الاقتصاد السوري المشكلات والحلول

 

 

الاقتصاد السوري المشكلات والحلول

د. عارف دليلة

 

 

 

د. عارف دليلة

 

أشكر الإخوة في منتدى الدكتور جمال الأتاسي لدعوتي إلى هذا المنبر الهام الذي يحمل هموم هذا الوطن وقضايا هذا الشعب، ويطرح مشكلاته الملحة، والذي يمكن اعتباره أهم مُعِين ومساعد على إخراج البلاد من أزماتها ومشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيما لو أُخْلِصَت النية وحظي بالتقدير الصحيح.

 

مازلنا كما سمعنا منذ قليل نعيش في نظام تؤخَذ فيه الناس بجريرة أقوالها، ومازال النظام حتى الآن لا يأخذ الناس بجريرة أفعالهم. أصبح القول جريمة، أما الفعل مهما بلغ من الخطر على البلاد والعباد، فلا يُعتبر جريمة يُحاسب عليها. آن الآن أن نعترف بحرية الرأي والكلمة والقول، وأن نحاسب الناس على أعمالهم ونتائج أفعالهم التي يتحمّل الوطن والشعب والحاضر والمستقبل أعباءها.

 

من المستحيل في محاضرة أن نحيط بمشكلات الاقتصاد السوري ونرسم وصفات الخروج منها، فهذه المشكلة كانت موضع نقاش دائم في ندوات الثلاثاء الاقتصادية على مدى ال 15 عاماً الماضية، شارك فيها العديد من الاقتصاديين السوريين والمختصين من مختلف الاتجاهات. وكان الفضل لهذه الندوات في الكشف عن القضايا الخطيرة التي تعتمل في واقعنا الاقتصادي والاجتماعي، والتي قوبلت في معظم الأحيان بالإعراض أو الاستنكار أو الاتهام، ولكن حظيت في النهاية بالاعتراف، وأدت إلى بعض التغييرات. لكن هذه التغييرات بقيت تغييرات فوقية اسمية شكلية، لم تصل إلى جوهر القضية، إلى تلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجاري تخطيطها وتنفيذها على الأرض، وفي رقبة الاقتصاد السوري، وفي رقاب أبناء هذا الوطن.

 

وهناك الكثير من الأسئلة التي أصبح من الضروري طرحها والإجابة عليها. يجب أن نسجّل الإيجابيات في السنة الأخيرة أن جميع الجهات الرسمية أصبحت تتابع المسألة الاقتصادية، شُكِّلت اللجان العديدة من مختلف المواقف والآراء، وقُدِّمَت الدراسات، نُشِرت الكثير من هذه الآراء في وسائل الإعلام، لكن هذه الإيجابية ما تزال على الورق، لم تتحوّل بعد إلى فعل إصلاحي حقيقي. إذاً هنالك دائرة مسدودة ومازلنا نخضّ الماء ولا نحصد زبدة، ومازال الحديث يدور في الفراغ. تُشكَّل اللجان تلو اللجان، تُقدَّم الاقتراحات، لكن المبادرة والقرار والفعل مازال في واد آخر.

 

كلنا نعلم قوة الهجمة الوحشية التي نتعرض لها ونواجهها على أرض فلسطين وفي الوطن العربي عموماً. فنحن نعيش عصر الإمبريالية، وتحوّلها إلى إمبراطورية عالمية، وليس لنا مكان في هذه الإمبراطورية إلا أن نكون غذاءً في أحشائها : أرضاً وموارد طبيعية وأموالاً وبشراً، وهذا يتطلب يقظة مضاعفة. حجم الهجمة التي يتعرّض لها الوطن العربي أضعاف ما يتعرّض له أي مكان في العالم. هنا أُضيفت الصهيونية إلى الإمبريالية، الصهيونية التي لا تقبع في ما سُمي بدولة إسرائيل عام 48، وإنما الصهيونية التي أصبح لها امتدادات على مساحة الوطن العربي حيث شُلَّت ألسنة وأيدي الدول والأنظمة العربية حتى في قول كلمة في وجه أمريكا راعية إسرائيل.

 

الأخطر هو الاقتصاد.. يمكن أن نزاود إلى الأبد بالشعارات والمواقف الثورية، ولكن من المؤسف أن لا نكتشف أنه تحت هذا الغطاء من الشعارات الثورية هنالك من يفعل فعلاً مضاداً على الأرض، ومن يفرّغ إمكانيات هذه الأمة ويمتصّ الدماء من عروق مواطنيها، ومع ذلك فهناك من يغطيه بالشعارات والخطابات والمقالات وكأن شيئاً لم يكن، فكيف يمكن لهذين النقيضين أن يجتمعا في وقت واحد، في سلطة واحدة، في دولة واحدة، في حزب واحد، وفي أجهزة واحدة ؟ كيف يمكن أن يستمر القول نقيض الفعل، والفعل نقيض القول ؟ لقد دفعت سورية، دولة وشعباً، ثمناً غالياً لهذا التناقض. على مدى العقود الماضية عشنا في ظل نظام ذي وجهين، كعملة لا افتراق بين وجهيها : وجه عسكري أمني سياسي يرفع الشعارات القومية الثورية الوطنية الاشتراكية، ووجه اقتصادي اجتماعي يقطّع أوصال الدولة والشعب والمواطن. للغرابة كانت العلاقة بين هذين الوجهين علاقة تحالف ودعم متبادل لدرجة انه كان من الصعب في كثير من الأحيان أن تحكم أي من الوجهين هو الذي يحكم الآخر. كانا يتبادلان المواقع، يحتل هذا الوجه أحياناً مكان الشكل والآخر مكان المضمون، ولكن عندما يختلّ التوازن بينهما كانت تتهدد البلاد أزمة وانفجار، فيسارعان معاً إلى إعادة التوازن وإلى إعادة اقتسام الأدوار والمواقع ليعود التوازن من جديد. آن لسورية أن تخرج من هذه الازدواجية المكلفة وطنياً وقومياً وإنسانياً وأخلاقياً لتظهر بوجه واحد، القول فيها هو الفعل والفعل فيها هو القول.

 

من متابعتنا للوقائع الاقتصادية والسياسات الجارية لا بدّ أن نتساءل : هل هناك إدارة اقتصادية عامة في سورية ؟ رسمياً هناك إدارة اقتصادية عامة فهنالك حكومة ووزارات وغيرها، فعلياً هل هذه الحكومة والوزارات تؤدي وظيفة عامة في مواقعها العامة أم تؤدي وظائف خاصة ؟ على مدى خمسة عشر عاماً ونحن نبرهن أن هذه الإدارة الاقتصادية تؤدي وظائف خاصة في مواقعها العامة. بالتالي نتساءل : هل نستطيع الحديث في سورية عن اقتصاد وطني ؟ في دول أوروبا وأمريكا وأي دولة في العالم ورغم أنها اقتصادات رأسمالية وطبقية، لكن عندما يزدهر الاقتصاد يرتفع مستوى الجميع : الرأسماليون والعمال والعاطلون حتى عن العمل، وعندما يصاب الاقتصاد بالركود يخسر الجميع : أصحاب المليارات والعاملون برواتبهم وأجورهم والعاطلون عن العمل، لذلك نقول أنه هناك اقتصاد وطني في أمريكا وفي اليابان مثلاً. لكن هل نستطيع القول أن هناك اقتصاد وطني في سورية ؟ هنالك اقتصادان : اقتصاد لا يعرف الأزمة والركود، في ازدهار دائم، في وفرة دائمة، بل في حالات الأزمة والركود يزداد اكتنازاً، وهو اقتصاد القلة، أعضاء الشركة المشتركة، من هم في السلطة وشركاؤهم خارج السلطة، وهنالك اقتصاد القلة الساحقة، وهؤلاء إذا ازدهر الاقتصاد أم مال إلى الركود، خسرت البلاد أم فقرت هم في حالة فقر متزايد، أوضاعهم لا علاقة لها بالوضع الاقتصادي العام، وإنما تتحدد أوضاعهم بسياسات رسمية تُطبّق على مدى عقود بشكل منتظم ومحكم، في الوقت الذي تراجعت فيه الدولة عمّا يسمّى بالتخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، التخطيط الذي يضع مؤشرات على الدولة والسلطة بكل مستوياتها. لكن نلاحظ أن خطة بديلة غير معلنة تُطبق بإحكام وبتناسق شديد، هذه الخطة تقضي بتحطيم مقومات الاقتصاد الوطني، بإفقار المجتمع وتهجير قواه الحية، وبمصادرة مستقبل الأجيال القادمة.

