البيان الأممي ضد الارهاب وتعاويذ الفقه الأمني في سوريا

د.عبد الرزاق عيد

 

لقد تمكنت تعاويذ الفقه الأمني في سوريا أن تنتج خطا معتقديا يتفشى متلبسا كل مفاصل الجسد السوري، في شكل من أشكال الحلولية السحرية، مثلما تتلبس الكائنات الخفية (الجن) جسد المنفوث، وذلك من خلال عملية اطباق على جسد المجتمع لتطرد منها الحياة الإجتماعية والثقافية – وتعبيرها المكثف، السياسة– لتحل في كل الخلايا والجينات وتملأ بروحها الشريرة كل الفجوات والفراغات، حتى بات الخطاب الإعلامي والثقافي والسياسي السوري -سلطة ومعارضة– لا يستطيع أن يخلف فراغا في حيزات سوريا جغرافيا أو اداريا أو تعليميا أو ثقافيا إلا وتسكنه هذه الأرواح الشريره، مما أفضى عن بديهة جل نظرها في التاريخ وهي أن سوريا تعريفا لا تعدو أن تكون هي سلطتها، والسلطة السورية ليست لها تعريفا سوى أنها سوريا المجتمع في نوع من الوحدة الحلولية التي يغدو فيه الطرفان متماهيين حد أن كلا منهما غدا متعذر التمييز بدون استحضار الآخر. ولا يمكنك أن تستبين على ملامح سورية، فهما أو تعريفا لها دون أن تسلك درب العرفان الغنوصي للوصول الى حالة هذه الوثنية السلطوية التي تشيع رعبا وقشعريرة في كل أنحاء الجسد. ومن هنا استطاع الخطاب الايديولوجي للسلطة أو لسوريا لا فرق، أن يعتبر كل نقد للسلطة وسياساتها هو كفر بالوطن، وخروج على الثوابت التي هي ليست إلا ركائز ومداميك النظام الشمولي ذاته.

 

 فمنذ أن كتبنا مقالنا التضامني مع أصدقائنا العشرة الفضلاء ضحايا ربيع دمشق الموؤد منذ أكثر من ثلاث سنوات تحت عنوان "وداعا عارف دليلة"، والأحكام غير الشرعية الصادرة عن محكمة (غير شرعية: محكمة أمن الدولة) التي هي ثمرة لا شرعية حالة الطوارئ والأحكام العرفية المعلنة منذ أربعين سنة في سوريا

نقول: منذ تلك اللحظة انفتحت أبواب جهنم لتنطلق الأرواح الشريرة، تطاردنا بالخيانة الوطنية وتطالب أن نحال إلى المحاكمة، طبعا محاكمة (أمن الدولة)، وذلك باسم الشعب، أي (مجلس الشعب) من خلال (ضابط دركي بعثي صدامي)، وهذا ما تبقى للشعب السوري من ميراثه المدني والديموقراطي، ونضالاته الوطنية والديموقراطية خلال القرن العشرين، لينطق باسمه هذا (الدركي البرلماني)!

لكن هذه المحاكمة (الطوارئية العُرفية) التي دعا لها (الدركي) خُفّفت إلى مستوى محكمة عسكرية، وهي أيضا تستند الى شرعية الأحكام العرفية. وقد نتج عنها حكم بالبراءة على المقالات موضوع الإدعاء لأنها مشمولة بعفو عام شملنا مع مهربي الدخان وأصحاب السوابق، وذلك لكي يوصلوا لنا تهديدا بأننا كنا سنحكم لولا العفو العام الذي شملنا مع أصحاب السوابق !

