كيف نبني اقتصاداً وطنياً"*

رياض سيف**

 

لن أقدم محاضرة مكتوبة وإنما سأتناول عدة عناوين, يمكن أن يستدعي بعضها التوقف أكثر من غيره.

لطالما قُدِّمَ الاقتصاد السوري بأرقام مضلّلة، على شكل إنجازات تصوّر الوضع على أنه بخير، وحين تُثار مشكلة ما يأتي الرد بأنها مشكلة عادية وأن كل اقتصاد في العالم له مشاكله. لذلك بقي الحل مؤجلاً، نتيجة لهذه التعمية وعدم تقديم الأرقام والوقائع الحقيقية. ودائماً كان يُقال بأن الركود ليس عندنا فقط، فحتى الدول الأوروبية تعاني من الركود.. الخ.

في تصوري هناك ثلاث أنواع للركود الاقتصادي. على سبيل المثال، الاقتصاد الأوروبي المتطور،  من الممكن له أن يمر في مرحلة استرخاء وأن يشهد بعض الهبوط في نسب زيادات الناتج القومي.

وهناك دول أخرى في جنوب شرق آسيا في فترة الخمسينات كان اقتصادها ضعيفاً, ولكنها امتلكت مقومات النمو الطبيعي، ووصلت إلى اقتصاديات قوية ومتقدمة. نفس الشيء بالنسبة للاقتصاد التركي، وكثير من دول أوروبا الشرقية، حيث امتلكت الخطة والبرنامج لبناء اقتصاد طبيعي ينمو بنسب معقولة سنوياً ويكون بمثابة خطوة للأمام، مما ينعكس إيجاباً على مستوى دخل الفرد.

أما عندما يصبح الاقتصاد مشوهاً، ولا يملك المقومات الطبيعية للنمو، عندها يصبح الأمر كمن لديه ابن – منغولي – فرغم كل ما يقدمه له من عمليات تجميل يبقى – منغوليا – لأنه لا يملك الشروط الطبيعية الضرورية للنمو الطبيعي. كذلك الأمر في اقتصاديات سوريا وكوريا الشمالية وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والعديد من الدول الأفريقية، فهي لا تملك الشروط الطبيعية للنمو الطبيعي. إن التشوهات في الاقتصاد السوري جاءت بفعل الاحتكار. فالقرار يصدر من مجموعة توظّف كل الاقتصاد في خدمة مصالحها الشخصية، وذلك بغض النظر عن ما يحدث من أضرار على جسم وكيان هذا الاقتصاد.

والاحتكار يولد نقصاً شديداً في الكفاءات، وهذا ما حصل في الاقتصاد السوري وأدى إلى إحباط عند المواطنين القادرين على تقديم شيء، وكذلك أدّى إلى هجرة الكفاءات والعقول، وهذا الأمر نلمسه جميعاً هنا في سورية. وأحد أسباب التشوه، إهمال التنمية البشرية, وأصبح الأساس عندنا هو الكم على حساب إهمال النوع بشكل كبير, والذي هو ضرورة من ضرورات بناء المجتمعات.

كذلك الأمر هناك ظاهرة تجذّر الفساد والتعايش معها كقدر محتوم. في طفولتنا أذكر انه كان يوجد في الحي إنسان تحوم حوله شبهة أنه مرتشي، ونتيجة لذلك لم يكن أحداً من جميع أهل الحي يتواصل معه اجتماعياً، لاعتقادهم أنه يعيش ويطعم أولاده من المال الحرام. إذا قسنا ذلك على اليوم، نجد أن الفساد أصبح جزءً من حياتنا، لا نستنكره بل على العكس نساهم فيه ونمارس الرشوة في سبيل مصالحنا. وذلك يتم في غياب آلية المراقبة والمحاسبة التي تجعل الإنسان يتداعى للكسل والإهمال، وبالنتيجة فإن ذلك كله يكون على حساب المال العام. وطالما أن الطاسة ضائعة، كما يقول المثل، تصبح الفرص مواتية للتطاول على المال العام.

إن غياب آلية المراقبة والمحاسبة نتج عنها الكثير من الأمور، مثلاً ألسكن العشوائي الذي هو هدرٌ كبير للمال الوطني وتخريبٌ للبيئة كما أنه ضد كرامة الإنسان من حيث تقديم الخدمات الضرورية, هذا السكن العشوائي نراه يومياً ينمو باستمرار، ولا أحد يستنكر، أين الدولة؟ أين المحافظ؟ أين الشرطة؟ أين البلدية؟ أحياءٌ بكاملها وُلدت مخالفة وتفتقد لكل الشروط الضرورية لسكن الإنسان. كذلك الأمروفي غياب آلية للمراقبة وللمحاسبة، تحول القطاع العام إلى نزيف كبير لخزينة الدولة والمال الوطني والتمادي اللامعقول في نهب هذا القطاع. أماالقطاع الخاص ونتيجة لهذه التشوهات وهذه الفوضى تردت بنيته كثيراً وأصبح يستقوي على المستهلك المحلي عندما نمنع عنه الاستيراد، كما أنه غير قادر على المنافسة الحقيقية وذلك بفعل التربية على مدى عشرات السنين، فعلمناه البهلوانية واللف والدوران ووضعنا له قوانين لا يمكن تطبيقها ودربناه على القفز فوق القوانين، فولد هو أيضاًَ في بنية مشوهة غير قادر على التطور الطبيعي. وأما أخطائنا في المجال الزراعي، فإن المتعمق فيها يصل إلى نتيجة مفادها أنها كارثة وطنية فعلاً، رغم كل ما يقال عن الإنجازات، فالمحاصيل الأساسية، الحبوب، القطن، الشوندر السكري والذرة، كلها خاسرة، فكيلو السكر يكلف الدولة (38) ل.س وفي بعض المعامل وصلت الكلفة إلى (42) ل.س دون حسبان قيمة الكميات الكبيرة من المياه المستخدمة في هذا المجال.

  أما بالنسبة إلى القطن،وقد تعمقت في دراسته، نجده أنه عدوٌ لسورية بكل معنى الكلمة، وحين نفاخر بأننا أنتجنا مليون طن من القطن، فهذا يعني أن نسبة الخراب والأضرار أكبر، إن كل كيلو غرام من القطن يستهلك (11) متر مكعب من  المياه بالحد الأدنى، وفي السنوات الحارة يصل إلى (13) متر مكعب، أي صهريج كبير. وهناك طُرق لو أننا تنبهنا إليها لجعلنا كل هذه الزراعات رابحة.