 

لم تعد إذاً مقولات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التقليدية المعروفة موجودة في حياتنا، وإن كنا أحياناً نسمعها ونقرأها في النصوص الرسمية. لكن هذه النصوص الرسمية لا تساوي الورق الذي تُكتب عليه، أولاً لأنها تتبع منهج النفاق الاقتصادي، الازدواجية، تزوير الأرقام والوقائع والحقائق على طول الخط. إننا في سورية لا نمتلك رقماً واحداً حتى حيث لا يمكن تزوير الرقم، أي في المصارف أو ميزانية المصرف المركزي وخزينة الدولة. هناك في سورية تُطبّق أشد أشكال السرية حيث الشفافية يجب أن تكون كاملة ومطلقة. يجب أن توضع هذه الأرقام المالية والمصرفية والنقدية في أيدي الشعب وكل باحث. فكيف نفسر هذه السرية التي لا مثيل لها في العالم : سرية الرقم المالي، سرية الرقم النقدي في المصرف المركزي، سرية الأرقام المصرفية. لذلك كنا نقول دائماً أننا بحاجة إلى فريق عمل وطني مستقل من خارج هذه الجهات ليقوم بجرد الحقيقة وتقديمها دون أي تزوير أو تحريف مما يستر التلاعبات الخطيرة التي تجري في قلب النظام الاقتصادي وفي جهازه الدموي والعصبي.

 

ويتحدثون عن الانتقال إلى اقتصاد السوق، لكن سورية لها منهج خاص مميز في الانتقال إلى اقتصاد السوق، أسميه اقتصاد السوق الأوامري، ليس فقط نظام التخطيط الذي اتبعناه كان نظاماً أوامرياً، بل إنهم ينتقلون إلى اقتصاد السوق بطريقة أوامرية. أي يفصّلون المصالح التي تتشكّل في هذا الانتقال على قياسات أشخاص محددين مسبقاً. صدر أخيراً قانون السماح بالمصارف الخاصة والأجنبية، قانون لإنشاء الجامعات الخاصة والأجنبية، لكن كل هذه الإحداثيات الجديدة من مصارف وجامعات وبورصة مصادرة مسبقاً لأسماء محددة مسبقاً. وبالتالي فإن ملكية الشعب السوري تزداد انحصاراً، الملكية الاقتصادية في سورية تزداد انحصاراً، وربما هذا أخطر تحول في أي نظام اقتصادي بغضّ النظر عن طبيعته. الرأسمالية الاحتكارية تضع على راس اعتباراتها الشعب، تحاول قدر الإمكان إشراك الشعب في الملكية وتضمن حداً أدنى لمستوى معيشته. وهنا، مقولة الشعب والإنسان والمواطن لم يعد لها مكان ولا حساب في سياسات إدارتنا الاقتصادية في سورية. لذلك ممنوع إجراء دراسات تكشف الواقع الحقيقي الاقتصادي والاجتماعي، ممنوع إجراء دراسات عن الفقر، ممنوع معرفة البطالة الحقيقية، ممنوع معرفة لماذا يتدفق الناس طلباً للهجرة، ممنوع معرفة كيف يتطور المستوى الغذائي للسكان والمستوى الصحي وكيف يتطور تلبية الحاجات الأساسية من مسكن وملبس وغذاء وصحة وتعليم، وممنوع معرفة كيف يتطور الواقع الاقتصادي والاجتماعي حقيقة على الأرض في سورية.

 

لذلك أتساءل أمام تلك السياسات الاقتصادية التي فندناها مطولاً في ندوات الثلاثاء الاقتصادية، من هي الجهة الرسمية في سورية التي تضع السياسة الاقتصادية وتناقشها وتقرّها وتتبع تنفيذها ؟ إنهم أفراد، هل هم فعلاً الأفراد، هذا الوزير أو ذاك، هذا المدير أو ذاك ؟ ظاهرياً يبدو الأمر كذلك. وأخطر الوزارات التي تتحمل أخطر المسؤوليات الاقتصادية يبدو وكأن السياسة الاقتصادية تنبع منها وتصب فيها. ولا يوجد جهة رسمية في سورية رغم أننا نتحدث عن حزب قائد وعن جبهة وطنية ومجلس شعب ومجلس وزراء ولدينا جامعات وآلاف الاقتصاديين حملة الدكتوراه لكننا لا نرى جهة رسمية في سورية تبحث في ما هي السياسة الاقتصادية الاجتماعية المناسبة في سورية، تناقشها وتقرها وتتبع تنفيذها وتحاسب على نتائج هذا التنفيذ. ولا أعتقد أن هناك بلداً وصل إلى هذه الدرجة من التسيّب، فأخطر السياسات الاقتصادية التي تحدد مصيرنا هي ظاهرياً تبدو أنها من صنع أفراد تنبع من بين أصابعهم وتصب عندهم، وكان الشعب بكامله والمجتمع بكامله والدولة بمؤسساتها وسلطاتها المختلفة لا علاقة لها بهذه القضية، وهي قضية بيروقراطية فنية لا أهمية لها على الإطلاق.

 

فعندما نتناول أي سياسة أو أي قرار اقتصادي نتساءل : هل واضع هذه السياسة أو متّخذ هذا القرار أو منفّذه، هل سمع بشيء اسمه المنطق الاقتصادي، علم الاقتصاد، السياسة الاقتصادية المبنية على أساس علمي، المرتبطة بأهداف اقتصادية واجتماعية محددة ؟ إن ما نشاهده من قرارات ووقائع على الأرض إنما يجافي وبشكل صارخ المنطق الاقتصادي والعقلانية الاقتصادية والمصلحة الوطنية والاجتماعية والنظام الأخلاقي وكل شيء إنساني. هذه المجافاة ترجع إلى أننا تجاهلنا أن الإنسان هو الهدف وهو الغاية، رغم أن هذا الشعار معلّق في كل مكان : الإنسان هو هدف التنمية وغايتها، لكننا نعاني ازدواجية. بكثرة ما نعلّق هذه الشعارات بقدر ما نتجاهل حقيقة السياسات التي تعمل ضدها على طول الخط. وهنا أتساءل : ما هي المكانة التي يعطيها نظامنا للإنسان في منظومته الاقتصادية الاجتماعية، حاجاته، ضرورياته، العلاقات بين الأجيال. عندما ندمر أهم مقومات البيئة الحيوية في سورية حلال عشر سنوات، ونستنزف الثروات الباطنية غير المتجددة من نفط وماء، ونهدرها بوحشية، لا يمكن أن يفعل هذا الفعل إلا عدو، هل فكرنا بالإنسان، بالمستقبل، بالصراع مع الصهيونية والإمبريالية الذي يشغل حياتنا كلها ويبرر كل هذه المفاعيل ؟ إذاً أقول في السجون قد يُهان الآلاف ويُذلون، أما في الاقتصاد فتكرم البلاد أو تُباد العباد.