 

المحطة الثانية، هي مقالنا في النهار "هل كان سقوط البعث خسارة؟" الذي استثارهم فيه –على الأغلب- ثناءنا على الشجاعة العقلية للمناضل الكبير رياض الترك، الذي انطلق من حصانة تاريخ مشرف فكريا وسياسيا وتضحيات لا يدانيه فيها أحد (20 سنة سجنا)، وذلك عندما حاول أن يخرج على البداهات (القطعية/القطيعية) التي تقف إلى جانب الطاغية (صدام حسين) حتى بعد سقوطه المزري والمخجل، وذلك عندما اعتبر الترك أن سقوط النظام العراقي أعاد العراق إلى نقطة الصفر، وفتح الآفاق نحو ممكنات تطور ديموقراطي،  إذ ربما لم تعد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة العولمة الجديدة تتطابق مع دعم الأنظمة الديكتاتورية والاستبداد، وأنها - بسبب مصالحها – غدت بحاجة إلى استقرار استراتيجي لا يمكن أن تؤمنه سوى قيام أنظمة ديموقراطية. هذه القراءة للمُحتَمَل دون قطعيات مسبقة، تتطلب النزاهة –في هذا السياق-التنويه أن أول من تجرأ على هذه (الثوابت) حتى قبل الحرب هو الصديق جهاد الزين عندما كتب سلسلة مقالات أظهر خلالها أن ليس ثمة مشروع في المنطقة العربية سوى المشروع الأمريكي بغض النظر عن الرافضين له أو المرحبين به !

نقول: من حينها أطلقوا جحافل قواهم الخفية بأسماء معلنة تارة ومستعارة تارة أخرى. فإذا كانت معلنة فهي تغش بالصفة وهوية الانتساب الإقليمي، فتنشر جريدة (النهار) ردا لطبيب سوري، يقدم نفسه للجريدة بأنه عراقي، مما أدى بملحق القضايا أن ينشر مادة متواضعة بسبب توخيه -على الأرجح- أن يفتح حوارا بين الكتاب السوريين واللبنانيين من جهة والكتاب العراقيين. وكان ذلك هو دافعنا للرد أيضا، الذي عوتبنا عليه من قبل الكثيرين الذين كشفوا لنا هوية الكاتب بأنه سوري وليس عراقيا، وسيزامن ذلك مقال في السياسة الكويتية، وعدد من النشرات والمواقع (الإلكترونية ) تهددنا بأننا سنكون "كبش فداء" وأننا "كالفراشة التي تطير حول النار ولا تعرف لحظة سقوطها" وأن مصيرنا سيكون فاجعا. بل قامت القوى الخفية بتوظيف حتى بعض الأسماء المعروفة والمحسوبة على المعارضة بكتابة مقالات "مُكلّفة بشتيمتنا " في الوقت الذي تم فيه توظيف جريدة أحد فصائل الحزب الشيوعي (البكداشي) بكتابة مقالة من صفحة ونصف من الجريدة مع المراجع، وهي تدعو الكواكبي أن "يبصق" علينا كـ (ديمو- امبرياليين).

ثم تتابعت رسائل كثيرة بأسماء مستعارة توحي رمزيتها بالتهديد (رامي م) يعتبر أن السلطة أكرم منا عندما لم تحبسنا، لكن مع الأسف "إذا أنت أكرمت اللئيم تمردا".

 

والمحطة الثالثة هي توقيعنا على البيان الأممي ضد الإرهاب حيث الجُموح المحموم للتخوين يفقد منظمي الحملة رُشدَهُم، فليجأون إلى الكذب والتضليل والغش الطائش الذي يكشف منذ اللحظة الأولى أنهم موكلون فيدفعون كَتَبَتَهُم إلى الكذب دون خجل، إذ يلخص الطبيب (السوري/العراقي) المشار اليه سالفا، مضمون البيان وفكرته بأنها: " تدعو إلى محاكمة كل من يصرح بعدائه للولايات المتحدة الأمريكية... الخ).