لقد تبيّن في إحدى الدراسات بأن سورية قد استنزفت في إحدى السنوات ما يزيد عن (5) مليار متر مكعب من المياه الجوفية الغير قابلة للتجدد، وهذا الأمر استمر على مدى سنوات بنسبة أقل وممكن أكثر، إلى أن أصبح لدينا كارثة في المياه الجوفية. ومن جهة أخرى نجد تملّح الأراضي نتيجة طرق الري الجائرة فهناك قسم كبير من أراضي دير الزور ومنطقة الفرات قد خرجت عن الخدمة وثمة تقارير مخيفة في هذا المجال. في نفس الوقت نجد أن موازنة الري والزراعة هي أضعاف موازنة التعليم العالي، ومع ذلك نستمر في دعم هذه المنتجات ونزيد في خسائر الخزينة، عدا عن خسارة المياه والأراضي التي خرجت عن الاستعمال الزراعي. وبعد نقاشات مطولة أصبح موثقاً أن سياستنا الزراعية هي حمقاء بكل ما تعني هذه الكلمة. وحالياً هناك دراسات لإعادة الأمور إلى نصابها. وفي حديث مع معاون وزير الزراعة قال: إن كلامكم صحيح، وقد قدمت سنة 1983 دراسة عن هذا الموضوع وكيفية الانتقال لأساليب الري الحديثة وضرورتها، وقد حصلت على مكافئة بقيمة (10) آلاف ل.س نتيجة هذه الدراسة، ولكن هذه الدراسة لم توضع في حيز التطبيق وإنما وُضعت على الرف. وأنا أجريت دراسة منذ عام 1985 ولو أنهم بدؤوا بتنفيذها منذ 1983 لاستطعنا أن ننتقل إلى الري الحديث عام 1985 ولتبين لنا عندها مدى الفروقات الكبيرة.

وعلى سبيل المثال أنتجنا (2.8) مليار كغ قطن باستخدام (30) مليار متر مكعب من المياه، بينما كان من الممكن أن نستخدم (10) مليار ونوفر (20) مليار متر مكعب فيما لو استخدمنا طرق الري الحديثة. ومن التكاليف الإجمالية للمحصول كان يمكن أن نوفر إلى حدود الثلث كحدٍ أدنى. ونحن نقول أننا ندعم الفلاح فنشتري منه الكيلو غرام بـ(28.5) ل.س ونعطيه المازوت بسعر مدعوم ونعطيه القروض من المصرف الزراعي ولكنه يظل خاسراً ولا يستطيع تسديد القروض، ومؤسسة حلج الأقطان تُراكم الخسائر التي لا تُحصى. وحسب دراسة عام 1983 فإن تكلفة الكيلو غرام (17.5) ل.س بينما تكلفته الآن (28.5) وبالنسبة لتوفير الأراضي فالكمية التي زُرِعَ فيها مليون طن بدلاً من أن تكون (285) ألف هكتار يمكن اقتصارها على (200) ألف هكتار. ولو أننا أخذنا بتلك الدراسة لكان الفلاح حصل على حقه ولكنا وفرنا للخزينة بدلاً من الخسائر أرباحاً كبيرة. ولكننا وإمعاناً في التخريب نأتي ونقدم القطن للمؤسسة النسيجية بأقل من نصف السعر العالمي وذلك بفعل تعدد أسعار القطع وهو الأمر الذي سبّب الكوارث للاقتصاد السوري.

أما المؤسسة العامة النسيجية، فلم تكن تعاني من كساد، لكنها كانت تنهّب الغزل للتجار وللمقربين ومجموع ما نهبته منذ عام 1985 حتى 1996 وصل إلى (42) مليار ل.س، فالنسيجية للغزول كانت عام 1986 تبيع في السوق المحلية بسعر (92) سنت بينما سعره الحقيقي (2.65) دولار، كذلك الأمر عام 1987 أي بربع السعر الحقيقي. فلماذا تُدعم مادة الغزول وهي ليست خبزاً أو زيتاً أو طاقة كهربائية وهل تحول هذا الدعم إلى المستهلك. أبداً، لم يستفد المستهلك شيئاً. الكثير من المنتجات النسيجية مثل الجينز يدفع المواطن (250%) من السعر العالمي بينما صاحب المعمل يشتري الخيط بسعر الثلث أو النصف من السعر العالمي فسعر المتر عالمياً (100) ل.س وعندنا بـ (250) ل.س، وكيلو الغزل عالمياً بنفس الفترة (75) ل.س ونحن نبيعه له بـ (47) ل.س فتصل أرباحه إلى من 500% أو إلى 700% وذلك على حساب الخزينة والمستهلك وذلك باسم وتحت شعار حماية الصناعة الوطنية، بينما هي في الواقع عملية نهب منظم.

كذلك الأمر بالنسبة للمناطق السكنية المخالفة، والسؤال هنا من أين تمَّ شراء الإسمنت وما فرق سعره عن السعر الرسمي؟، وكذلك الحديد والبورسلان والحنفيات .. الخ كلُّ هذه المواد مهربة وبأضعاف السعر الرسمي. هذه الفروقات بالأسعار أين ذهبت؟ آلاف مليارات الليرات السورية على مدى فترة زمنية معينة شكّلت نزيفاً للاقتصاد على حساب جيوب الناس.  

إن هذه التشوهات التي أصابت الاقتصاد السوري لا ينفع معها إجراء إصلاح اقتصادي أو إصدار قانون أو القول بأننا سننشئ مصارف وكذا. إن ذلك لا يمكن أن يقدم حلاً، فالتشوهات عميقة وغير قابلة للإصلاح. نحن بحاجة إلى بناء اقتصاد جديد بكل معنى الكلمة.

للأسف ما زالت النداءات أو كل الاتجاهات تسير نحو الترقيع، وما زلنا نخشى الاقتراب من ملامسة النقاط الجوهرية ونسعى دائماً وراء عمليات التجميل، ومنذ ثلاثة أيام طُرح قانون جديد على مجلس الشعب، العقوبات التموينية حول التسعير، فنحن نصدر قانوناً سنة (2000) يتنافى مع كل البديهيات في الكرة الأرضية، فتدخل الدولة في التسعير يعني أن موظف الدولة هو الذي سيضع سعر الحمص في المطعم وكذلك سعر الملابس والحلويات وغيرها، والقانون يقول برفع المخالفة من حوالي (500) ل.س إلى (3000) حتى (10000) ل.س لكل من لا يتقيد بالتسعيرة المحددة، وهذا يضع كل من يتعامل بهذه الأصناف تحت رحمة موظف التموين فقط ولا يؤدي أي خدمة للمستهلك. ومن ناحية ثانية فإن كل من يمتنع عن تقديم فاتورة نظامية للبضائع المستوردة أو المصنعة محلياً، فهناك غرامات من (10) آلاف إلى (30) ألف ل.س، وأنا أقول أنه يستحيل في سورية أن يقدم أي إنسان فواتير حقيقية نظامية عن أعماله السنوية،  ومنبع الاستحالة ليست من كون شعبنا فوضوي أي ليس العيب عندنا وإنما في الأنظمة والقوانين. فعندما كانت تصل الضريبة إلى (92-93%) أما حالياً نسبة الضرائب (63-65%) للشريحة العليا بالإضافة للمصاريف التي لا تسجل كالرشوة والخوّة بالإضافة لمصاريف السفر ومصادر جلب الدولار والقانون رقم (24) وقانون العقوبات الاقتصادية، كلُّ هذه الأمور تجعل من المستحيل على أي منشأة اقتصادية في القطاع الخاص أن تكون نظامية ورغم معرفة هذه الاستحالة تتم المطالبة بالفواتير النظامية، وهنا تأتي الخوة، أي وضع سيف مسلط على رقاب كل المنتجين والتجار والمستوردين، وها نحن الآن نعيد تجديده بأرقام أعلى.