 

في سورية أصبح الوضع النموذجي المعتاد للمواطن أن يكون غما حاكماً أو محكوماً. أما أن يكون لا حاكماً ولا محكوماً فهذه وضعية غير مفهومة لا من قبل الحاكمين ولا من قبل المحكومين. أن تكون حاكماً عند أي مستوى كان، من مستوى الشرطي إلخ، يعني أن تكون طليقاً من الضوابط تجاه المجتمع وتجاه القانون وبالأخص القانون المالي، تقول للمحكومين ما تشاء وتفعل في مصالحهم ما تشاء دون أن تسألهم أو ترجع إليهم في شيء. في روما العبودية قبل 2000 عام، كانوا أسياد العبيد يختارون لإدارة مزارعهم الأكثر خبرة في الزراعة والأكثر قبولاً من قِبَل العبيد، أما في سورية النصف الثاني من القرن العشرين فلم يعد لا شرط الكفاءة ولا شرط القبول من العبيد ضروريان في من يتمطعون لإدارة مزارع العبيد. فأسياد العبيد الجدد ليس لهم علاقة بالاقتصاد الوطني، لهم علاقة باقتصادهم الخاص فقط، وليست الإنتاجية من بين شواغرهم لأن مصادر ثرواتهم لا تتوقف لا على وضعية الاقتصاد ولا على مستوى الإنتاجية والربحية. ففي الأزمات والكوارث يمكن أن تكون مداخلهم أكثر منها في الرواج والازدهار. أما أن تكون محكوماً فهذا يقتضي أن تنظر كما كان عبيد روما إلى جميع الأوضاع المحيطة بك والحاكمة عليك باعتبارها الخيار الحتمي الوحيد أو الخيار الأمثل من بين جميع الخيارات الممكنة. وانطلاقاً من هذه النظرة فأنت " حر " في تدبير شؤونك الحياتية على مبدأ " يدك وما تطول ".

 

أن تكون منظومة مستقلة خارج المنظومتين الحاكم والمحكوم، أي معارضة، فهذا يجعلك في نظر الحاكمين خائناً وفي نظر المحكومين شاذاً. ولعمري إنها الدلالة الأهم على أن سورية كانت خلال العقود الأربعة المنصرمة تعيش خارج العصر. ولهذا نقول : لم يعد أمام سورية أية إمكانية لإضاعة عاماً واحداً آخر بعد ما أضاعت من عقود. لم يعد أمامها إلا أن تدخل العصر بنظام يشتمل على معارضة معترف بها قانونياً وواقعياً تملك جميع شروط العمل الحر في السياسة تنظيماً وإعلاماً، وكفى اختزالاً لشعب تعداده 18 مليون بأربعمائة اسم أو في مائة اسم، مواصفاتهم الأهم أن ثقة الأجهزة المتعددة قد تقاطعت عندهم لتمنحهم بطاقة الدخول إلى منظومة الحاكمين، وفي رقابهم مفاتيح الجنة، ودون استعداد للاستشهاد في سبيل أي قضية.

 

منذ عشر سنوات عرّفت المسألة الاقتصادية بأنها في سورية هي مسألة غير اقتصادية بالدرجة الأولى. إذا كنا نتحدث عن الإصلاح، أي إصلاح : سياسي أو اقتصادي أو إداري أو تشريعي أو إعلامي، فإن مربط فرس الإصلاح، هنا وليس في أي مكان آخر، أن سورية دولة وشعباًً، اقتصاداً وإدارةً، علماً وأخلاقاً، قد دفعت غالياً ثمن النهج الفوقي والانتقائي في تشكيل وفرز طبقة الحاكمين من الأعلى التي لا ترتبط بشيء ولا تحتكم في شيء إلا طبقة المحكومين. لقد آن الأوان للانتقال من هذا النهج المصطنع المدمر إلى النهج الطبيعي، إلى الشعب ليكون الأرض التي ينبت منها الحاكمون والتي تحكم على جدارتهم. وبالرغم من جميع عيوب ونواقص الديمقراطية التي نعرفها فإن التاريخ لم يخترع أسلوباً أكثر جدوى كنظام حكم ومنهج حياة. ولا يحق لأحد الادعاء بأن الديمقراطية نظام غريب مستورد، فلدى كل شعب على الأرض تراثاً خاصاً في الديمقراطية، ورغم الطيف الواسع لأشكالها فهي من حيث الجوهر واحدة في نهاية المطاف، إنها حكم الشعب للشعب وليس حكم المبشَّرين بالجنة والمنتقين.

 

إن أربعة عقود أو عمر جيل من التجاهل القانوني الديالكتيكي المحرك للتطور، قانون نفي النفي، والقائل بالتطور من الوضعية إلى نقيضها إلى التركيب بين الاثنين وهو قانون طبيعي إلهي، وقهر هذا القانون وإذلاله بشعار دنيوي وضعي هو الثبات إلى الأبد، قد أدى إلى انتقام هذا القانون لنفسه بأن خالف طبعه في التطور إلى الأمام وإلى الأعلى بوقف منحنى النهوض ونكسه إلى نقطة البدء، وهو ما جرى لكل نظام تجاهل هذا القانون. ففي سورية كما في الاتحاد السوفييتي جرى التحول من نظام التحالف الإقطاعي التقليدي المتفسخ والبورجوازية الصاعدة الوضعية إلى نظام التحالف الثوري المتفسخ والبورجوازية الطفيلية، وذلك عبر النقيض الذي كان يُسمى البناء الاشتراكي المتآمر عليه بالتثبيت المتناقض مع الديالكتيك ليلفظ النقيض أنفاسه بعد عقود وهو مازال يجترّ ذكرى ليلة الدخلة على أنها الليلة القدر ولكنها ليلة قدر غير قابلة للتكرار.

 

هكذا نجد أنفسنا في سورية اليوم وبعد أربعة عقود ونحن أحوج ما نكون إلى الإحياء لاستعادة الوعي والروح والقوى المادية والمعنوية للانطلاق من جديد. وإذا كان التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا ظهر ما يشبه التكرار فإنه يكون تكراراً ساخراً، كذلك شأن من لا يتخذ من التاريخ الدروس والعبر، فلا يعترف بأن العالم قد تغير، وأن الجديد لا يمكن أن يكون لا تقليداً ولا استمراراً للقديم حتى بما له، فكيف بما عليه !، لأن هذا الاستمرار حتى إذا اعتُقد أنه حوامل قوة وإيجابيات، فلن يكون إلا إضاعة للزمن وللفرص وللإمكانيات، فإذا كان متشدداً في التمسك بالأشكال التي أكلت عمرها منذ زمن طويل فسيكون نوعاً من الانتحار.

 

من هنا ضرورة التجاوز وهو مقتضى فعل قانون نفي النفي الذي إذا لم يُلبَّى بشكل واعٍ فسيفعل فعله بشكل مدمر. فلا بد من تحرير هذا القانون الذي لا يُقهر بخلاف دساتيرنا وقوانيننا وأنظمتنا الإدارية والمالية التي طالما أعلنتُ عن جائزة تقديرية لمن يكتشف فيها مادة واحدة بقيت حية بعد أن جفّ حبرها ومطبّقة فعلاً.. اللهم باستثناء مادة واحدة أصبحت تنافس الشرائع السماوية في الخلود، إذ أنها تُطبَّق من قِبَل كل من هبّ ودبّ وبمناسبة ومن غير مناسبة، ومنذ 50 عاماً وهي تزداد شباباً : إنها المادة 85 في قانون الموظفين الأساسي وسَمِيتها الأكثر قماءة منها المادة 138 من قانون العاملين الموحَّد، ولتكون سورية مع هذا النسل البغيض من التشريع، الدولة التي تدخل القرن ال 21 بهذه الإشكالية.. هذه المواد التي تتدعم بتوجيهات تلغي مادة في الدستور التي تقول أن حق التقاضي للمواطن مُصان، فكيف نتحدث عن الإصلاح والتنمية والاستثمار ونحن أسرى هكذا مناخ عام ؟ وأي استراتيجيات أو خطط أو قوانين تنفع مادام ربيع دمشق الموعود مُحْتَبَس، وتتمنّع أزاهيره من التفتّح، ومادامت وجوه وقوى الشفط والنحس تنغّص العيش على البلاد والعباد ؟

 

إن شعبنا ميّال بطبعه إلى الاستبشار بالخير، بل وإلى المغالاة أحياناً في استبشار الخير، وكم سيكون الخير عميماً بملاقاته في منتصف الطريق بموكب نظيف من أولئك الذين لم يضيعوا يوماً واحداً من عمرهم في فعل خير واحد لشعبهم، وإنما فقط ودائماً في التعالي عليه وامتهانه وابتزازه واستباحة حقوقه وثمرات كفاحه وحرمانه من فرص الارتقاء واعتباره جموعاً من العوام قاصرة عن التعبير عن حاجاتها وتطلباتها وعن انتخاب من هو أصلح لتمثيلها وإدارة شؤونها ومصالحها، ومن هو أقدر على تعويض البلاد عما ألحقه وجوه الشفط والنحس بها من الإفقار والإذلال والأزمات والكوارث !

