هم النظام السوري هو البقاء في الحكم

د. عبد الرزاق عيد

 

هذا ما قاله نتنياهو في أواسط التسعينات ردا على سؤال أحد الصحافيين إن كان نتنياهو يقصد من قوله: نريد حلا مع سوريا، في أنه على استعداد للإنسحاب من الجولان!

 

أعتقد أن أية مقاربة للوضع السوري على مستوى الإصلاح أو مواجهة الفساد أو الغاء حالة الطوارئ... الخ إنما ينبغي أن تنطلق من هذه الحقيقة، التي غدت بديهةً في سياسات اسرائيل نحو سوريا وهي تبتزها وطنا وشعبا وتاريخا. إذ نحن المجتمع السوري في تطلعاتنا الوطنية التحررية والسيادية رهائن "هم البقاء" للنظام القائم منذ ما يقترب من نصف قرن على فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية من جهة، والإبتزاز الإسرائيلي لـ"هم البقاء هذا" واللعب على مصائره واستحقاقاته من جهة أخرى.

 

وعلى هذا فإن ثمة تفاهماً غير معلن، أو تواطؤاً غير مبرم يوميء دون أن يحدد. فحوى هذا التوافق أو التواطؤ او لنقل بصيغة أكثر تدقيقا (التوافق) غير المباشر، هو( البقاء مقابل البقاء)، أي: بقاء الإحتلال مقابل بقاء النظام، تحت صيغة معلنة: الأرض مقابل السلام. ومن خلال هذا التفاهم بالإيحاء أو الإيماء، كان يمكن التعيّش على هذا الصراع الى الأبد. فمن جهة النظام يغدو أي إصلاح مؤجّلاً الى الأبد ما دام ثمة عدو لا يريد لنا أن (ننصلح). والنظام في سوريا في هذه المسألة –مسالة أولوية هم البقاء- ليس محرجا، وليس مضطرا للمناورة أوالمراوغة، بل هو شعار معمم إعلاميا في المسيرات المليونية: "الى الأبد... الى الأبد يا حافظ الأسد" من قبل، والآن: فقد تم تجديد شعار الأبدية بالطموح إلى (مشاركة الله) بها من قبل القيادة الشابة. حيث كان شعار المجددين الشباب وهم يحطمون رؤوس دعاة الإصلاح، "عملاء الامبريالية"، عندما تظاهروا: ( الله سوريا بشار وبس...). فنحن إذن –والأمر كذلك وهو كذلك- لا نقدم اكتشافا عند الحديث عن النزوع إلى الأبدية لدى الطاقم البعثي السوري– ومعلوم أن هذا النزوع مارسه أشقاؤهم في البعث العراقي حتى فترة قريبة-  لكن الجديد والتحديث اليوم هو في ضم (الله) إلى شعار(الأبدية: الله وبشار) الذي ربما يقصدون بهذا الاقتران بين (الله وبشار) رمزيا أن يكون بمثابة تعويذة تقيهم شر مصيرالرفاق في العراق فقط. وإلا فإن الرفاق ايديولوجيي الشعارات قد فقدوا أعصابهم وتوازنهم إلى درجة السقوط - نتمنى أن يكون سهوا - بالتجديف والهرطقة...!، هذا من جهة النظام السوري. أما من جهة اسرائيل، فقد أصبحنا رهائن ارادتها في اطلاق سراح مجتمعنا وتحرره الوطني ومن ثم السياسي والإجتماعي، الذي لا ترغب به أيضا وإلى الأبد. وهكذا فإن طرفي (البقاء) فتكوا بزهرة أعمارنا نحن الجيل الذي عاش كل شبابه مرحلة حرب مواقع أبدية (البقاءين): البقاء الاسرائيلي على صدر جسدنا الوطني المتطلع إلى التحرر الوطني والسيادة القومية، والآخر (بقاء النظام ) على أرواحنا المتعطشة إلى الحرية والكرامة الاجتماعية والسياسية والثقافية والروحية والوجدانية والأخلاقية.