وحين يستمر ذلك يصبح من غير المعقول أن نتحدث عن تشجيع الاستثمار، فالمستثمرين الأجانب الذين لديهم خبرائهم ودراساتهم يبحثون عن المكان الذي يحقق لهم الربح النظامي ونحن تعودنا على الالتفاف حول القوانين، وأصبح هناك تعايش مع المخالفات، تماماً كالتعايش مع الفساد، فنحن نعيش في مناخ من المخالفات الجماعية للقوانين، لذلك فالمستثمر الأجنبي لا يدخل في هذه المتاهات كأن يتعرض بفعل تحويل القطع إلى مخالفة وسجن وفق المرسوم رقم/6/ وأن توجه له تهمة معاداة النظام الاشتراكي وفق القانون /37/ الرهيب الذي عدنا وجددناه.

إن إزالة التشوهات شرط أساسي وذلك وفق استراتيجيات معينة كي لا نظل نبكي على الماضي، نتساءل ما هو الحل؟ وهو السؤال المتعلق بعنوان بناء الاقتصاد الوطني.

يجب التركيز على إعادة بناء الإنسان، فهناك تخريب لكل علاقاتنا وطرائق تفكيرنا، إعادة بناء الإنسان من خلال نشر الثقافة الديمقراطية والحياة المجتمعية ورفع مستوى المعرفة العلمية وتطوير أساليب التدريب والتأهيل والعودة إلى توظيف كل الإيجابيات الموجودة في ثقافتنا ضمن علاقاتنا اليومية الإنسانية. بينما حالياً يوجد فراغ، إذ لم يعد الكذب مستهجناً بعد أن كان يعتبر من أكبر الكبائر بل بالعكس لم يعد الكذاب مُحتقراً.

نعم إن قيم الشهامة والكرم ما زالت موجودة لدينا وهي حين يتوفر لها المناخ المناسب تظهر وبقوة، ولكن التشوهات التي حدثت تجعل الأمر يبدو وكأن هذه القيم لم يعد هناك مجالٌ لاستعمالها، نحن نقول أننا نستطيع إعادة توظيف هذه القيم لأن كل الشعوب التي حققت معجزات لم تعتمد فقط على الاقتصاد السليم وإنما بتوظيف ثقافتها في اقتصادها. ولنا أمثلة على ذلك شعوب اليابان وألمانيا وغيرها. ونحن لدينا ثقافتنا الغنية، وبدلاً من أن نصدر قانون يقطع رقبة من يغش ينبغي بالأحرى أن ننشر ثقافة "من غشنا فليس منا" أي أن يرفض الإنسان الغش تبعاً لضمير حي. بينما نحن الآن نحارب كل ما هو إيجابي في ثقافتنا وننمي العادات السيئة التي ينبغي التخلص منها وهذا شيء أساسي في استراتيجيتنا إذا أردنا النهوض.

هناك أيضاً موضوع كيف نستثمر المواد الطبيعية، فسوريا دولة غير فقيرة، لديها ثروات باطنية وأراضي زراعية، كل سوري عنده (4) دونمات وواحد منها على الأقل مسقي، ولدينا من المياه أضعاف ما يملكه جيراننا، ولدينا المناخ المناسب والموقع لجهة قربنا من أوروبا مثلاً، ولدينا الحضارات القديمة والأوابد الأثرية. كل هذا وغيره مما لا نستثمره نهائياً أو أننا نخربه فعلاً. يجب أن نضع خطة للاستثمار بشكل صحيح. كما يجب أن نعي قضية الدين الخارجي، فنحن نأخذ قروض ونضعها في مشاريع غير إنتاجية فتهدر وتنهب، وبالنهاية أولادنا هم الذين سيسددوا هذه الديون. يجب أن نكون واعين جداً لذلك كي لا نقع تحت أي ابتزاز خارجي كما يحدث لدى بعض الدول. ونحن السوريين لنا ميزات تصديرية بعيداً عن التعصب، حيث أسسنا سمعتنا على مدى تاريخنا القديم والحديث، وذلك في مختلف الأعمال الصناعية والتجارية. وقد كانت الأسواق العربية أسواقنا، فأغلب من غادر إلى المهجر أثبت جدارته.

ففي استراليا وكندا وأوروبا وأميركا وحتى في الدول العربية تفرض الجاليات السورية احترامها وتحقق نجاحات دائمة فوق المتوسط مما يستدعي وجود خطة لبناء علاقات مع الدول العربية التي لن نكون خاسرين فيما لو أقمنا سوق موحدة معها، ولكن شريطة أن نزيل كافة المعيقات التي ما تزال تكبلنا.

وينبغي الإشارة إلى دور المستثمرين السوريين العاملين في مجال النسيج والملابس في مصر، حيث هناك تقديرات تقول بأن المستثمرين السوريين في مدينة العاشر من رمضان هم أكثر من المستثمرين المصريين.

كما يجب أن نستثمر وضع تركيا وإيران وأن لا نستورد من اليابان إذا لم نكن نصدر إليها، بل أن نركز على علاقات التبادل التجاري مع الدول التي توفر لنا شروط أفضل تكون بمثابة ميزة هي موجودة في الأساس: ميزة القرب أو الثقافة المشتركة. 

بالنسبة لشفافية القوانين، فنحن كصناعيين نقول لأي صناعي يريد أن يكون نظامياً أغلق معملك وسرّح عمالك واذهب إلى بيتك هكذا تصبح نظامياً، أما أن نقول بأنك تريد العمل وبنفس الوقت تكون نظامياً فهذا هو المستحيل. مثلاً: التخليص الجمركي، غرفة صناعة دمشق توقّع على إذن يحدد سعر تصدير 1 كغ بلوزات بـ(15) دولار ولكن هناك بلوز حرير بلدي وهناك بلوز جنفيص … الخ. هل هناك بلوز بالكيلو؟

لقد وصلنا إلى مرحلة-وهنا الخطورة- أنني لا أستطيع أن أعمل إلا في الظل، ونسبة اقتصاد الظل –الغير معلن- في اقتصاد سورية هي النسبة العظمى في القطاع الخاص، وهذا يؤثر على مردود الخزينة بينما المفروض أن يكون ذلك كله تحت الضوء بحيث يعرف الإنسان ما له وما عليه.

وحول الإحصائيات، نحن لا نثق بأية إحصائية في القطاع الخاص الصناعي والتجاري، ولا يمكن أن نصل لأي حقيقة لأي رقم لأي دراسة في القطاع الخاص الصناعي والتجاري لأن أرقامه المعلنة لا علاقة لها بالواقع. فالقطاع الخاص، لقد تُرِكَ للفوضى وبالتالي أفسح المجال ليختلط الصالح بالطالح وانعدم مقياس الصحيح والخاطئ وهذا لا يعفي أصحاب القطاع الخاص، أي ليسوا منزهين هم أيضاً عن الخطأ.