 

إن شعبنا جدير بأن يُقال له : لن نفرض عليك من اليوم بالقوة أو بنص تشريعي حزباً قائداً أو جبهة حاكمة يحتكرون تقاسم مراكز السلطة إلى الأبد، وإنما سيكون الخيار لك في تحديد النظام الاقتصادي والاجتماعي الأفضل لحياتك. فهل بقي أمامنا غير هذا الإصلاح كنقطة انطلاق للخروج من العطالة والجمود إلى الإبداع والنماء والتجدد. سأقدّم نماذج من تلك السياسات، أقول سياسات مرسومة بشكل واعٍ ومخطط وهادف، ولكنني أتساءل وأسألكم : كيف يمكن لهذه السياسات أن تُنَفَّذ ولأية غايات ولأي أهداف ؟ إذا كنت قصير النظر، لم أستطع اكتشاف تلك الغايات السامية لمثل هذه السياسات فأنا سأكون سعيداً لو أن أحداً من المسؤولين تفضّل مرة واحدة وقال : إن ما تقوله خطأ، وأنت لا ترى الحقيقة، والحقيقة هي كذا وكذا. إن ما أسمعه دائماً هو أن ما تقوله صحيح بالكامل، ولكن ونحن نوافقك على كل كلمة تقولها نقول لك لا نستطيع فعل أي شيء.

 

إذاً من هو الغامض الذي يدير شؤوننا المصيرية ؟ آن الأوان للكشف عن هذا الغامض، ولن تكشف عنه السلطات المسؤولة ولو بقي هذا الغامض ألف عام آخر يفعل ما يفعل، ولن يكشف سر هذا الغامض إلا الشعب المحرر من القيود بالديمقراطية، بالإعلام الحر المفتوح، بحرية التنظيم والرأي، سيجد هذا الغامض نفسه محاصراً، منبوذاً لا مكان له في هذا الوطن.

 

هذا الغامض ليس غامضاً تماماًً، إنهم أصحاب المليارات الذين أصبحوا يمتلكون مليارات الدولارات خارج هذا القطر، ليس من رواتبهم وليس من أرباح مشروعاتهم، لكن أحداً لم يسألهم كيف ومن أين ؟ بل إن أحداً لم يسألهم كيف تحمّل ضميركم أن تفعلوا بشعبكم وباقتصادكم الوطني وبدولتكم ما فعلتم بحرمانهم من كل شروط الحياة والتقدم والنماء والازدهار، وإيداع حصيلة هذا الحرمان عشرات المليارات من الدولارات عداً ونقداً في جيوب المؤسسات الإمبريالية الصهيونية ؟ ومع ذلك يزايدون علينا بالوطنية، ويتهموننا بأننا نحن الذين سنستقدم الإمبريالية والصهيونية.. نحن وليس هم الذين أهدوها على الأقل مائة مليار دولار من ثروة ومداخيل الشعب السوري، وهذا الرقم يعادل خمسة أضعاف كل الاستثمارات الإنتاجية في سورية. ففي السياسة المالية مهمة أية دولة، أية سلطة وأي نظام هي تنمية قوى الإنتاج الوطنية، أي الارتقاء بقوى الإنتاج عاماً بعد آخر، لكن أن نجد قوى الإنتاج في سورية اليوم عام 2001 أضعف بكثير من قوى الإنتاج في عام 1980 فهذه حالة لا يمكن تفسيرها بأية نية طيبة على الإطلاق.

 

منذ أكثر من 20 عاماً توقف الاستثمار الإنتاجي تقريباً في سورية، الاستثمارات الإنتاجية الجديدة لا تعوض جزءاً من الاستهلاك الذي تتعرض له قوى الإنتاج القائمة في سورية. لذلك فإن الحصيلة بالطبع هي تدهور الإنتاجية العامة، وتعبير ذلك هو أن متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في سورية اليوم، حسب الإحصاءات الرسمية، هو أقلّ منه عام 1980. إذاً سورية أضاعت 20 عاماً من عمرها، ليس لأن الشعب السوري لم ينتج، ليس لأن الاقتصاد السوري لم يكن لديه قيماً فائضة خلال هذه الفترة، على العكس، ولكن لأن كل هذا الفائض الاقتصادي أدى إلى ازدهار اقتصاد القلة وصبّ في خارج البلاد.

 

لن أتحدث هنا عن الفساد الفردي الذي لم يعد فردياً، إنما أصبح نظام حياة عام. هناك ما هو أخطر من الفساد، وهو سياسات عامة تخلق الأرضية التي تجعل الفساد حتمياً. منذ بداية التسعينات وحتى اليوم تقوم مثلاً وزارة المالية بوظيفة واحدة هي تجميع الأموال من عروق الاقتصاد الوطني ومؤسساته ومواطني هذا البلد. مثلاً في العام 93 كان حساب ودائع الدولة لدى البنك /100/ مليار ليرة سورية، أصبح في شهر حزيران من عام 2000، أي قبل عام ونيف، أصبح /365/ مليار ليرة سورية. إذاً وزارة المالية أضافت إلى حسابها في البنك /265/ مليار ليرة سورية، بمعدل /3.5/ مليار ل.س شهرياً، وهي حالة غير معروفة في التاريخ الاقتصادي. وهناك تكديس للدولارات خارج القطر وبمعدل، خلال هذه الفترة، /3/ مليار ل.س شهرياً. إذاً نحن أما /6/ مليارات ل.س شهرياً وبشكل منتظم منذ عام 93 وحتى اليوم تُسحب من الاقتصاد الوطني مجموعها السنوي يزيد عن مجموع الرواتب والأجور في سورية ويزيد عن مجموع الاستثمار الإنتاجي في الاقتصاد السوري، بل في الستة أشهر الأولى من عام 2000 ارتفعت حصيلة هذه المسحوبات إلى ما يقارب 14 مليار ل.س شهرياً.

 

نحن البلد الوحيد في العالم الذي نطّلع فيه على أحدث الأرقام التي مضى عليها عام ونصف أو عامين في أحسن الأحوال، ففي لبنان ومصر والأردن وأمريكا تعطيك وسائل الإعلام دون أن تطلب وتبحث، تعطيك آخر الأرقام المالية وأرقام التجارة الخارجية وكل الأرقام الاقتصادية الهامة يوماً بيوم وأسبوعاً وشهراً بشهر. حكوماتنا اتبعت منهجاً غير معروف في العالم، وهو تأخير المعلومات من 3-5 سنوات لتضع ميزانية العام القادم، وليس لديك إلا معلومات الأرقام الفعلية من ميزانية عام 97 التي لم تُقدَّم حتى الآن إلى مجلس الشعب لقطع الحسابات، علماً بأن إظهار ميزانية العام الماضي كأساس لوضع الميزانية التقديرية للعام الحالي لا يتطلّب غير كبسة زر، فالأرقام موجودة بين أيديهم. فهم يتعمدون هذه التعمية وكتم المعلومات حتى لا يمتلك أحدنا القدرة على التحليل والمواجهة. بعد 5 سنوات عندما تظهر الأرقام الحقيقية يكون " من ضرب قد ضرب ومن هرب قد هرب، واشرب ماء البحر ". فالمسألة الاقتصادية في سورية هي ليست اقتصادية، بل هي سياسية بالدرجة الأولى. أتساءل : هل القيادة القطرية ناقشت هذه السياسة التي أدّت إلى ركود وبطالة وأزمة اجتماعية وهجرة وتردّي مستوى المعيشة... ؟ من ناقش هذه السياسة ؟ ومن أقرّها ؟ وما هي الأهداف المبررة لهذه السياسة ؟

 

من حسن الحظ أن المسؤولين الاقتصاديين هم أنفسهم منذ 30 عاماً، ولم يتغيروا. فمصارفنا لم تعد مصارف على الإطلاق، ولا شركاتنا شركات، والقطاع العام محمل بديون أكبر بكثير من رأس المال. ومنذ سنوات لم نسمع عن مشروع جديد في سورية يُموَّل إلا بالقروض والمعونات، أي بالتسول.. لماذا هذا الإذلال لوطننا وشعبنا مع أنه لدينا في الخارج /10/ مليار دولار، وفي الداخل ربما لدينا /500/ مليار ليرة سورية.. إنهم يزيدون عن حجم الدخل القومي لمدة عام كامل. وفي موضوع الاقتصاد يمكننا أن نتحدث أياماً طويلة.. وآن الأوان أن ندخل العصر الحديث.. وشكراً.

