نقد نقد العقل العربي

د. عبد الرزاق عيد

 

ثمة إنجازات فكرية كبرى يظلمها ضخامة انجازها، مما يخلف أثرا مهيبا لدى قارئها من مقاربتها لقلق مشروع من عجز أية مقاربة على مطاولة ضخامة البنيان، ومن ثم الخشية من الإساءة إليه اختزالا في مقال عابر، كما حدث أو يمكن أن يحدث مع مشروع فكري بدأه المفكر السوري (جورج طرابيشي) وهو في ذروة نضجه الفكري والمعرفي وهو منذ عقد ونصف، وذلك في موسوعته "نقد نقد العقل العربي" في محاورة المشروع الفكري الموسوعي لمحمد عابد الجابري الذي بدأه منذ الثمانينات تحت عنوان "نقد العقل العربي".

 

ونحن لا نرى أنفسنا مغالين عندما نطلق على مشروعي الجابري/ طرابيشي صفة الموسوعية، بل ولسنا مغالين إذا ذهبنا إلى القول: إن دارسي تاريخ الفكر العربي الحديث، سيخلصون إلى أن القرن العشرين وَسَمَته ثلاث موسوعات فكرية تتناول التراث الفكري العربي الإسلامي، متمثلة: أولا بموسوعة أحمد أمين الشهيرة عن (فجر وضحى وظهر الإسلام) في أواسط النصف الأول من القرن العشرين، وبموسوعتي محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي في العقدين الاخيرين من القرن العشرين، ومستهل القرن الواحد والعشرين. إذ أن طرابيشي بدأ مشروعه النقدي لمشروع الجابري قبل الشروع في موسوعته، وذلك منذ سنة 1993 عندما أصدر كتابه "مذبحة التراث في الثقافة العربية".

 

لقد توَجه اليوم بصدور الجزء الرابع "العقل المستقيل في الإسلام" ليحاور السؤال المركزي الذي يخترق مشروع الجابري، وهو سؤال عوامل استقالة العقل العربي: هل هي عوامل خارجية، يمكن تعليقها على مشجب الآخر، أم هي عوامل داخلية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية الإقالة المأساوية لنفسه بنفسه؟!

 

وهو يرد بذلك على ما يعتبره الجابري غزوا خارجيا تمثل باللامعقول الهرمسي والغنوصي، وتصوف وتأويل باطني وفلسفة إشراقية وسائر تيارات الموروث القديم، وهو(طرابيشي) في طريقه لتفكيك أطروحة الجابري، فإنه كان قد غاص في تاريخ فلسفات وأفكار الموروث القديم هذا  لفترة تستغرق خمسة عشر عاما قام خلالها في إعادة بناء ثقافته الفلسفية على حد تعبيره، وهو إذ كان يعيد بناء عمارته  فإنه كان يعمل على تقويض عمارة الجابري، ليستجلي صدقية هذا الغزو وحقيقته وشكله ومواقع اندفاعاته، وهو في ذلك يطوف بنا في مجاهل ثرة ومدهشة من عوالم فلسفات وأفكار الموروث القديم، يساعده على ذلك عمر من النشاط الكثيف في مجال الترجمة الذي لا يدانيه مترجم عربي في عصرنا، إذ تجاوزت ترجمات الصديق (جورج طرابيشي) المئة من الأمهات، وانصراف مديد (15 سنة) لمصاولة المشروع المختلف (نقد العقل العربي) عبر التعرف على كل مصادره ومراجعه وقراءاته (التراث اليوناني- التراث الأوروبي الفلسفي- التراث العربي الإسلامي- ليس الفلسفي فحسب، بل والكلامي والفقهي واللغوي والبياني. ولعل ما لا يقبل التأجيل في معاورة موسوعة طرابيشي الكبرى، هو اكتشافه لكتاب في الموروث القديم "الفلاحة النبطية" يعود تاريخ تأليفه إلى القرن الثاني بعد الميلاد، وذلك في الجزء الأخير من سلسلته النقدية "العقل المستقيل في الإسلام". إذ أن هذا الكتاب: "الفلاحة النبطية" اللقيا يتوفر على نسيج من المفاهيم و شبكة من الأفكار تدعو للدهشة، في مدى انطوائها على نظرات وخطرات وتفسيرات وتأويلات تتحلى بدرجة عالية من الراهنية بل والمعاصرة ما يجعلها طليعية حتى في زماننا، حتى نكاد أن لا نصدق أن مصفوفة ثقافية مقمشة من هذا النسيج القديم يمكن أن تنتج منذ تسعة عشر قرنا. ولو أن اكتشاف الأستاذ طرابيشي لهذا الأثر وقع في يد باحث أوروبي لاكتسب هذا الكتاب أهمية عالمية بقوة المركز الأوروبي الإعلامي، ولو ان هذا الكتاب أتيح لماركس أن يطلع عليه في حينه لترك أثرا على هيكلية بنائه لقارته التاريخانية...!