كان المستهلك بتاريخ 1/5/94 يذهب ومعه (100) ل.س للجمعية الاستهلاكية ويأخذ كل ما يحتاجه (مواد غذائية-سمنة-زيت نباتي-شاي-سردين …الخ) بمبالغ زهيدة، وبدأت الأزمة منذ هذا التاريخ.

وُضِعَ (40) مليار ل.س دعم غذائي سنوياً وزدنا الأجور (14) مليار ل.س الفرق بينهما كل سنة (26) مليار.

 التضخم من عام 1994 إلى عام 1999 هو تضخم عالي، وصلنا لمرحلة أن القسم الأعظم من المستهلكين لم يعد لديهم استطاعة أو فائض ليشتري شيء ما عدا الغذاء الأساسي والدواء، والمعامل الجديدة خاصة بعد قانون الاستثمار بدأت تنتج أكثر بينما الاستهلاك في انخفاض وهذا يترتب عليه أن الإنتاج يأخذ بالتناقص والكلفة في المعامل تزداد فيزداد السعر وكذلك تتناقص أكثر مشتريات المستهلك مرة أخرى، هذه الدورة أوصلتنا إلى مرحلة الجفاف فنحن ننتج ولا يوجد مستهلك. بينما المنطق السليم هو أننا عندما ننتج أكثر بنسبة 10% يجب أن يزداد الاستهلاك كذلك 10% ولكن ذلك يتطلب توفير السعر المناسب للمستهلك.

واليوم يمكن أن يحدث احتلال جديد باسم الاستثمار، بالتالي يجب على أي استراتيجية أن تكون حريصة على أن لا تدع الاستثمار المضارب يسيطر على اقتصادنا تحت اسم الاستثمار وهذا يستدعي انتقاء المشاريع الاستثمارية. ولا يمكن القبول باسم قانون الاستثمار، إعطاء إعفاءات لشخص باستيراد (500) سيارة بدون جمرك والجمرك عندنا (280%) أي إعطائه عبر ورقة لا تتضمن حتى طابع (1.800) مليار ل.س وذلك على حساب الشعب السوري، هذا الكلام سخيف ولكن هذا ما حصل حقيقة، وغير ذلك نضع لهم قانون كمخرج من أي مشكلة يتعرضون لها وقبل أن يصدر القانون كان أحدهم يتهرب مني خوفاً من الفضيحة ولكن بعد أن صدر القانون أصبح كالطاووس، إذ حلّت مشكلته وأصبح قانونياً.

وتحت شعارات مثل القطاع العام الرائد والتعددية الاقتصادية نقول أن القطاع العام والخاص والمشترك والتعاوني يقع تحت مسمى واحد – الاقتصاد الوطني – وأنظر له من منظار أن أي منشأة أياً كان مالكها ماذا تعود على هذا الاقتصاد الوطني فوائد وتوفير فرص عمل وزيادة ناتج قومي. مثلاً لدي معمل خاص يوظف 1000 إنسان ويصدر كذا مليون دولار في السنة ويوفّر الشروط الإنسانية لعماله ويزيد من الناتج القومي فهذا قطاع وطني.

وإذا كان لدينا معمل أو شركة في القطاع العام يعيش عمالها بمستوى أجور متدنية وتكلّف الدولة خسائر مليارات في السنة ويوجد فيها سرقات وهكذا أصبحت هذه الشركة عبئ، لا أستطيع أن أسمي ذلك القطاع بأنه قطاع عام رائد، إلى متى المكابرة؟! هذا لا يعني أنني ضد القطاع العام فأنا أول من ساعد القطاع العام من مالي الشخصي بهدف تخفيف النزيف قليلاً وتحسين هذا القطاع، ولأن القطاع العام ملك الشعب، إذاً تعالوا لنحاسبكم! ماذا تفعلون في القطاع العام؟

هناك (111.700) ألف إنسان يعملون على ما أعتقد في تسع شركات ضمن الإنشاءات وهم عاطلين عن العمل نسبياً والمشاريع التي ينفذونها غالباً ما يأخذون قيمتها أكثر بكثير من قيمتها الحقيقة، أسعار غير مدروسة، ونوعية سيئة، آليات ومعدات مهملة، والذي ندفعه للتصليح أكثر من ثمن آلة جديدة، فوضى بفوضى، ومع ذلك نستمر بالقول أنه قطاع عام رائد، ويقف أحدهم ويقول: "نسيت يا أستاذ رياض أن هذا كان يوماً ما قد فضّل على سورية وبنى كذا وكذا، ويجب أن لا ننسى فضل هذه المؤسسات على البلاد" ولكنني لا أفهم هذا المنطق والأمر ليس عبارة عن رجل تقدم في العمر وكان قد خدمنا في شبابه والآن هو رجل متقاعد وينبغي حفظ كرامته، بل الأمر أن هذه منشأة اقتصادية تربح أم تخسر، هل تقدم خدمة لمصلحة الوطن أم لا؟ أما الذي يقول باستمرارها من هذا المنطلق فهو بالأساس من المستفيدين من هذا القطاع.

لقد بلغت الخسارة في 1/1/2000 على مؤسسة الإسكان العسكري (10) مليارات ل.س، معمل الورق، منذ تأسيسه ليس قطاعاً عاماً وطنياً، وإنما هو عملية ضد الوطن جملةً وتفصيلاً.

وعندما نحافظ على معمل الجرارات، معمل الإطارات، النسيجية، الكيميائية، الغذائية، باسم القطاع العام الوطني وكلُّ ذلك يذهب من جيوب الناس، فيجب على الأقل أن يكون هناك كشف حسابات لتطمئن الناس بأن أموالها في أمان، لأن هذا القطاع العام بتصوري أصبح بمثابة أنبوب لنهب الخزينة ومغلّف بغلاف جميل اسمه قطاع عام وطني، وآن الأوان أن نفضح هذه الشعارات المكابرة، فمنشآت القطاع العام ليست كلها، كما جرى تصويرها، تدخل تحت اسم الدفاع عن القطاع الوطني، وإنما أنا أدافع عن المؤسسة التي تحقق فائدة للوطن، وأي مؤسسة تضر في اقتصاد الوطن فهي غير وطنية سواء كانت قطاعاً عاماً أو خاصاً.

يجب إعادة النظر بكل القوانين القاصرة والتي نرى مخالفتها بشكل جماعي، فالقوانين الموجودة حالياً وُجِدت لكي لا تطبق، ونريد وضع قوانين بحيث يربح من يطبقها ويخسر من يخالفها. مثلاً منطقة يعفور فيها (780) فيلا وكل فيلا سعرها (100) مليون وما فوق، والى الآن لم يرخّص لأيٍّ منها وأي فيلا لا تدفع قرشاً واحداً ضريبة وكانوا قد أخذوا موافقة بيت زراعي (120) متر بالإضافة لإسطبل للحيوانات وباحة مياه لسقي الحيوانات وقد تحولت البحرة إلى مسبح وقامت فيلا ضخمة، فإذا قيّمنا كل فيلا بـ 100 مليون ولدينا (780) فيلا يترتب عليه (78) مليار ل.س لا يدفعون ضريبة ولا نظافة ويستهلكون الماء والمسابح تُملأ وتُفرغ كيفما شاءوا، والدراويش يشترون برميل الماء بـ 25 ل.س بينما أصحاب هذه المزارع يُطالبون يومياً بالتنظيم وفيما لو تم الترخيص يترتب عليه (5) مليون ل.س و ضربت بـ 780 لنتج عن ذلك عائد للخزينة حوالي (4) مليارات ل.س، بينما الأمر غير ذلك منذ عشرات السنين.