 

 

مداخلات السادة الحضور

 

 

د. ناصر عبيد الناصر:

نشكر الدكتور عارف دليلة على هذا الجهد الذي تجسّد فيه العديد من التناقضات. ومحاضرة اليوم ما هي إلا امتداد لمحاضرة الأمس القريب التي ألقاها السيد رياض الترك والذي دعا فيها عملياً إلى تفكيك المجتمع السوري تحت يافطة الحوار الوطني والديمقراطي، والسيد الترك يدرك تماماً بأن سورية تركن على إرث وطني يُعتد به. بطبيعة الحال محاضرة الترك لم تكن سوى بياناً سياسياً نارياً يتضمن إملاءات وشروط ترقى إلى مستوى إعلان الحرب على حزب البعث العربي الاشتراكي. أما محاضرة الصديق الدكتور عارف دليلة، فهي الأخرى تنبعث منها رائحة العداء، لا النقد البنّاء. وعلى الرغم من ذلك، نتفق معه في بعض النقاط، ولا سيما مكافحة الفساد والذي توفرت له أسباب داخلية وخارجية تداخلت مع بعضها بعضاً. ومن لا يقاوم الفساد لا قلب له، ومن يعتقد بأن بالإمكان اجتثاث الفساد بخطبة حماسية لا عقل له. إذ تحتاج معالجة الفساد إلى عمل مؤسساتي يركن إلى ثلاثة مقومات : الأولى نزاهة ورشاد الحكم، والثانية الشفافية والعلنية، والثالثة المحاسبة الصارمة، وهذا ما تعمد القيادة السياسية إلى توفيره في القطر. أما القضايا الخلافية التي نختلف بها مع الدكتور دليلة تتركز على أربعة نقاط : 1. تعامله مع المعطيات الإحصائية على طريقة تشرشل الذي كان يقول أن أكثر الأرقام التي أحفظها وأصدقها تلك الأرقام التي أقوم بتزييفها، إذ أن معدلات النمو في سورية بلغت في السنوات الأخيرة ما بين 3-4%، وحقق ميزان التجارة الخارجية في سورية فائضاً قدره /28/ مليار ليرة سورية. وبدأت عجلة المعامل في سورية تدور في الأشهر الأخيرة القليلة الماضية نتيجة تصديق الاتفاقات مع الدول الشقيقة والصديقة ولا سيما مع العراق. وأقدّر بأن الاقتصاد السوري في طريقه إلى الخروج من أزمة الركود إلى حالة الانتعاش الاقتصادي. 2. الدكتور دليلة يدرك قبل غيره بأن ثمار الإصلاح لا تؤتي أُكُلها بين يوم وليلة، فالهند لم تتمكن من السيطرة على التضخم إلا بعد ثلاث سنوات. 3. لا بدّ وأن تترتب على برامج الإصلاح الاقتصادي على المدى القصير بعض الآثار السلبية منها ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع رفاهية المستهلك. 4. اختلطت الأوراق على الدكتور دليلة، ولم نعد نعرف هل هو مع اقتصاد السوق أم مع الاقتصاد المخطط ؟ هل هو مع القطاع العام أم مع القطاع الخاص؟ هل هو مع الفقراء أم مع الأغنياء؟ نهاراً يدافع عن الفقراء وليلاً يجالس الأغنياء، ومن خلال هذه التناقضات فإن الدكتور دليلة يريد أن يصل إلى عتبة الزعامة الشعبية والتي بتقديري لا يمكن الوصول إليها بهذا الطريق الذي يحتوي على تناقض مزدوج.

 

الأستاذ رياض سيف :

طبعاً أنا مع الدكتور عارف، ففي ثلاثة أرباع الساعة الأولى قبل أن يتحدث عن الأرقام، أي عندما تحدث عن الاقتصاد السياسي أعتقد أنه الأساس، ومشكلتنا في الاقتصاد لا شك أنها مشكلة سياسية الجذور. في البداية نقول أن الشفافية هي الأساس لبناء أي اقتصاد والأرقام الدقيقة، ونحن نتحدث عن ذلك في كل مناسبة. حالياً لا أتكلم عن المرحلة السابقة، بل عن السنة الأخيرة، في اعتقادي ومن خلال ما نرى يومياً أن الفساد ازداد والشفافية أقل من السابق. حالياً هناك عملية تعتيم كبيرة جداً على المكاسب بما يسمى الاقتصاد الجديد. حالياً يسيل لعاب البعض على عدم ترك أي جزء ولو صغير من هذا الاقتصاد الجديد لأي فئة كانت، وهو محجوز لعدد محدود من الأشخاص وبتخطيط مسبق وعن سابق إصرار. لذلك نرى الآن أن وزير في هذه الدولة، وخاصة في قضية الخليوي، عندما يأتي إلى مجلس الشعب ويطرح بعض الوثائق بعد أن يُسحب منها بعض الوثائق الأساسية، يتهم أن بعض أعضاء مجلس الشعب باعوا هذه الوثائق، مع أن الوثائق كلها غير سرية بالأساس. ولكن كي يعطينا درساً بأن كب ما يتعلق بالاقتصاد والعقود والوثائق في الدولة هو سري للغاية، حتى على أعضاء مجلس الشعب. ونحن يكفينا اليوم إذا طالبنا بالشفافية التي نتكلم عنها بأفواه كبيرة، فإننا بإمكاننا أن نصلح كل شيء من خلال تطبيق مبدأ الشفافية. فمثلاً : جاء بدوي إلى سيدنا محمد يقول له : قد لا اقدر أن أفعل كل شيء. فقال له النبي : فقط أوصيك بوصية واحدة : أن لا تكذب، وهكذا صلح الشخص وصلح المجتمع.

 

د. بدر حيدر :

نعلن تضامننا مع الأستاذ رياض الترك مرة أخرى باعتباره اعتُقل أمام أعيننا في طرطوس حيث نسميه : مانديلا سورية. وبداية أود ذكر ما قاله الدكتور ناصر، وهو صديقي وزميلي الدراسي، حول طريقة محاربة الفساد، وأقول في هذا المجال بأن هذه الطريقة تعني تقبيل يد السارق الكبير وقطع يد السارق الصغير. هناك عقلية مسطّحة تحكم هذا البلد سياسياً واقتصادياً، وأذكر هنا مثلاً تصريح وزير المواصلات النقدي جداً الذي قال أن تأخر دخول الفاكس إلى سورية كان نعمة علينا. القوانين الجديدة في سورية لا تلغي في معظم الأحيان القوانين القديمة التي لا يزال العمل بها حتى الآن. وهناك قوانين قديمة جداً لا تزال سارية المفعول في سورية. بالنسبة لنا كشعب، أصبحت كلمة قطاع عام تعني لنا قطاع طرق، والصناعة عندنا بحاجة إلى أكثر من 100 مليار دولار للتحديث، وهذا التحديث لا يستمر أكثر من 10 سنوات نتيجة التقدم التكنولوجي الهائل في العالم. العطالة في سورية بحاجة إلى مائة مليار دولار كي تُحَلّ، وفي حال توفر هذه الأموال، ما هي نوع المصانع التي ستُنشأ، وأين ستُنشأ ؟ يقولون أن الديمقراطية هي بدعة غربية، وأنها مستوردة، لا تصلح لبلادنا، ونحن نقول : هل الديمقراطية الشعبية هي بدعة عربية ؟ كيف صلحت لحزب البعث العربي الاشتراكي وللأنظمة الدكتاتورية العربية هذه التي بدعها ستالين وأسماها الديمقراطية الشعبية والتي تعني موت الديمقراطية والشعب معاً ؟! نطالب أصحاب الملايين المهرّبة إلى خارج سورية بدفع الضريبة عن هذه الأموال، فقط باعتبارها أرباحاً حقيقية.