 

وعلى هذا فقد وجدت أن أعود إلى مشروع جورج طرابيشي منذ بداياته الاولى، لأعرضه وأحاوره في حدود المتاح من الكلام في جريدة أو مجلة، قبل تناول "العقل المستقيل في الإسلام" الجزء (الرابع) الأخير، وذلك بتناول الأجزاء الأربعة، لنخص كل جزء بحلقة دراسية موجزة تعطي لهذا السفر بعضا من حقه على الفكر العربي المعاصر الكسول بل والمذهول وهو يعيش –اليوم- لحظة الانتقال من التنوير إلى التكفير، مما يبدو أن مشروعي الجابري وطرابيشي وكأنهما يأتيان خارج السياق، سياق زمن ثقافي وفكري ينوس بين (القرضاوي والزرقاوي).

 

يحاور طرابيشي في كتابه: الجزء الأول  "نظرية العقل" مشروع الجابري في خمسة عناوين، لا يسميها أقساما أو فصولا، بل هي إشكالات أغلقها الجابري بإجاباته، فأراد طرابيشي أن يفتحها من جديد بأسئلته. فبدأ بمناقشة التاصيل النظري الذي يضعه الجابري للعقل، وذلك لأن جزءا من الشهرة التي حازتها كتابات الجابري، في جزء منها تعود إلى توظيفه مفهوم العقل كما هو كذلك "نظرية العقل". - دار الساقي- ط2- 1999 – ص 11

 

وهنا يشير الباحث إلى أن استخدام مصطلح "العقل" سبق ان استخدمه زكي نجيب محمود 1977، وأحمد موسى سالم الذي رد بكتاب على زكي نجيب محمود سنة 1980، ويربط سبب صعود نجم الجابري –من منظور علم اجتماع المعرفة- إلى أنه أعاد الاعتبار لمفهوم (العقل والعقلانية) بعد هيمنة الإيديولوجيا (الوعي غير الواعي) بعد هزيمة 1967، وعلى مستوى منظور علم النفس بظاهرة (العصاب الجماعي) الذي لحق بالانتليجنسيا العربية، بعد هزيمة حزيران، ونكوصها للبحث عن أب حام أو أم كلية القدرة –ص12.

 

وكان قد تقصى مظاهرها العصابية المرضية في كتاب صدر له سنة 1991- عن دار الريس تحت عنوان "المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي". لكن ما يميز الجابري عمن كتبوا من قبله عن العقل العربي حسب طرابيشي- هو قوة تأسيسه النظري، او الابستمولوجي... ودفعه إياه من مستوى اللفظ أو المعنى إلى مستوى المفهوم.

 

ونحن نجدها مناسبة للتنويه- حيث السياق لا يتيح التفصيل- إلى أننا أظهرنا أن طه حسين في كتابه "قادة الفكر" الصادر سنة 1925، قد ارتفع بملفوظ "العقل" من مستوى اللفظ والمعنى إلى مستوى المفهوم "بوصفه أداة للتفكير ونظاما مفاهيميا" وذلك في كتاب لنا عن طه حسين "العقل والدين" ص 78-84، وكنا قد قمنا بمقارنة بين المفهوم التاريخاني للـ"العقل" عند طه حسين، والمفهوم النسقي عند الجابري، وذلك في كتاب لنا عن أزمة التنوير ص92-117.

 

ويخلص طرابيشي إلى أن استعارة الجابري لهذا المفهوم من تمييز لالاند للعقل المكوِّن والعقل المكوَّن، ضمن للفيلسوف الفرنسي الذي أصدر كتابه "العقل والمعايير" سنة 1948 شهرة عربية متأخرة، لكنه مع ذلك يشكك بدرجة استناد الجابري إلى لالاند. إذ يرى أن الجابري استند إلى معجم الفلسفة لفوكييه للتعرف على لالاند، وذلك من خلال المقارنة بين نص الجابري ونص لالاند، ليخلص إلى أن الجابري لم يتعرف إلى نظرية لالاند في مصدرها الأصلي، أي كتاب "العقل والمعايير". وإذا كان الجابري وفق طرابيشي لم يقرأ النص الأصلي للالاند، فمن باب أولى فإن أي نقد يقوم به الجابري تجاه أفكار لالاند، "لن يثبت بنقده لها سوى المزيد من الجهل بها" ص15.