هناك أيضاً موضوع تبسيط الإجراءات، كلُّ دول العالم تسعى دائماً للتبسيط بينما عندنا نجد أن كل مواطن مشكوك بأمره حتى يثبت العكس، ولدى أي موظف فأنت متهم والصادق متهم بالكذب وتستمر العرقلة تلو العرقلة إلى أن تدفع الثمن بالتي هي أحسن، لذلك فتبسيط الإجراءات ورفع الابتزاز عن الناس شيءٌ أساسيٌ جداً في الإصلاح الاقتصادي.

وحول إعادة هيكلة الموازنة، فحتى موازنة عام 2001 تسير على نسق الموازنات القديمة، فوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل واعتبرها أهم الوزارات، فهي مسئولة عن العمالة في سورية ومسئولة عن الحياة الاجتماعية والمعاقين، وكل ميزانيتها  تعادل كومسيون لصفقة واحدة، فالوزارة وسيلة لنهب العمال فهي تحوّل عشرات المليارات لخزينة الدولة وإذا حسبناهم بالقيمة الحقيقية وفوائدها وعائداتها منذ وضعناها تساوي المليارات وهي حقوق العمال نضعها في الخزينة، ونأتي إلى العامل ولنفترض معاشه (15) ألف ل.س في القطاع الخاص ولا زال ساري المفعول (3450) ل.س وكل فوائض التأمينات الاجتماعية تذهب إلى الخزينة، بينما كل دول العالم لديها مشكلة بأن العائدات من التأمينات لا تفي بالخدمات التي تقدم للعاملين الصحية والبطالة وغيرها. أما نحن فنحوّل للخزينة من عرق العمال باسم الكادحين.

وبالنسبة للصحة، فمنذ سنة 1983 وباعتراف وزير الصحة، نتباهى بوجود (18) مشفى ومنهم مستشفى الصنمين-وما وزال على الهيكل- لقد تم بناء هذه المشافي في 1983-1984 ولم يتم إكساء أيٍ منهم لتاريخ اليوم. من غير المعقول، دولة تبني 18 مشفى وتنساهم سبعة عشر عاماً! أين وزارة الصحة؟ أين المسئولين؟ قس على ذلك المنسيات في اقتصادنا والمشاريع المهملة.

*كيف نوزع موازنتنا، ماذا نعطي التنمية البشرية والتي هي في تراجع منذ سنوات! فالتربية والتعليم مثلاً، في الخمسينات كانت تزيد نسبتها عن 26% بينما الآن تشكل 8-9% من مجمل الموازنة. بينما يوجد في الموازنة مشاريع استثمارية لوزارة الصناعة، معامل جديدة واستبدال وتجديد مثلاً بقيمة (18) مليار ل.س أي أكثر من موازنة التعليم. أريد أن أُنشئ معمل غزل جديد بينما الغزل الذي لدي لا أستطيع بيعه، وأريد أن أجدد في معامل سيئة تُعاني من الأعطال….

يجب إعادة هيكلة كل الموازنة، فالدولة ليست تاجراً وأهم هدف لها هو أن ترعى وتنمي الثروة البشرية، فهي المسئولة عن كرامة الإنسان واحتياجاته وتعليمه وتدريبه وصحته وهي التي تنظم عمل المواطنين فيما بينهم.

وأهم شيء في إعادة هيكلة الموازنة هو السلطة القضائية، فمن غير الصحيح القول بأنه لا نملك المقدرة على الإصلاح بل القدرة متوفرة، فالقضاة لدينا يفصلون في مليون قضية على الأقل سنوياً، فإذا أردت أن أعطيه على كل قضية مثلما أعطي حاجبه (500) ل.س ضرب مليون قضية مفصولة في السنة فالناتج (500) مليون ل.س يجب توزيعهم على القضاة الذين يبلغ عددهم (1300) قاضي وليس عشرات الألوف. وسوريا غير عاجزة على أن تدفع للقاضي (50) ألف و (100) ألف أفضل لنا وأربح كشعب. وأنا لا أريد قاضياً براتب سبعة آلاف ولكن دون أن أعرف حقي أو أحصل عليه.

 

 

المداخلات والتعقيبات

*المحامي هيثم المالح

لا يوجد قضاء في سورية حتى لو زدنا رواتب القضاة، كما تحدث رياض سيف لا يوجد قانون أنا محامي منذ 45 سنة، فقد دمّر القضاء واغتيل. إن الاقتصاد مرتبط بالسياسة، والأجهزة كلها تتدخل في القضاء وشؤون الناس، تأتيني وكالة من خارج البلاد لا أستطيع أن أمارس العمل فيها إلا بعد المرور على الأجهزة، وإذا أتتني وكالة من شركة عربية لابد أن أحصل على موافقة وزارة الداخلية، وهذا عمل يتناقض مع حرية الإنسان، فلابد من العودة إلى إصلاح الجهاز القضائي وإصلاح السياسة وإطلاق حرية الناس، وقبل هذا لا يوجد اقتصاد ولا يوجد عمل.

 

*الباحث عبد الله حنا

لدي جملة أسئلة تتعلق بالتصنيع والاقتصاد السوري:

1-هل يمكن بناء صناعة وطنية منتجة سواء في القطاع العام أو الخاص في ظل هيمنة الشركات العابرة للقارات وبعد غياب الاتحاد السوفييتي.

2-ما هي القوى الاجتماعية التي يمكن أن تقوم بإعادة البناء، هل هي القوى البيروقراطية والطفيلية المهيمنة السائدة أم القوى المهمشة الضعيفة والتي تشكل أكثرية المجتمع، وهل يوجد قوى اجتماعية كما كان في الخمسينات حيث كان هناك قوى اجتماعية تتمثل بالطبقة الوسطى الصاعدة إلى الأعلى يمكن أن تقوم بمهمة إعادة البناء أو ما نسميه بالنهضة؟.

3-كيف يمكن بناء قطاع عام، وجريدتي هذا القطاع وهما (كفاح العمال الاشتراكي للاتحاد العام للعمال وجريدة الفلاحين) وهما تطبلان وتزمران في كل شيء فارغ، ويُلاحظ أن جريدة كفاح العمال كانت تنقد المجتمع والشركات وتُسهم في عملية التطوير حتى سنة 1974، أما جريدة نضال الفلاحين فبقيت على هذا الخط حتى سنة 1977-1978 ثم تحولتا إلى جريدتين لا يوجد لهما أي أثر في المجتمع، فهل يمكن تطوير الاقتصاد بدون ثقافة حرة تشير إلى السارقين؟.