 

د. سليم بركات :

سوف أكون واضحاً وصريحاً معكم، الوطن لا يُبنى بالأحقاد، ولا يُبنى إلا بالاحترام والحوار، " القضية ليست قضية رمانة، وإنما القلوب مليانة ". أنتم تعلمون قبل غيركم انه من آداب الحوار أن لا يتجاوز الإنسان حدوده. سمعت بيانات حول رياض الترك، والآن أقول لكم أن رياض الترك، وأنتم تعرفون في قرارة أنفسكم أنه قد تجاوز حدود الحوار. حجم الهجمة كبير، وأكثر ما تتعرض له سورية من ضغط.. لماذا هذه الحملة الموجهة ضد سورية ؟ هل قصّرت سورية في يوم من الأيام ؟ أنتم تعرفون أنه لا يوجد مقصّر، وإن كان هنالك صمود الآن فسورية هي صاحبة هذا الصمود. أتيت إلى هذه المحاضرة لأعرف شيئاً عن الاقتصاد في سورية، وأنا لست من المختصين، فسمعت خطاباً سياسياً من زميلنا عارف الذي نحبه ونحترمه، ولم أرَ ما يمكن أن يكون في إطار الاقتصاد في هذه المحاضرة. قال أن دراسة الفقر والبطالة وكل ما له علاقة بهذه المسائل ممنوع، ونحن نعرف أن هناك دراسات وهو يشارك في أكثر من لجنة في هذه الدراسات ويُدلي بدلوه. وهناك لجان متعددة يعمل من خلالها وليس ممنوع على أحد أن يُدلي برأيه. وأنا أتمنى لهذا المنتدى وللمنتديات الأخرى وأتمنى لهذه الظاهرة أن تستمر في الأطر الإيجابية والمحترمة بأن نشخّص الحالات ونقدّرها ونقول أين الخلل ونعطي ما يفيد. لكن الهجوم والشتائم وكل هذه المسائل لا تجدي نفعاً وغنما تشنّج القلوب وتنفّرها و " لو كنتَ فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك ". سورية ليست لغزاً، وكل المسائل تُدرس، وحتى في مجلس الشعب الميزانية تُعرض فقرة فقرة. وأنا مع العلنية في الاقتصاد وفي السياسة وفي كل شيء. أرجو أن تقدم وثائق يا أخ عارف في كل ما قلته وسوف نحترمك على ذلك. القيادة تناقش السياسة الاقتصادية والاقتصاد، ويجب تقدير الأمور التي مرّت وتمرّ بها سورية. وأعتقد أن هموم القيادة الحالية ومن هموم رئيسنا التحديث والتطوير وتفعيل دور الوطن. ولا أعتقد أن هناك من يكتب عن ظواهر الفساد أكثر من إعلامنا، ولا تظنوا أن في سورية فقط يوجد فضائح، ففي كل أنحاء العالم يوجد فضائح. أتمنى أن نحترم أنفسنا ونكون دقيقين في كلامنا وأن نتعامل بشفافية وأن تكون القلوب جميعاً صافية عند الحديث، وشكراً.

 

الأستاذ سامر ملوحي :

أيها الإخوة، تعرّضت مدينة طرطوس خلال العشرة أيام الماضية إلى حادثتين مؤلمتين : الأولى منع السلطات الأمنية لمنتدانا " منتدى طرطوس للحوار الوطني الديمقراطي " من إقامة جلسته بتاريخ 22/7/2001 مع الدكتور عبد الرزاق عيد، وأخبركم بأننا سوف نتابع المسيرة ونعاود نشاطنا، والحدث الثاني هو اعتقال الأستاذ رياض الترك الذي تم في شاليه صديقنا الدكتور وائل بيطار في تمام الساعة الثالثة من يوم السبت 1/9/2001، وباسم منتدى طرطوس نستنكر عملية الاعتقال ونطالب السلطات بالإفراج عنه فوراً. الأمر الآخر، منذ فترة شاهدنا على التلفاز برنامج " من سيربح المليون "، وكان السؤال : من أغنى الدول بين هذه الدول الأربعة : السعودية، سورية، ليبيا، الجزائر، ونرى بأن سورية هي الدولة الأغنى، فما هو موقف المواطن السوري الذي كان يحضر هذا البرنامج، كثير منهم كانوا يحاولون أن يفكروا بلقمة العيش، وغذ هم يعيشون في بلدهم الأغنى ؟ وما هو موقف المهندس والطبيب الذي يذهب إلى السعودية وإلى ليبيا لكي يعمل هناك ولكي يجلب المال ولكي يعيش مستوراً ؟ وشكراً

 

د. ابراهيم زعرور :

شكراً لكم جميعاً. وأودّ أن أوضّح نقطة قبل التعليق على المحاضرة، أعتقد أن الأستاذ رياض الترك، وكنت من المستمعين لمحاضرته والذي استمرت ساعة ونصف من السب والشتائم على حزب البعث العربي الاشتراكي وعلى القائد الخالد حافظ الأسد وطال السيد الرئيس بشار الأسد والدستور والمنظمات ومجلس الشعب ولم يترك شيئاً، وتحملنا ولم نقل شيئاً. ولكن عندما يتناول رمز من رموزنا الوطنية والقومية والإنسانية هو القائد الخالد حافظ الأسد فأمر طبيعي أن يوضع حد لرياض الترك ولغير رياض الترك. نحن بالنسبة لنا كبعثيين حافظ الأسد كان زاهداً ومتصوفاً ووطنياً وقومياً وإنسانياً، وهذا حق من حقوقنا مثل حقوق الآخرين. النقطة الأخرى : أنا أعرف آراء الدكتور عارف وسمعتها بشكل مباشر وفي الندوات واللقاءات، وهناك الكثير من آراء الدكتور عارف هي صحيحة، وخاصة في مسألة الفساد وغيره. ولكن الحقيقة أن هذه صورة إطلاقية، ونحن نعلم أن الشيء المطلق في الحياة هو الولادة والموت، وما تبقى هي قضايا ومفاهيم نسبية، ولكل منا وجهة نظره وفلسفته وقراءته ومعتقده. أما أن نطلق الأشياء وبشكل مطلق فكل هذا فيه ظلم وسوداوية. علينا عندما نتحاور أن يكون هناك ثقافة للحوار ولغة للحوار، ولكن عندما تكبّلني بالأغلال وترميني بالتهم، وتطلب الحوار، إذاً لماذا سنتحاور ؟ وأتمنى على الدكتور عارف أن يشير إلى أننا نتحمل أعباء كثيرة في قضية وزارة الدفاع، فنحن في ميزانيتها تأتي في الموازنة 46% من ميزانية الدولة، ثم تأتي مراسيم إضافية إلى مجلس الشعب لإدخالها على الموازنة فتصل موازنة وزارة الدفاع أحياناً إلى 70%. ومسألة النفط، فإن إيرادات النفط تذهب لشراء السلاح، وتعرفون جيداً أن سورية تضطر لشراء السلاح بالسوق السوداء. وأتمنى أن لا نظلم حزب البعث، فأكثرية البعثيين مواطنين مخلصين مثلكم، ويحاربوا الفساد والرشوة والبيروقراطية والهدر، ونحن وطنيون ونحب هذا الوطن، فأتمنى أن نترك مساحة للعقل وللثقافة وللحوار فيما بيننا لكي ننهض بالوطن، وشكراً.