 

وهو في صدد مناقشة إحالات الجابري إلى كتاب الفكر الوحشي لكلود ليفي شتراوس فإنه يسعى للبرهنة على أن الجابري لم يقرأ شتراوس أيضا، بل اعتمد إلى مصادر ثانية "معجم كوفييه" وعلى هذا فإن (جهل وسذاجة مناقشة الجابري) ليست مقصودة بهدف الإساءة للجابري –وإن كان لا يصعب نفيها- بل هي تفسر وتعلل أهم ما يريد طرابيشي ان يخلص له في أهم ما خلص له الجابري عند صياغة إشكاليته للعقل في "قسمته لا في وحدته" وذلك عندما (تجاهل) الوظيفة التوحيدية للعقل المكوَّن... فقد قاده ذلك لبناء تحليله للعقل العربي على تشطير هذا العقل تشطيرا ثلاثيا وقطعيا إلى عقل بياني وعرفاني وبرهاني، وبدلا من أن يرد تجليات هذا العقل في مجالات الفقه وعلم الكلام والتصوف والفلسفة إلى البنية العضوية الواحدة التي تصدر عنها... فأدى التشطير إلى إنزال العقل منزلة الجوهر الفرد القائم بذاته والمنغلق على نفسه... ومن ثم قيام حرب مواقع وخنادق بين هذه العقول بل وحتى "تحالفات" قد يعقدها العقل البياني مع العقل العرفاني (الغزالي) أو العقل العرفاني مع العقل البرهاني (ابن سينا) وهذه التحالفات... ليست سوى "اختراقات" تتيح للموروث القديم اللاعقلاني (العرفان = الغنوصية = الهرمسية= الأفلاطونية المحدثة الشرقية) أن تستعيد "المواقع" التي خسرتها بظهور الإسلام ومن ثم انتصار "المعقول الديني".

 

كل ذلك فوَّت على الجابري –حسب طرابيشي- فرصة قراءة "وحدوية" وجدلية معا للعقل الإسلامي، وذلك عندما لم ينتبه إلى الوظيفة النقدية للعقل المكِّون بوصفه عقل "استحداث أزمات" على حد تعبير باشلار، أي بوصفه "حركية موجهة" نحو التقدم، لتجاوز العقل المكوَّن الذي ينبغي أن ينتفض ضد ذاته بوصفه "مطلقا". وإذا كان الجابري في الجزء الأول "تكوين العقل العربي" أخذ "حركية العقل" بعين الاعتبار، لكنه في "بنية العقل العربي" ينتقل من مفهوم نقدي تكويني صيروري إلى مشروع نقد بنيوي ماهوي للعقل العربي.

 

وتأسيسا على ذلك يعترض طرابيشي على تحقيب الجابري للزمن الميت، زمن العقل المكوَّن، إذ يدرج "لحظة الغزالي" في الزمن الميت، بوصفها جزءا من "عصر الانحطاط"، ومن ثم تمديد هذه الحقبة (الإنحطاط) حتى اليوم، مما يترتب على ذلك شطب "عصر النهضة" في "العصر الحديث".  وإذا كان من المفهوم مبررات اعتراض طرابيشي على شطب عصر النهضة، انطلاقا من استشعار راهني لأهمية تضييع الفكر العربي المعاصر لمنجزات الزمن النهضوي، ومن ثم الدعوة إلى ضرورة استئنافه من جديد، في مواجهة الدعوة –ذات النكهة السلفية- التي يدعو لها الجابري، وهي حاجتنا إلى عصر تدوين جديد كما يدعو الجابري، نقول: إذا كان من المفهوم استيعاب حاجة المفكر النهضوي طرابيشي لاستئناف زمن النهضة الحديث، لكنا لم نفهم ما هي حاجة العقل المكوِّن للمثقف النهضوي، لتمديد حقبة العصر الذهبي حتى القرن السابع الهجري ليضم الغزالي إلى هذه العصور؟ والسؤال هنا يدور حول الوظيفة الايديولوجية للتحليل الابستمولوجي. لأنه من الصعب الاطمئنان لتحقيب طرابيشي الذي يريد إدراج الغزالي في زمن العصر الذهبي، ما دام الغزالي نفسه يعلن انسحابه من العالم، من خلال إعلانه الصريح عن عدم حاجة الأمة للعلوم الطبيعية بوصفها علوم دنيا، والدعوة إلى علوم الباطن، علوم المكاشفة بوصفها فرض عين لاقتناص مستقبل الآخرة، هذا رغم أنا لا ننظر بازدراء علموي لانعطافة الغزالي باتجاه التصوف على حساب انصرافه عن الفقه حسب تأنيب ابن القيم، مما كان يؤذن بممكن ثورة دينية أخلاقية!؟