4-تحدث الأخ رياض سيف عن الخّوة وأنا كمشتغل في التاريخ أعرف أن الخّوة تعود إلى زمان القبائل والعشائر القديمة التي كانت تفرض الخوة على البشر وأتى عهد الاستعمار الفرنسي وألغى الخوة وفرض الأمن، الآن أسمع أن هناك خوة، فبدأت أربط تلك الخوة التي قامت بها العشائر بما قرأته منذ أسبوعين في جريدة الثورة حيث تصدّرت في الصفحة الأولى اسم عشيرة مع شيوخ العشائر كانت تنهب وتفرض الخّوة على الفلاحين في الجزيرة والفرات، هل هناك ربط بين هذه الخّوة وإعادة العشائر إلى الوجود، علماً أن من يعود إلى مكتبة الأسد يجد أن هنالك 12 كتاباً صدرت منذ أربع سنوات تمجّد بالعشائر السورية، فهنالك عودة إلى العشائرية والقبلية، فما أسباب ذلك؟

 

*رياض سيف

ما طرحه عبد الله حنا هل يمكن بناء صناعة وطنية في ظل الشركات العابرة للقارات؟ يجب أن لا ننسى أن كل الدول حالياً تركز على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تملك مرونة وأن نبني حاضنات ببناء خلايا سليمة من ورشات ومعامل صغيرة لأناس لديهم الخبرة والجرأة من أبنائنا وأن نقدم لهم قروض ميسّرة وأن نبدأ بهذه البذور في كل أنحاء سورية، وأعتقد أن مجالات النجاح كبيرة جداً وتستطيع أن تنافس وتصدّر. والشركات العابرة للقارات لها حصتها ونحن لا ننافسها فنحن لنا حصتنا في المجال الآخر، في الصناعات الخفيفة وحتى الصناعات الالكترونية، فممكن أن نأخذها ونستفيد من ميزتنا البشرية لأن الميزة الأساسية لدينا هي الثروة البشرية. وحول القوى التي يمكن أن تقوم بإعادة البناء، في تصوري، أن الذي قام بإعادة البناء في سورية في الخمسينات ليس عُشر الأشخاص وإنما شريحة كبيرة، وتبدأ العملية بوجود برنامج الادخار الوطني الذي أهملناه إهمالاً كبيراً. إن أساس النهضة اليابانية بُنِيَ على الادخار في المؤسسات الإنتاجية وفي مشاريع الدولة، حالياً نحن نستهلك أكثر مما ننتج بكثير.المفترض أن نبدأ بالتحول وأن نحسن إنتاجيتنا ونبدأ بالادخار، ففي سورية في الخمسينات حين كان يأتي مولود، غالباً ما تكون هديته شراء عشرة أسهم في شركة الاسمنت مثلاً. في كتاب تاريخ الحضارات نجد أن اليابانيين كانوا أكثر شعوب العالم تخلفاً قبل 175 سنة، ولكن بعد زيارة الإمبراطور الشاب لأمريكا وأوروبا ومعايشته لفترة طويلة ما يجري ضمن تلك الدول عاد ونقل هذه الأفكار ضمن برنامج وطني، وقال لشعبه إنه من الممكن أن نصنع شيء شريطة أن نتعلم بسرعة من أولئك الذين ممكن أن نعمل لديهم ونتعلّم على أيديهم وبقدر ما نستطيع أن نتعلم بسرعة بقدر ما نتحرر من العبودية، وفعلاً تعلموا وتحرروا وأصبحوا من الأمم المتقدمة. أما فيما يتعلق بالطبقة الوسطى-رحمة الله عليها- طبعاً المشكلة عميقة ولكن هل نستسلم، أم يجب أن نبدأ ونستعد لشد الحزام ضمن برنامج وطني على ألا ينتفخ أحد على حساب أحد. وبالنسبة للقطاع العام لا أعتقد أن رئيس اتحاد الفلاحين يعيش هم الفلاحين ولا رئيس اتحاد العمال، وكلٌّ يعيش هم نفسه وهي عبارة عن مصالح على حساب شعارات أفرغناها من كل مضامينها، فلا إصلاح إلا بالرجوع إلى الحقيقة والصدق. وبالنسبة للخوّة، فهي الآن منتشرة أكثر بكثير من السابق بوسائل متطورة وحديثة.

 

*سميرة أحمد

الحديث عن الفساد يجري وكأن المسألة مسألة أشخاص بينما هو ظاهرة ذات أرضية اجتماعية واقتصادية وثقافية خاطئة. وحول موضوع السكن العشوائي فهذا الأمر ليس باختيار الناس بل هم اضطروا إلى ذلك السكن في بيوت ومناطق تفتقر لأدنى الشروط الإنسانية.

 

*رياض سيف:

تعقيباً على موضوع الفساد، هو بالتأكيد أصبح ظاهرة اجتماعية وجزء من حياتنا اليومية ولابد من تجفيف منابعه ضمن استراتيجية شاملة. وبالنسبة للسكن العشوائي فحين أركّز على الأمر مع كل الاحترام للساكنين فإنه كان ممكناً أن يسكنوا بشروطٍ أفضل بكثير وبتكاليف أقل لو أن هناك نظام وتوسع سكاني منظم.

 

*د. وليد البني

   حول إحياء المجموعة القيمية بتراثنا أختلف مع الأستاذ رياض سيف، فهذه القيم لم تعد موجودة كون القيم نتاج ممارسة البشر وبعض القيم التي جرى الحديث عنها إن وجدت فهي قد تمَّ تدميرها خصوصاً أن الحفاظ على حياتي لا يتم إلا على حساب التنازل عن هذه القيم وأنا لن اختار القيم على حساب الحياة ولا على حساب الطعام بل سأختار الحياة. ينبغي تحسين الشروط اللازمة للحياة وذلك بالإمكانيات والوسائل المتاحة حتى نستطيع إحياء تلك القيم. والحياة قبل القيمة.

 

*رياض سيف

بالنسبة لما طرحه وليد البني أخالفه الرأي حول المجموعة القيمية وتوظيفها في حياتنا العملية، وهناك تجربة جرت في دمشق (1050) شاب وفتاة من مختلف الطوائف والمشارب أصبحوا مضرب مثل في أمريكا وأوروبا، كيف يستطيع هذا الشعب أن يعمل بشكل جماعي وينتج منتجات تصدّر لجميع أنحاء العالم، وعندما مرت الشركة بأزمة في حرب الخليج إثر أزمة الكويت كانت العاملات في الشركة مستعدات لبيع مصاغهم ليقدموه للشركة إذا اقتضى الأمر كي لا تتوقف الشركة عن العمل!، هذا هو شعبنا وما زالت القيم المغروسة جزء من خلايانا ولا يمكن أن تنفصل، ولكن هناك كمون لأنه لا يوجد مناخ تظهر فيه هذه القيم. وهناك تجربة أيضاً في عام 1984 لـ (320) عامل تؤكد نفس المعنى، وهذا يعني أننا شعب يهمل ثروة كبيرة ولم يوظفها وهي الثرة القيمية التي تحتاج لظروف أفضل لتنمو وتترعرع.