 

الأستاذ محمد رعدون :

عندما وضعت القيادة في سورية الإصلاح السياسي على الرفّ، قالت بأولوية الإصلاح الاقتصادي، ثم أحالتنا إلى النموذج الصيني، وليس في ذلك غضاضة فالرسول صلى الله عليه وسلم قال : اطلبوا العلم ولو في الصين. غير أن القيادة السياسية في سورية عندما أحالتنا إلى النموذج الصيني لم تدرس على ما يبدو الشروط المتوفرة للتجربة الصينية حتى نجحت. فالصينيون توفر لهم جهاز إداري نظيف، وكادر فني كفء، وتوفر لهم تظافر اجتماعي خلف الخطة الاقتصادية التي وضعتها الحكومة بحيث اصبح المجتمع كله ورشة تقف خلف القيادة السياسية لإنجاح التجربة الصينية في الإصلاح الاقتصادي، كما أنهم وضعوا خطة استراتيجية طويلة الأمد شملت كل مناحي الحياة : التجارة الداخلية والخارجية والتنمية وكل المرافق الاقتصادية. هل يمكن لهذه التجربة أن تنجح في سورية ؟ هل لدينا جهاز إداري نظيف ؟ هل لدينا كادر فني كفء بحيث تعمل على قادر وضع الرجل المناسب في المكان المناسب طبقاً لكفاءته وأهميته القانونية ؟ هل نُبعد السياسة وتأثير السياسة على اختيار الكوادر الفنية ؟ هل وضعنا خطة استراتيجية طويلة الأمد من شأنها أن تحول المجتمع السوري إلى ورشة عمل تقف خلف القيادة السياسية والكوادر الفنية التي تقوم بالإصلاح ؟ هل سألنا كل هذه الأسئلة عندما أحلنا الناس إلى الصين ؟ أنا في رأيي أن القيادة السياسية حينما أحالتنا إلى التجربة الصينية لم تراعِ كل هذه الاعتبارات لسبب واحد بسيط أنه لا إصلاح اقتصادي دون إصلاح سياسي وشكراً.

 

الأستاذ حسن حدة :

أشكر المحاضر وأقول أن الشيء من معدنه لا يُستغرب، وهؤلاء الحكام الحاليين هم ورثة الحكام السابقين، يعني الفساد يخلّف الفساد. إن الدكتور دليلة لم يهاجم حزب البعث ولم يهاجم الإسلام. أنا إذا كنت مسلماً وأسرق، هل معنى ذلك أن القرآن سيئ ؟ لا بل أنا السيئ، وهؤلاء البعثيون النصابون يسيئون إلى حزب البعث. أنا أتحدث عن الفساد، فإذا لم أعالج الفساد أكون فاسداً ولا يحق لي أن أكون بعثياً.

 

الأستاذ أصلان عبد الكريم :

قليلاً من الماء البارد على الرؤوس الحامية.. أعتقد أنه من المناسب أن نعود قليلاً إلى عصر الأنوار، عصر العقل الذي يقول كل شيء يجب أن يبرّر وجوده أمام محكمة العقل أو يكفّ عن الوجود. أعتقد وأرغب بأن الخطاب ينبغي أن يتوجه إلى الدكاترة البعثيين الموجودين بيننا، ببساطة لأننا نخاطب العقل. ليس هنالك مقدسات أمام العقل على الإطلاق، وهذا مبدأ. وأنا غير متفق مع التقديم الذي قدمه الدكتور بركات وزعرور وناصر بخصوص موضوع رياض الترك، وهذا ليس سراً. ولنفترض جدلاً أن ما قاله الثلاثة صحيح، فهذه حرب كلامية، تجاوز الحدود ولديه مقدسات، أقول : حسناً، الكلام يُردّ عليه بالكلام، إذا تجاوز الحدود نقول له أن لا يتجاوز. هل يكون الحكم بيننا وقول الفصل للجهاز الأمني ؟ أعتقد لا. أريد أن نحتكم إلى العقل، أقبل أن يحتكم رياض الترك إلى قضاء نزيه وعادل، لكن ليس إلى محكمة أمن الدولة، وقد جربت هذا بنفسي.. أنا معارض وسأبقى معارض مادام هناك ما يُعارض. ينبغي أن يكون الحكم بيننا ليس السلطة، السلطة هي الخصم، والحكم بيننا وبين السلطة هو القضاء الذي ينبغي أن يكون نزيهاً وعادلاً، وأقبل أن أُحال إلى القضاء. أسوأ ما يشعر به الإنسان هو أن يكون كتلة منسية مهملة ملقاة على قارعة الطريق بدون مبالاة. النسيان هو الموت المعنوي، لا نريد أن يطلق علينا التاريخ مدافعه، لذلك علينا أن لا ننسى رجالنا أبداً. دعونا نختلف، دعونا نتفق، دعونا نتصارع تحت الشمس. قيل لنا هناك مقدسات أو خطان أحمران : لا تعملوا سراً، ولا تمدوا أيديكم للأجنبي. حسناً، من يريد أن يكون فأراً ؟ قل لي سيصدر قانوناً للأحزاب حتى أعمل علناً. أنا لا لأريد أن أكون فأراً، جربت ذلك 25 عاماً، أريد أن أتصارع مع السلطة تحت الشمس كما أفعل الآن. قيل لنا بعد فترة هناك مقدسات : الحزب، نهج القائد، الوحدة الوطنية، المؤسسة العسكرية... هل من المعقول أن يكون هناك حزب فوق النقد ؟ هل من المعقول أن أقول أن هناك حزب ينبغي أن لا يُنتقد ؟

 

الأستاذ حبيب صالح :

أولاً أرجو أن تسمحوا لي بتوجيه التحيات للمناضل رياض الترك، وأنا أعتبره رهينة الحرية. بالنسبة للمحاضرة فأرى أنها استوفت كل العناصر الأكاديمية لمحاضرة متخصصة وأمسكت بكل مقولات ومفردات العمل المحاسبي والخطاب الاقتصادي. وأقول : ما هي الأسس التي تتشكل منها مكونات الاقتصاد الوطني، وما هي معطيات وهيكليات هذا الاقتصاد ؟ هل هو اقتصاد إنتاجي، خدمي، زراعي، صناعي، أين الخطة المكتوبة في سورية ؟ لا أعتقد أن هناك وصف للاقتصاد السوري سوى أنه اقتصاد غجري أو انكشاري. في الاقتصاد، لابدّ من الحديث عن النفط : هل دخل النفط الميزانية العامة للدولة ؟ هل توقف اقتطاع الأجهزة والمهام الخاصة والعلاوات وما يُذكر وما لا يُذكر من ميزانية هذا النفط ؟ مئات آلاف السيارات التي تُعطى للأجهزة وأعضاء مجلس الشعب وأعضاء الجبهة، ولآلاف آلاف البونات التي تُعطى، وأسوأ الخطط التي تُرتجل أو لا توضع بالتنسيق الممنهج في إطار متكامل اقتصادي. كذلك هي الضرائب وكذلك هو التهريب وأطنان الذهب والعملات والآثار التي تجد طريقها إلى لبنان ومن ثم إلى بنوك العولمة.

الأستاذ فيصل عبد العظيم :

بسم الله الرحمن الرحيم، حين يكون الوطن هو الانتماء الأكبر فوق كل الأحزاب وفوق كل الأفراد، حين يكون الوطن في خطر وإسرائيل والمشروع الغربي يريد أن يجتثّ هذه الأمة من جذورها يكون ليس هناك من داع للمهاترات. الله سبحانه وتعالى، ونتعلم من الله، حين أمر إبليس بالسجود إلى آدم، عصى إبليس، لكن الله سبحانه وتعالى لم يقهره ولم يجبره على السجود لأنه كان يقدّس الحرية، وكان يقدّس الاختيار. حتى حين طلب إبليس من الله أن يُعطيه سؤله فأعطاه سؤله وقال لله : لأغوينّهم أجمعين. أي يلعب على لعبة الحرية وعلى لعبة الاختيار، وقال أن سأحارب منهجك. وعلى الرغم من ذلك أعطاه الله سؤله. فالحرية مقدسة حين خلق الله الإنسان وأعطاه الروح. لقد كرّم الإنسان في الأرض وسمح له بممارسة دوره والخلاف على هذه الأرض. حتى الرسول حين تعامل مع المواطن قال : من جلدت له ظهره فهذا ظهري فليجلده. هناك أمور للتعامل مع المواطن، ومع كرامة المواطن وعزته، ليس هناك من قدسية أو نزاهة لأي إنسان من البشر، حتى ولو كان الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث قال : لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. وقال أبو بكر الصديق : إذا أخطأت فقوموني. فأي حاكم أو أي مسؤول عندما يتصدى للعمل القومي أو الوطني أو الجماهيري فهو تحت المساءلة والنقد والاعتراض، فلا عصمة لأحد في هذا الكون. هناك من يمدح هذا القائد وهناك من يذمه، ولا ينتقص من مقداره من يذمّ، ولا يزيد من مقداره من يمدح، إذا كان هو يعمل من أجل الوطن ومن أجل هذه الأمة.