وتقوم صحيفتان اسبوعيتان إحداهما  تدعى "المدار" وأخرى تدعى "المحرر" –محسوبتان على القوى الخفية– بحملة الافتراءات. إذ تقوم الأولى (المدار) بكتابة مقالة تحت عنوان: (فضيحة: ليبراليون سوريون في خطوة عار جديدة). فهي بعد أن تعدد أسماء الموقعين السوريين على البيان، وبعد أن توضح لهم (الحقائق: عن الإرهاب الإسرائيلي والأمريكي)، تخاطبنا "إذا كنتم تسعون علنا أو سرا لتطبيق التجربة العراقية في سوريا وتحويل سوريا إلى بلد محتل...". وفي سياق آخر يقوم أحد المكلفين الطائفيين ليكشف عن نوايانا ويسبر طوايانا، بطائفية مقززة، لم تعد قادرة على البقاء مضمرة في ساحة الباطن، بأننا نريد أن يكون في سوريا (تَسَنُُّن سوري علماني) بالتوازي والتناظر (مع التشيع العراقي العلماني)، اختيارا لطريق المقاومة السلمي على حساب (الجهاد البعثي /الوهابي) في الفلوجة...

وأخيرا، فإن التجديد الإعلامي، والتخلص من الصرامة البيروقراطية ( لشيوخ القيادة القطرية وفقهاء ظلام القوى الخفية ). تمثل في أن جريدة "تشرين" سمحت لأول مرة بأن ينزل اسمنا في الصحافة السورية بعد زمن غابر، لكن عبر شتائم وإدانات من صاحب الوجه المستعار –د.فايز العمر- الذي كان قد هددنا –في السياسة الكويتية_ بمصير (كبش فداء)،  ليعود في جريدة "تشرين" (27 / 11/ 2004) الرسمية لشتيمتنا، وهكذا تفاءلنا بالانفتاح الإعلامي حتى ولو شتمنا!؟

 

بل يتم تكليف أحد من استدرجوهم أمنيا من قادة صفوف المعارضة الناصرية، ليقوموا برفع عرائض إدانة واستنكار لتوقيعنا على البيان (الفضيحة/ العار) لتهييئنا أن نكون "كبش فداء"، كما تخاطبنا أسبوعية المدار: "أنكم يا سادة عار على سوريا ووطنية سوريا وشعب سوريا، والمناسب اليوم هو أن تتبرأ سورية شعبا وحكومة وأحزابا وقوى وطنية منكم ومن فعلتكم الأمريكية".

 لن نعرض الكثير من الرسائل الالكترونية، المرسلة بأسماء مستعارة تفيض بالبذاءة والسفاهة.

ما هو هذا البيان موضع الشتم والتجريم والتخوين؟

 

سبق لي منذ عدة شهور، وفي سياق حوار على الهاتف مع الصديق المفكر الليبي محمد عبد المطلب الهوني أن تطرقنا إلى ما تناقلته الصحف عن تصريح للشيخ القرضاوي، الذي يعلن فيه أن كل مآسينا الحالية "تعود إلى تهاوننا في تطبيق حد الردة على العلمانيين منذ أفغانستان"، ويبدو أن السيد القرضاوي لم يشف غليله المذابح التي أقامها تلاميذه جند الله (الطالبان) في أفغانستان من ذبح حتى المعلمين والمعلمات لأنهم يعملون في مدارس العلمانيين، والذين توجوا انجازاتهم بشنق رئيسهم (نجيب الله ).

فتبادلنا الرأي، ونحن نفكر بهذه المخيلة الدموية الكابوسية المرعبة لفقيه الأمة الإسلامية المعاصر القرضاوي على حد وصف أمين هويدي له، عندما قدرنا كم سيكون عدد ضحايا فتوى فقيهنا، إذا انطلقنا من افتراض أن كل من ينتمي إلى التيار( القومي والاشتراكي والليبرالي) هو علماني بالضرورة، فسيكون -على الأقل- نصف الأمة العربية والإسلامية مطلوبا للذبح. وإذا وسعنا مفهوم العلمانية، بأنه كل من يرفض فكرة الدولة الدينية، أو بالتعبير الإفرنجي الصريح على لسان أبي الأعلى المودودي (نريد دولة ثيوقراطية)، فإنه سيكون في عداد العلمانيين كل ( جاهلية القرن الواحد والعشرين) الذين يقبلون بالقوانين والتشريعات الوضعية للدولة المدنية التي هي اعتداء على حق الله وحاكميته على حد رأي السيد قطب.