 

*يوسف مريش

ما أكثر التنظير عندنا وما أقل التنفيذ، في كل النقاشات والمداخلات ضمن هذا المنتدى أو غيره تمنيت أن يقدّم أحدٌ حلاً لهذا الوضع الاقتصادي السيئ.

 

*رياض سيف

وحول ما قاله يوسف مريش بأننا شعبٌ كثير الكلام قليل الفعل وأننا لا نقدّم الحل، هناك أربعة جمل لم أقدمها في المحاضرة، تحت عنوان "من أين نبدأ" وأقول:1-نبدأ من تولد القناعة بضرورة الإصلاح الشامل عند القيادة السياسية. 2-كسر كل الاحتكارات بدءً من الاحتكار السياسي وإعادة بناء مبدأ المنافسة واحترام تكافؤ الفرص. 3-إجراء مصالحة مع كل فئات المهمشين والتعويض المعنوي وما تسمح به الإمكانيات للتعويض المادي بعيداً عن تقبيل الذقون و"السلام عليكم سرقناكم..سامحونا". 4-اعتماد مبدأ الشفافية الكاملة وإيجاد الآلية الفاعلة للمراقبة والمحاسبة.

هذه الشروط تشكل الأرض الصلبة الضرورية التي يمكن أن نبني عليها اقتصادنا الوطني الجديد وليس المعدّل. وبعدها ليس أسهل من القول ما نوع النظام المصرفي والمالي، ما نسبة الفوائد، كيف نبني المناطق الصناعية وأين؟ إذا كنا بعد الاستقلال لم نفكر ببناء مدينة صناعية واحدة ونتكلم في الصناعة.

فالأمور التي لم نتحدث عنها أصبحت مسلمات علمية والخبراء يستطيعون إعطاء البرنامج كيف نبني منطقة صناعية أو مشروع للتصدير أو كيف نبني معاهد للتكنولوجيا؟ نحن لا نستطيع في 45 دقيقة أن نضع البرنامج الشامل مع التفاصيل ولكن أنا أولاً أتحدث عن الأساس، الأرضية التي أستطيع أن أبني عليها أي نهضة اقتصادية، ونحن لا نستطيع أن نبدأ لأن الشروط التي تحدثنا عنها غير متوفرة.

 

*محمد قيسانه

المسألة الزراعية لدينا فشلت والفلاح يقع ما دون خط الفقر، والاتحاد العام للفلاحين بدأ كنقابات فلاحية سياسية ولكنه تحول إلى اتحادات سياسية سلطوية أي تخدم السلطة ولا تخدم الفلاح. والخطة الزراعية تُوضع من المجلس الزراعي الأعلى وما على الفلاح إلا الالتزام بهذه الخطة ولقد قلنا مراراً عبر السنوات الماضية أن الخطة يجب أن توضع من قبل الجمعية لأنها تعرف ماذا لديها من أراضي ومياه وآليات…الخ، بحيث تستطيع تنفيذ الخطة التي هي وضعتها. وهناك موضوع المصرف الزراعي فما تأخذه جمعية فلاحية عدد أعضائها (500) عضو من قروض عينية ونقدية كلُّ ذلك يأخذه شخص واحد من المصرف الزراعي وتوضع العراقيل أمام الفلاحين بالنسبة للقروض السنوية ومتوسطة وطويلة الأجل.

 

*أصلان عبد الكريم

نرغب أن نسمع حلاً، كيف يمكن أن نبدأ الإقلاع؟ سمعنا عن عوائق وعن مؤشرات وإخفاق وعجز وضيق، سمعنا أشياء كثيرة ونرغب أن نعرف هذه المشكلات أيّها الحاسم وأيّها الثانوي وأيّ الزراعات يجب أن نزرع طبقاً للتربة والمناخ..الخ،  وأي الصناعات ينبغي أن نشجع وما العلاقة بين القطاعات التي يمكن أن نشجعها، هل نترك الموضوع للسوق هل نريد اقتصاد سوق؟، هم قالوا لا، إذن نريد اقتصاد للدولة فيه حق التدخل. في هذه الحالة ينبغي وضع استراتيجية تنطلق من أولويات.

مثلاً لماذا لا يكون لدينا في سورية أرقى مصانع نسيج في العالم، ولماذا لا يكون قميصنا كالقميص الألماني أو كما في هونغ كونغ أو سنغافورة… الخ. هل المشكلة بنقص التمويل أم نقص الكوادر أم نقص التقنية الرفيعة، هل المشكلة بضيق السوق على التصريف أم أن صناعاتنا بائسة وليس من المستطاع تصريفها خارجياً، وفي حال أردنا أن نبدأ هل يمكن أن نضع خطة ثم بعدها نبحث عن تمويلها وعن التقنيات الرفيعة؟ نريد أن نسمع شيئاً ومن يقول أن اقتصاد القطن خاسر فليقول أيّ الزراعة هي الأفضل. مثلاً نحن ننتج الزيت ولا نستطيع استهلاكه وهل نستطيع أن ننافس الزيت اليوناني والأسباني والتونسي مثلاً. جئنا لمعرفة ذلك. أموالنا كشعب ينبغي أن تذهب لمن يرغب في أن ينجز صناعة إنتاجية إذاً من خلال التمييز والمفاضلة لدى الدولة بصفتها المدير العام عن الخير العام والهم المشترك بإمكانها أن تحدد القطاعات التي من الممكن أن تتقدم أو تتراجع من خلال اقتصاد راشد. نحن حتى الآن لم نعرف ما هو الاقتصاد الوطني.

 

*رياض سيف

تعقيباً على سؤال أصلان عبد الكريم من أين نبدأ، فأنا وضعت نفس العنوان لحديثي عن تلك الشروط الأربعة والحلول تحتاج لقاعدة أولاً كما أسلفت، وممكن أن أنشىء اليوم خليةً صناعية وغداً ممكن أن أتوصل إلى شيء أفضل مما هو موجود في دول أخرى ولكن أريد أولاً حقوقي كمواطن، ونظام مصرفي يشجعني، ومنطقة صناعية بربع التكاليف. ففي ألمانيا شاهدنا عندهم حاضنات لتوليد شركات جديدة بوضع سليم تأتي الدولة وتدفع ثلثي التكاليف لمشروع كبير تأخذه مؤسسة لها مصداقية والحضانة لمدة خمس سنوات فتعطي هذا الإنسان الذي يريد تأسيس شركة ثلث الاجار وتقدم له مختلف التجهيزات العامة، وبعد فترة الحضانة إما أن يفشل فيذهب، وإما أن ينجح ويتوسع ويكبر. فالمطلوب من الدولة أن تنشىء حاضنة تنمّي المواهب والقدرات وتوفّر لها الآلية المناسبة، بينما نحن على العكس تماماً فصاحب الورشة عندنا يعيش في حالة رعب لأنه من جهة يخشى موظف التموين ومن جهة أخرى هناك مشاكل المواد الأولية والمعدات والتأمينات… الخ. إن أول ما ينبغي فعله هو جعل سورية مكاناً محبباً للعمل والإنتاج وليس مكاناً كلُّ منتجٍ فيه ملاحق.

