على قيود تحد من حرية سورية في التجارة الدولية، مثل قواعد المنشأ والمنشأ التكاملي.

11 ـ هناك شرط من الضروري إدخاله في اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي وهو ميزة ممنوحة لتركيا وإسرائيل ويسمى Preference وهو السماح للمستورد الأوروبي للبضائع السورية أن يعيد تصديرها إلى بلد خارج الإتحاد الأوربي لإعادة تصنيعها واستيرادها من جديد دون رسوم جمركية. ويفيد ذلك بشكل خاص المنسوجات التي يمكن تصديرها إلى بلد آخر كبولونيا، مثلاً، لصناعة الملابس منها وإعادتها، ويشجع هذا الشرط المستوردين الأوروبيين على استيراد المنتجات السورية.

12ـ الحذر والحرص على عدم الوقوع في أسر جهات منظمة تنفذ خططاً محكمة لمنع نفاذنا إلى الأسواق الدولية في السلع والخدمات إلا عبر قنواتها لتلغي حريتنا الاقتصادية وتملي علينا شروطها مستقبلاً.

13ـ تنظيم عملية الرقابة على المستوردات بما يحمي الاقتصاد الوطني والمنتج والمستهلك من المخالفات الضارة بالاقتصاد وبالبيئة أو بالصحة وغيرها.

14ـ الحرص في الاتفاقيات على أن لا تقتصر التبادلية على النصوص فقط, وإنماعلى أن تبنى على الأرقام الفعلية ما أمكن ذلك.

15 ـ إنشاء بنك معلومات والاستعانة بالإنترنت وتشكيل أرشيف وثائقي لجميع العروض التي تقدم إلى المناقصات الحكومية لدى جهة مركزية, وإصلاح قواعد المناقصات وإلغاء الأسباب التي تحد من النوعية والقيمة وغير ذلك.

 

المداخلات والتعقيبات:

زينب نطفجي: لدي رغبة في تعريفكم على وجوه نسائية، ومن خلالها يمكن أن نتعرف على بعض المشاكل التي تعانيها المرأة، واخترت لكم اليوم الحديث عن شخصية السيدة إكرام أنطاكي. قبل أسبوعين كتبت وكالة رويترز عن وفاة الأديبة والكاتبة إكرام أنطاكي، هذه السيدة ولدت في دمشق وتعلمت فيها ودرست في جامعتها. تفتحت حياتها في هذا البلد ن نتعرف على بعض المشاكل التي تعانيها المرأة، واختلات لكم اليوم الحديث عن شخصيبوحاولت أن تتآلف معه، لكنها لم تستطع ذلك كثيراً، فقد كانت متمردة ورافضة للكثير من ما هو قائم، وقد حاولت إيجاد مكان لها في ما هو مطروح، فعملت في الصحافة لكنها وبكل أسف لم تجد مكانها المناسب، فغادرت إلى باريس لهدف الدراسة، وبعدها عادت إلى دمشق لكنها لم تجد مكان العمل المناسب لها، لهذا، قررت الابتعاد فهاجرت إلى المكسيك، هذا البلد الرأسمالي المتوحش وقررت أن تحارب كي تجد لنفسها المكان الذي يليق بها كامرأة أولاً، وغير مكسيكية ثانياً، ولأنها عربية ثالثاً. في المكسيك درست الفلسفة، عملت وتزوجت وأنجبت، وبانتمائها العربي الأصيل، ورغم زواجها من مكسيكي، إلا أنها قررت تسمية ولدها مروان لتؤكد انتماءه إلى دمشق.