وعلى هذا فقد كان تحليل الجابري للعقل على أساس تشطيره وتجزئته، لا على أساس بناء وحدته، مما أفضى لأن يتأتى تعاطيه مع العقل من موقع سجالي، لا من موقع نقدي، مما قاد إلى نوع من المقارنة -بين العقول الثلاثة- التفاضلية لا التكافؤية، إذ تبدت هذه العلاقة عن حرب أهلية دائمة، يتخذ لنفسه منها موقفا كطرف دون طرف آخر، فقد انتصر ابستمولوجيا للعقل البرهاني على العقل البياني، بقدر ما انتصر للعقل البياني على العقل العرفاني، وانتصر إيديولوجيا للعقل "السني" على العقل "الشيعي" وانتصر جغرافيا لعقل المغرب على عقل –او بالأحرى- "لا عقل" المشرق...!

 

وتحت العنوان الثاني يقدم طرابيشي بحثا مطولا حول: التوظيف المركزي الاثني لنظرية الحضارات الثلاث اليونانية والعربية والأوروبية الحديثة التي وحدها أنتجت ليس فقط العلم، بل أيضا نظريات في العلم، وأنها وحدها التي مارست ليس فقط "التفكير بالعقل" بل أيضا "التفكير في العقل".

فيبدأ تفنيده بالنعي على الجابري أن أطروحته هذه هي من مشاع القول في تاريخ الفلسفة السائد، بل يذهب أبعد من ذلك في "الاتهام" بانه أخذ هذا التعريف عن كتاب صادر بالفرنسية سنة 1978 لمحمود قاسم- عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة- عن "نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها لدى توما الأكوييني " وعن مصدر ثاني هو كتاب هيغل الرائج "دروس في تاريخ الفلسفة",

 

ويمضي عبر أكثر من من مئة صفحة ليفند هذه الاطروحة، من خلال إطلالة موسوعية على تاريخ الفلسفة ليبرهن على أن للهند تاريخا عظيما في الفلسفة والمنطق لا يقل أهمية عن تاريخ الفلسفة اليونانية، وعلى أن الجابري متاثر بنظرية المركز الاثني الاوروبي في القرن 19، وذلك عندما يحكم بالإعدام على الفي سنة من تاريخ الفلسفة و المنطلق في الهند، وتراثا متراكما في "التفكير بالعقل" وأن عدم تحول العقل الهندي إلى عقل "كوني" يعود لأسباب تاريخية لا لأسباب ابستمولوجية، وذلك بسبب انتماء الحداثة الأوربية للجذر اليوناني، وبالتالي فإن أوروبا هي التي صنعت "المعجزة اليونانية".. !

 

وبالتوسع ذاته يقوم بتناول تطور مقهوم العقل في الحداثة الأوربية ليمتد حجم البحث على مدى ما يقارب 100 صفحة، مفندا مفهوم العقلانية - لدى الجابري – القائم على التطابق بين نظام الفكر ونظام الطبيعة، باعتباره مفهوما متقادما، نسفته النظرية النسبية لإنشتين 1905 ومبدأ اللاحتمية التي قال به هايزنبرغ عام 1928.

 

لكن الاندفاع العلمي والبحثي الخصب والإخلاص المعرفي لروح البحث من قبل الصديق طرابيشي، كان يؤجج حماسه العاطفي تجاه إشكاليته، مما كان ينسيه – في بعض الأحايين – أنه تجاه مشروع فكري ضخم مميز على مستوى قرن العرب العشرين كما قدمنا، ولو لم يكن كذلك لما تجشم الصديق (طرابيشي) وجشمنا معه كل هذا الجهد العظيم في مقاربته ومعاورته ومصاولته. فإذا كان الأمر كذلك –وهو كذلك- فإنه لا يستقيم معه اتهام صاحبه (الجابري) – أكثر من مرة – بالسذاجة والجهل بل والرثاثة كما في ص (240). ولنا عودة..