 

الأستاذ محمد معتوق :

أولاً كفانا قرارات فردية وارتجالية لأن الاقتصاد السوري لم يعد يتحمل المزيد من الترقيع، لأن الاقتصاد يجب أن يُبنى من خلال مؤسسة مسؤولة هي صاحبة القرار في إصدار أي قانون يدعم الاقتصاد. أما المراسيم فهي استثنائية، لا تدفع بالاقتصاد إلى الأمام لأنها صادرة من خارج البنية الاقتصادية للدولة. أيضاً هذه المراسيم بصيغتها الاستثنائية تعطي مؤشراً، وهو أنه حتى الإصلاح في بلدنا هو استثناء وليس قاعدة، فالفساد هو القاعدة والإصلاح من خلال مراسيم هو استثناء. الإعلام الذي تحدث عن هذه المراسيم التي لم تقدّم شيئاً يُذكر لأن معظم هذه المراسيم لم تصدر لها التعليمات التنفيذية، وبعض هذه المراسيم قد اختلف مضمونها بموجب التوجيهات التنفيذية التي لا تتوافق مع روح المرسوم. يُقال أن النفط السوري يذهب إلى القوات المسلحة بحجة أننا دولة مواجهة، وقد أثبتنا بمواقف عدة أولها أننا لم نطلق أي رصاصة في الجولان منذ عام 1973 وآخرها الاعتداءات على موقع الرادار السوري، وبذلك فنحن لا تملك دولة أولاً لنقوم بالمواجهة ثانياً.

 

 

د. وليد البني :

لقد اعتدنا غالباً أن نسمع لمحاضرات كثيرة للدكتور عارف، وتعودنا أن نسمع فيها إضافة إلى صدق الإحصاءات صدق المشاعر وحب الوطن. ولكن هل ستبقى إعادة هذه الكلمات والخطب والمحاضرات كخطبة نسمعها ونمضي ؟ ألم يحن الوقت للفعل سواء من السلطة أو من خارج السلطة، بأن يتيحوا للمجتمع المدني أن يعمل، يتيحوا للنقابات أن تكون حرة لتعترض على رواتب هي لا تكفي تعويض بطالة لأي شخص، يتيحوا للطالب أن يطالب بحقه في مقعد نظيف، أو أن يكون في منظمة طلابية حرة، يستطيع أن ينتقد من يعتقد أنه يستحق الانتقاد، يستطيع أن يطالب بأبسط حقوقه بأن لا يكون هناك تمييز حتى داخل الجامعات ؟ لقد تكلم الدكتور زعرور عن ثقافة الحوار، وأنا أقول عليكم كبعثيين وكجزء من المجتمع أن تقبلوا الآخر، ليست مقدساتكم هي بالضرورة مقدسات الآخرين، وليست مبادئكم هي بالضرورة مبادئ الآخرين. لكم مقدساتكم فلتكن، وإذا أردنا أن نحتكم بقدسية هذه المقدسات وبقدسية حزبكم الذي من حقكم أن تقدسوه انزلوا إلى صناديق الاقتراع، انزلوا إلى الشارع، ولتكن هناك تعددية حزبية حقيقية تثبتون من خلالها فقط أنكم الأوائل وليس من خلال الصوت العالي والاعتقال، وشكراً.

 

 

 

رد الدكتور عارف دليلة

 

لأن البعض عتب عليّ لأنني لم أتحدث كثيراً في الاقتصاد، فمنذ 15 عاماً وأنا أتحدث في الاقتصاد ولم يسمع أحد كلمة، لماذا ؟ لأن المسألة الاقتصادية في سورية هي مسألة غير اقتصادية. إذاً ليست المسألة هي أننا لا نقدّم الوقائع والحقائق الاقتصادية، هي بين أيدي الجميع لكن أحداً لا يريد أن يرى الحقيقة. وزير المالية نفسه في أطروحته التي قدمها إلى جامعة دمشق عام 1992 يتحدث أنهم عندما جاؤوا إلى الوزارة الجديدة غيّروا التعالم مع النفط، كان النفط كله يدخل الميزانية، فأصبح جزء من النفط يدخل الميزانية، والجزء الآخر يبقى خارج الميزانية.

 

لماذا نريد أن نتجاهل الحقائق ؟ من في مجلس الشعب يناقش الميزانية ؟ مجلس الشعب يناقش الميزانية ولا يغيّر رقماً واحداً في الميزانية رغم 50 خطاباً من مجلس الشعب في نقد الميزانية ونقد وزير المالية وسياسته. إذاً، ماذا تنفع السلطة التشريعية التي يقولون أنها مُنتخَبة ولم تُعيَّن تعييناً. إن معظم أعضاء السلطة التشريعية اشتروا مقاعدهم بالمال، كنتُ مرشحاً إلى السلطة التشريعية وأعرف كيف خرجت نتائجها، هنا قلب المأساة.

 

الشعب السوري ليس له ممثلون حقيقيون. يجب على الجميع أن يعترفوا بحق الشعب في فرز ممثليه الحقيقيين. لأن رياض سيف الوحيد في مجلس الشعب يقول كلمة حرة، لذلك أصبح رياض سيف متهماً خائناً. مجلس الشعب مرر كل الاتفاقيات المدمرة لاقتصاد سورية دون مناقشة.. هل ناقش مجلس الشعب نص اتفاقية نفطية ؟ يصادق على الاتفاقية دون أن يقرأها ودون أن يراها. مجلس الشعب اليمني، نتابع على التلفاز، يقرؤون نص الاتفاقيات مع الشركات النفطية حرفاً حرفاً، وأنا في سورية لا أعرف نص اتفاقية نفط.

 

فدعونا نتعامل بالحقائق، ليست المسألة بعثي أو غير بعثي، وليست المسألة عصبية قبائلية : قبيلة حزب البعث وقبيلة الحزب الفلاني هنالك وطن، نريد أن نخاطب الضمائر.. رجال لكننا نرتكب كل الجرائم التي تُرتكب في حق الشعب وفي حقنا وفي حق أبنائنا.. جميعكم بعثيون أو غير بعثيون.. أنتم وأبناؤكم الذين تدفعون الثمن.. أستاذ جامعة عمره 30 سنة راتبه 200 دولار وهو مبلغ لا يكفي ثمن دواليب سيارة مرسيدس.. لذلك هاجر كل علماء سورية إلى الخارج يطلبون الخبز في الأردن واليمن والسودان وليبيا سورية أُفرغت من خيرة عقولها وأبنائها وكوادرها وعلمائها ومن قواها الحية. أنتم من يجب أن تدافعوا عن شعبكم وعن مواطنيكم.. كل مسؤول من مسؤوليكم يمتلك عدة مليارات الدولارات خارج القطر، هذه حقوق الشعب، وعرقهم ودماؤهم، وثروتهم النفطية المستنزفة. البيئة في سورية صُحِّرت سورية أُفقِرَت هل تعرفون كيف يعيش وكيف يجوع الناس ؟ هل تعرفون الأطفال ماذا يأكلون وماذا يشربون في الوقت الذي يمتلك فيه عشرة مسؤولين 100 مليار دولار خارج القطر ؟ هل قلتم في زمانكم كلمة حق في وجه هؤلاء ؟ أين مسؤوليتكم وأين الضمير والوطنية والأخلاق ؟

 

تقولون أنه تفوح منا رائحة العداء ؟ العداء لمن ؟ هل العداء للوطن والشعب أم العداء لأعداء الوطن والشعب ؟ أعداء الوطن والشعب يجب أن نكون جميعاً أعداءهم، سواء كنا معهم في الحزب أم كنا خارج الحزب، هذه هي مسؤوليتنا.. إننا مسؤولون أمام الله وأمام الوطن وأمام ضميرنا.

 

أنا ترفّعت عن الحديث عن الفساد الذي يتحدث الكل فيه، أنا تحدثت عن السياسات الرسمية المصممة بوعي وكامل إصرار وتصميم.. قلت من يناقش هذه السياسات، ومن يقرّها ومن يقدم دراسات عن نتائج هذه السياسات وإلى أين وصلت بالبلاد والاقتصاد والعباد ؟!