لها العديد من الكتب وقد حازت على جائزة عن كتابها الثالث عشر، وبعد عقدين من الزمن قررت العودة إلى الوطن إذ كانت تقول لنفسها: "ما ذهبت للبحث عنه في الغربية، لم يكن أكبر بكثير مما تركته في وطني"، فهناك تركت حضارة وأهل وانتماء، ولو أنني حاربت كما في الخارج لنلت ما حصلت عليه هناك. يجب أن نحب أوطاننا أكثر كي نتعلم العيش معاً، أرادت لابنها أن يحمل جنسيتها، لكن القانون يمنع ذلك، توفيت في الخارج، وآمل من وزارة الثقافة ؟أو من اتحاد الكتاب العرب الانتباه إلى النتاج الأدبي للسيدة إكرام، فالأدب المهجري لطالما أغنى حضارتنا.

 

محمود قيسانية: لي ملاحظة واحدة وهي، أننا نقوم بتشخيص المرض لكننا لا نعطي الوصفة، وجميع الأحزاب السورية، بما فيها حزب البعث والحزب الشيوعي وحركة الإخوان المسلمين والناصريين، وبسبب الحياة السرية فقد سادت لديهم العقلية الفردية، مما أدى إلى طغيان مفهوم الشللية وتقزيم الآخرين، وأيٍّ من هذه الأحزاب لو استلم السلطة فسيبقي الأوضاع على ما هي عليه بسبب الشللية وعدم الشفافية، وإذا كنا نريد بناء مجتمع مدني، فلنبنيه على أساس الشفافية والتخلص من الخوف الذي غزى دواخلنا.

 

مداخلة: ما سمعناه يدعو إلى الحسرة على حاضرنا ومستقبلنا، فالاقتصاد سيء ولا شيء يدعو للتفاؤل، خاصة وأن من خرّب لا زال هو نفسه في السلطة ويحاول أن يوهمنا بأنه سيصلح الأوضاع. كنت أتمنى وجود شخص يتبنى ويدافع ليقنعنا ولو وهماً بأن من خرّب يمكنه أن يُصلح، وبأن الإصلاح ممكن بدون وجود حرية للرأي الآخر، لماذا يُحرم الرأي الآخر من المشاركة؟، ألا يُدرك أصحاب القرار أن هناك كارثة؟، وأن هذا الاقتصاد سيسبب المجاعة لأجيالنا القادمة؟، ما هي طبيعة التحالف بين التجار والبيروقراطية، غدق ونماء وسلسبيل..الخ؟، من يملك هذه الشركات، ألا يملكها تجار متحالفون مع البيروقراطية، لا بل البيروقراطية هي نفسها المالك الحقيقية لهذه الشركات، وعلى هذا كيف يمكن لهذه البيروقراطية اتخاذ قرار لا ينمّي اقتصادها وجيوبها وجيوب أبناءها.

ما هو الحل؟، هل يريدون شراء القطاع العام الذي نهبوه وحطموه، أليس للشعوب ذاكرة؟، هل نستطيع كشعب أن نستمر كبقرة حلوب رغم جفاف حليبها؟.

 

حديثة مراد: هل يمكن بناء اقتصاد وطني ضمن خط عام هابط؟، سؤال مشابه تماماً لسؤال آخر، هل يُبنى مجتمع مدني في غياب التأسيس للمجتمع الحر وفي ظل سلطات الغاز المضغوط نهايات العقد الأول من السلطة بدأت نويّات طبقية في التشكل، فتسارع مال البترول بالانصباب على هذا الملحق كي تندمج في الخط العام الهابط ولتندمج بالخط الذي بدأ بالانحناء اشتراكياً عشر ملايين دينار كويتي عام 1971، مليار دولار عام 1974 بموجب قرارات قمة الرباط، 1850 مليون دولار بموجب قرارات قمة بغداد عام 1978، هذا الشيء تزاوج مع شيء آخر لتنمو الطبقة نهب المال العام، والسطو على الممتلكات العامة، الرشاوى، السرقات، العمولات، تهريب الآثار وتهريب الذهب وتهريب المخدرات وتهريب العملة، فتشكلت الطبقة التي أصبحت جزءً من مسار عام هابط عربياً، هذا المسار له مصالح أساسها الاستبداد السياسي، الاستغلال الطبقي، التبعية للرأسمالية العالمية، وعلاقات التخلف.