إذا كان الإسلام يشكل العنصر الرئيسي القار في بنية الوعي الاجتماعي الشعبي العربي، لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن هذا الوعي يتطلع إلى إقامة (دولة دينية) كما يتشوق دعاة  الإسلام السياسي. ولعل البرهان الساطع على ذلك يتبدى في أول مواجهة للاخوان مع عبد الناصر، فقد هزمهم استنادا الى الوعي الشعبي الجمعي الذي يتغذى ثقافيا ومخياليا من الموروث التراثي ذاته الذي يجيشه عادة الإسلاميون. وعلى كل حال فإن الأخوان أنفسهم راحوا يدركون ذلك، إذ تخلى أغلبهم عن شعار الدولة الدينية، ويسيرون بمنحى حزب التقدم والعدالة التركي على أن العقد الاجتماعي المدني العلماني الديموقراطي هو المعنى المعادل للدولة تعريفا الذي في مساسه تفقد الدولة الحديثة صفتها كدولة. حتى أن الأخوان المسلمين السوريين الذين خاضوا أشرس معركة مع النظام في بداية ثمانينات القرن الماضي تخلوا عن مفهوم (الدولة الدينية) وهذا إقرار غير معلن بقبول العلمانية بوصفها عنصرا بنيويا في تكوين مفهوم الدولة الحديثة.

 

لماذا نتوقف عند هذه النقطة ؟ لنخلص ببساطة إلى أن الدعوة إلى تنفيذ حكم الردة ( القتل ) بالعلمانيين أصبح يمثل عقلا خوارجيا، يضع القرضاوي مع ابن لادن كما يقترح د. الهوني، وليس مع الحركات الأخوانية التي بدأت تتعاطى السياسة كفعل مدني، يستند إلى موازين قوى الأرض وليس السماء، أي أن الرؤية السياسية غدت تتأسس على الكوجيتو الديكارتي لا على حضور الله ذاته في معمعان الصراعات الأرضية وأهوائها وتبدلاتها ونسبية معاييرها.

وعلى هذا فإن فتوى القرضاوي بتنفيذ حكم المرتد بـ (العلمانيين)، تعني أنها تشمل غالبية الأمة التي لا تتفق معه على مبدأ (الدولة الدينية) وذلك إذا وسعنا تعريف العلمانية بأنها خيار للدولة المدنية التي تستند في مرجعيتها التشريعية إلى الأرض على عكس الدولة الدينية، التي تستند في مرجعيتها التشريعية الى حاكمية السماء.

 

هذا ما كنت أطمح له في حواري مع الصديق د. الهوني، متمنيا عليه بسبب حضوره الفاعل في أوربا أن نصدر بيانا نستنكر على القرضاوي (خَرَفَهُ الوهابي) الذي يقوده الى هلوسات دون كيشوتية تدفعه للتفكير بإعادة فتح تونس، بل والمرجح أنه تجاه فتاويه (الجينكزخانية) هذه متوثب إلى "إعادة فتح العالم الإسلامي" ليثخن برقاب العباد حتى تكون كلمة الله هي العليا، مستعيدا (ذهانيا) دور النبي، غارقا في خيالاته ولذاذات استحضار مثالات دور النبي بعد أن ضخمت الفضائيات ذاته الدون كيشوتية، لكن بدون عنصر النبالة المأساوي في دون كيشوت الأول.