 

هذا التوافق القائم على توازن ( البقاءين ) أتاح للنظام أن ينقل كل قواه من الجبهة الخارجية إلى الجبهة الداخلية، ليشن أشرس معركة ضد المجتمع في ظروف الفتنة مع الأخوان في بداية الثمانينات، ليحقق النظام انتصارا هائلا –هو الوحيد- على المجتمع باسم المعركة مع الأخوان. لقد دَحَرَ المجتمع دحرا مبينا، وذلك عندما أرغمه ليس على الخروج من ساحة السياسة والعملية السياسية فحسب، بل أرغمه على اللجوء الى الأوكار: أوكار الخوف والصمت. ولا يزال المجتمع يخلد اليها هلعا بعد أن تمكنت قوى السلطة من الإرتفاع بدرجة الخوف من درجته الطبيعية إلى مستوى الخوف المرضي: (العصابي والرهابي) الذي يشل الجهاز العصبي للكيان المجتمعي!

 وكلما أطل هذا المجتمع برأسه –من خلال نخبه السياسية والثقافية- مطالبا بحقه في الحياة الانسانية – ككل البشر- وحقوقه السياسية في حرية التعبير والتفكير، كما فعلنا فيما سمي بـ "ربيع دمشق "، أعيد الى أوكاره مذموما مدحورا، من خلال إقتياد ناشطيه الى أوكار المخابرات والسجون، لتتفتح من جديد ثمار الكراهية والأحقاد والغضب المكموم والتوتر الذي كان أحد تعبيرات انفجاره الشعبي هو ما حدث في القامشلي.

 

 الميزان الحداثي للعقل الاسرائيلي أتاح له أن يكتشف الإهاب البياني والبلاغي للخطاب القومي وهو يتلفع بجلد يساري راديكالي منذ الستينات، وذلك عندما رد بن غوريون على مخاوف بعض الجهات الإسرائيلية من تياسر النظام السوري في منتصف الستينات، فقال: إن ما يجري مجرد راديكالية شكلية، تغلف نواة عسكرة وترييف وتطييف ( من: الطائفية ) للسلطة الطامحة للسيطرة والهيمنة الشاملة على غفلة من التاريخ. فهي راديكالية احتكار فئوي للسلطة وليست راديكالية مقاومة وتحرير.

 

ولقد استمرأت نخب السلطة العليا لعبة (تبادل البقاء) منذ 1973 حتى اليوم حسب باتريك سيل، الذي يرى أن السلطة منذ اتفاقات الهدنة ما بعد حرب 1973 تحولت باتجاه "الإثراء" وقطعت نهائيا مع فكرة الحرب وتحرير الأرض. وتأسيسا على هذا التوجه، كان قبول الولايات المتحدة واسرائيل دخول القوات السورية إلى لبنان الذي كان من شأنه أن يؤمن مصدرا جديدا هائلا للإثراء والذي –بدوره- سيتخذ شكلا مافيويا في المآلات التي نعيشها وندفع اليوم ضريبة استحقاقاتها وفواتيرها، حيث استحقاقات التاريخ كثيرا ما تلتقي مع حسابات البيدر وليس مع حسابات الرغبات!

 

ولذا فالكل اليوم أمام هذه التحولات التاريخية الكبرى مرغم على التقدم لعرض فواتيره، فواتير ما أنجزه وفعله وعمله على كافة المستويات والحيزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأخيرا بل  وأولا العسكرية، وذلك عندما يكون للصراع محتواه الاقليمي  والسيادي على الأرض.

 

اللعبة التي استمرأتها قوى التطلع للبقاء الى الأبد، لم تعد مجدية، لأن شروط اللعبة تغيرت، بالتغير الهائل لموازين القوى، حيث الطرف الإسرائيلي لم يعد معنيا برأي الآخر الذي هو نحن السوريين في موضوع بقائه في الأراضي المحتلة أو جلائه عنها، لأنه يعرف ميزان قوانا التي لا ترمش عين لبقائه، ويعرف مدى ضعفنا وهلهلة أوضاعنا وهواننا على العالم والناس، دون أن يقول له بوش ذلك. فهو في وضع يسمح له بأن لا يرفض الحوار فحسب بل وأن يفرض شروطه دون أن يطالبه بوش بعدم المفاوضات وتأجيل دورنا في الإستسلام. وذلك تحسبا أمريكيا من أن تشتغل اسرائيل لحسابها بغض النظر عن الإستراتيجية الأمريكية، وذلك بأن تستفيد من هذه اللحظة لتهتبلها مناسبة لفرض شروط جديدة تتناسب مع حجم الأخطار التي تتهدد "هم البقاء" للنظام.