 

*علي وراد

ماذا نريد من المنتدى هل الحوار فقط؟، على أهميته أعتقد أن هناك إمكانية واقعية لطرح عدد من الشؤون الوطنية والديمقراطية بالمعنى الإجرائي كتشكيل لجنة فعلية لتطوير أشكال الدعم ولاسيما الشعبي للانتفاضة الفلسطينية المتصاعدة بمواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني.

 

*رياض سيف

نحن نطمح دائماً للمزيد من النشاط الفاعل، وأن لا نظل فقط نتحدث، ولكن أعتقد أنه حتى الكلمة لها تأثير وسوف تُعطي مردودها ونحن قلنا إن هذا حوار وطني علني سلمي وأكثر من ذلك فهناك قوانين وأحكام عرفية، ورئيس مجلس الشعب بالذات يحذرني كعضو في المجلس بأنه: يا رياض سيف لا تنسى بأن قوانين الطوارىء لازالت سارية المفعول وأن اجتماع أكثر من خمسة أشخاص يُعاقب عليه القانون ويحتاج إلى موافقة أمنية.

 

*فاتح جاموس

هناك إمكانية جدية لانتزاع الكثير من الأشياء لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة، وهذا يطرح أمر مساهمة عدد من البرجوازيين الباحثين عن الخامات الأساسية في الوطن ولاشك أن العمل الاقتصادي الإنتاجي الوطني يحتاج إلى شرط ديمقراطي. إن النظام السياسي الصرف لا يُنقذ الأمر لوحده.

هناك سؤال: هل تستطيع السلطة الاستمرار بالإصلاح الاقتصادي؟ إذا كانت تستطيع فهناك قسم ليس صغيراً داخل الدولة والسلطة له مصلحة حقيقية في هذا الأمر, كيف يمكن جذبه إلى عمل وطني واسع لنضال سياسي واقتصادي، فنحن الآن نحتاج لانتزاع كلا الخطوتين في كلا المجالين.

 

*رياض سيف

حول ما طرحه فاتح جاموس عن دور البرجوازية الوطنية أقول بأن أكثريتهم يغارون على البلد ويرغبون بالمساهمة، ولكن البرجوازي هو الأكثر جُبناً لأن بيته من زجاج، فهم قد يأتون إليه ويتهمونه بأنه مهرّب أو من الممكن أن ينبشوا له مئة مسألة، لذلك فإن الذي يملك منشأة صناعية همّه الأول هو أن لا تتوقف المنشأة وبالتالي يُفلس وينتهي الأمر. فهو يحاول دائماً أن يبعد عن الشر ويغني له كما يقول المثل الشائع، لذلك لا تتوقع منه أن يكون نصيراً. هو قلباً معك ولكن بما أن بيته من زجاج فإنه لا يرغب أن يرمي حتى ولو ببحصة. وأما ما يمكن أن ننتزعه من أناس مخلصين في السلطة. فنحن لا نتهم السلطة ككل أبداً، هناك مخلصين ونحاول إيصال كلمة الحق لمن يريد أن يسمعها. وأتصور أنه بمجرد فتح مجال التعبير عن آراء الآخرين ومصالحهم وبقليل من الصوت العالي نشعر أن هناك تجاوباً. مثلاً طالبت وبعض الأعضاء في مجلس الشعب بأن تُذاع الجلسات كاملة، وبعد أربعة أيام صدر قرار بإذاعتها كاملة في التلفزيون، نعم ليس مباشرة ولكن كاملة. وقد سمعنا مؤخراً عن تعليمات من وزارة الداخلية بوقف سحب الاعترافات تحت التعذيب وكذلك بمنع الضرب.

 

*حديثة مراد

اسمحوا لي بهذه الملاحظات:

التركيز على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والاهتمام بالمعاقين، يوجد في سورية نحو (90) ألف معاق جسدياً، فهناك ضرورة لإيجاد وسائل كي يتواصلوا مع المجتمع مثل الكرسي المتحرك وغيره، وهذه الوسائل إن وجدت في الأسواق فهي غالية الثمن. هناك أيضاً أساليب التعليم، فالمعلم لدينا مهمل بما لا يقاس مع الدول الأخرى. وبالنسبة للتعليم العالي جميعنا نعرف أين وصلنا فهو شرط من شروط تطورنا التكنولوجي، فهؤلاء يُعتبرون النخبة، فإذا كانوا يدفعون ليشتروا العلامات وفلان مظلّي نعطيه عشر علامات إضافية .. الخ. إن هذه الأمور لا تبني نخبة قادرة على إدارة البلاد والمجتمع، ومفروض أن سورية لها توأمة مع مراكز البحوث العالمية والجامعات العالمية، فهنا يجب أن توضع الأموال وليس على المشاريع المفتعلة، فمثلاً بدلاً من أن أنشىء معمل الورق أضع الأموال في تلك المجالات بحيث ينتفع الوطن. المطلوب إعادة بناء وإعادة هيكلة وأن نبني القاعدة من جديد لنبني عليها بناءً سليماً ونتجاوز التشوهات وأن نبدأ من جديد بشكل صحيح، وعفا الله عن ما مضى.

 

*رياض سيف

لقد قرأت مذكرات خالد العظم، فتبين لي أننا لا نعطي تلك الفترة حقها من التقدير والوقوف عند إيجابياتها وطبعاً، فيجب أن لا نحذفها من تاريخنا، لأنها فترة تنطوي على الكثير مما يمكن أن نتعلمه لأنها نبعت من شعبنا وثقافتنا وممكن أن تكون الأفيد من كل التجارب الأخرى حيث نشأت نهضة صناعية رغم ما أعقب الاستقلال من حرب فلسطين، واستقبال سورية لمئات الألوف من اللاجئين وتكاليف احتضانهم وبناء الجيش والانقلابات العسكرية، ورغم كلِّ ذلك أنشأنا معملاً للزجاج على أحدث طراز ومعامل للسكر والنسيج بكل أنواعه وبنينا مرفأ اللاذقية بدل أن نتقيد بمرفأ بيروت ومعامل الاسمنت وكلها كانت ناجحة وشركات مساهمة وكان يوجد بورصة، آنذاك كان الاقتصاد فتي وينمو بشكل طبيعي وصحي وحققنا نتائج وبلغت صادراتنا عام 1956 (110%) من وارداتها، ومجموع الصادرات ضعف ميزانية الدولة، وإذا قست ذلك اليوم، بعد أن أُخرج البترول الذي يشكّل 80% من صادراتنا ولدينا عجز في الميزان التجاري فيتبين أن صادراتنا من وارداتنا اليوم لا تشكل سوى 9%، وإذا حسبناها على الموازنة فلا تشكل حتى 5% أي أن الميزان التجاري في عام 1956 كان رابحاً بنسبة 10%، وكان يوجد في دمشق 23 صحيفة، 30 مجلة أسبوعية من كل المشارب السياسية، 44 جريدة يومية وكانت الأمور مختلفة جداً في أعوام 1956-1957 . يجب أن ندرس تلك المرحلة بعناية ونختار ما نستطيع الإفادة منه في عملية إعادة البناء.