 

  فالطرف الإسرائيلي إذن لم يعد مسموحا له -أمريكيا- حتى بقبول تنازلات الآخر-النظام السوري- من أجل الحفاظ على" البقاء". وذلك لأن الولايات المتحدة لم تعد راغبة ليس بشروط اللعبة فحسب، بل باللاعبين أنفسهم و"بقائهم"، أي أنها لم تعد معنية بقبول تنازلات النظام السوري، لأنها لم تعد قابلة بالنظام بكليته، وذلك بعد أن سحبت من هذا النظام الأوراق الإقليمية( اللبنانية – الفلسطينية ) بسهولة، بالسهولة ذاتها التي كان النظام السوري يمارس فيها الوصاية بل والإلغاء للذات اللبنانية والفلسطينية، ناهيك بالذات المجتمعية السورية التي سحقها سحقا شموليا مرعبا. لقد تم سحب هذه الأوراق الإقليمية التي كان يلعب بها النظام لاكتساب شرعية خارجية قائمة على ادارة الأزمات على حساب أية شرعية شعبية أو دستورية. إذ كان النظام يوظف هذه الأوراق لاستثمارها السياسي والإعلامي والتعبوي على مستوى الجبهة الداخلية، التي لم يكن ليفكر بأهميتها في معادلة (البقاء) بعد أن أخرج المجتمع من السياسة، وحوّله إلى قاع صفصف تعيش على أنقاض خرائبه الغربان والثعابين والزواحف، حيث تغدو كلمة الإصلاح مقشعرة البدن أمام هول هذه الخرائب وما يعتمرها من هوام.

 

فكما سقطت أوراق اللعب الإقليمي، فلقد سقطت لعبة توظيفها الإيديولوجي والإعلامي داخليا وعربيا ودوليا، بعد أن توج ذلك - بشطارة نادرة- بطرد فرنسا من ساحة سياساته الخارجية، وذلك بعد أن تحكم عمى المصالح المافيوزية بطاقم (الشبيحة / الأشباح) إذ يستشعرون أن ثمة خطراً يهدد كنوزهم اللبنانية.

 

رغم ذلك، ومع ذلك: فإن ثمة وعيا سياسيا جديدا يتكون بعد انكشاف الغطاء عن مزاعم ايديولوجيا عنتريات عروبة (الطبلة، والربابة) في فضيحة 9 / نيسان، على أسوار بغداد (قلعة الأسود) التي حولتها طبلة البعث وربابته إلى بيداء.

 

عنوان هذا الوعي الجديد بأن لا وطن ولا وطنية ولا سيادة ولا أرض ولا عرض ولا شرف ولا كرامة ولا عرب ولا عروبة، بدون ولاية الأمة على نفسها وكرامتها وشرفها وعرضها، بدءا بالإعتراف بهذه الحقوق للفرد ككائن عاقل مالك لزمام نفسه وصولا للأمة، للمجتمع، للشعب بوصفه كيانا عاقلا قادرا على الوصاية والولاية على نفسه بدون وصاية الزعيم الواحد والحزب الواحد، والإيديولوجيا الواحدة... الخ

 

 لكن هل كنا بحاجة الى كل هذه الكوارث، لنتعلم هذا الدرس الجديد القديم: أن ليس ثمة وطنية بدون مواطنة، وأن لا مواطنة بدون وطن دولة القانون والحقوق، وأن لا دولة قانون ودستور وحقوق، بدون ديموقراطية تطلق كل قوى المجتمع الغافية والمهمشة والمهشمة والمبعدة والمذلة المهانة المسكونة برعب عصابي يشل جهازها العصبي عن أي فعل مقاوم بما فيه الدفاع عن الذات التي سحقها النظام الشمولي إلى مستوى أن تكون دودة! هل كنا بحاجة إلى كل هذه الأهوال والكوارث لندرك أن الإصلاح والتغيير الديموقراطي هو المدخل الوحيد ليس لاستعادة الحريات السياسية فحسب، بل ولاستعادة الوطن والوطنية...!؟