 

 هذا ما كنت أريد من البيان، وعلى هذا وقعت على البيان رغم قناعتي أن الأصدقاء الذين صاغوه أفرطوا في جموحاتهم الليبرالية، ونزوعاتهم في كوننة الوعي السياسي العربي والارتقاء به إلى مستوى التحديات الحضارية العليا، وذلك عندما توجهوا بالشكوى الى الأمم المتحدة التي طالما لوعت العربان بعدم تحقيق أمانيهم المشروعة وحقوقهم العادلة، وذلك لأنهم – ربما باستثناء الفلسطيينين الذين دفعوا الكلفة باهظة – يظنون أن الأمم المتحدة جمعية (خيرية للبر والإحسان والدفاع عن الضعفاء وأبناء السبيل)، لم يستطيعوا أن يستوعبوا يوما أن الأمم المتحدة ليست إلا مؤسسة دولية تمثل موازين قوى الدول التي تشكلها. فهي مؤسسة تعبر عن توازن المصالح الدولية، وقوة الأصوات فيها ليس للحقوق التاريخية والتراثية بل للحقوق المادية المنجزة والمتحققة على الأرض. فالحق والحقيقة في مفهوم الحداثة هو الصيرورة. البشر هم الذين ينتجون حقائقهم وحقوقهم يوميا على الأرض في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتقنية ومن ثم بالسلاح، أما الحق المطلق، الثابت، المجرد، فقد ظل قابعا في العصور الوسطى، ونستطيع أن نطالب به يوم القيامة عندما نقف بين يدي الله ( الحق المطلق ) الذي لا تضيع عنده الحقوق.

 

نقول ذلك وعينُنا على الردود التي انهالت على البيان، والشتائم ( الثورية) بالعمالة والخيانة. ذلك هو الخاص السوري المؤسس خطابه القومي على المبدأ الأصولي الشهير ( البراءة من الكافرين)، وفي صياغة الخطاب البعثي ( البراءة من المخالفين )، إذ تدعو هذه الكتابات إلى ( تبرؤ سورية شعبا وحكومة وأحزابا... وحجارة، وأشجار وطيرا... ) من الخائنين.... أين الخيانة ؟

 ليس بين كل الردود من يختلف مع نص البيان وحيثياته وأمثلته، فالإدانة إذن موجهة ليس لما يقول النص، بل لما ينبغي أن يقوله، ولمن يتوجه إليه.

 فكل الذين هاجموا أو أدانوا أو خوّنوا البيان، لم يتعرضوا إلى فحوى الفتاوى التي ساقها البيان، فهم إذن يقرون بمشروعية نقد هذه الفتاوى، لكنهم يتساءلون لماذا لم يتحدث البيان عن الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين، والأمريكي في العراق، ولماذا نشكو: (بني جلدتنا إلى الأجانب الأغراب، الأمم المتحدة العالم!؟)

 

طبعا لقد رد الكثير من الأصدقاء وسخروا من الإدعاء الأول المتعلق بإسرائيل وأمريكا، فإن أبسط قواعد علم المناهج الحديثة في دراسة وتحليل النصوص، هي الانكباب على النص ذاته ومساءلته وفق منطوق خطابه الداخلي، أي ما قاله، وليس ما لم يقله، فكيف إذا كان الأمر يتعلق ببيان لا يتجاوز /300/ كلمة. ثم إن البحث عن المسكوت عنه في النص ينطلق من القرائن الحافة بالنص ذاته، وليس مما يرغب القارئ أن يجده في النص. فعندها سنجد أن البيان مطالب أن يتحول إلى سِفر لا متناه ليستطيع أن يجيب على هموم كل قرائه اللامتناهية .

 

ولعل هذا ما يفسر عقم وبؤس وفاقة وسقم الخطاب السياسي العربي، الذي إذا أراد أن يطرح مسألة جزئية في الصراع العربي الإسرائيلي، فإنه يبدأ بالحديث عن هذا الموضوع منذ بدء التكوين، ونشأة الخليقة. ولعل هذا ما يفسر لنا انطباعات ساركوزي السياسي الفرنسي الشاب النابه والصاعد بعد زيارته لسوريا ولقاءاته بالقيادات التاريخية لحزب البعث. فقد عبّر عن هذه الانطباعات: بأن موضوع الصراع العربي الإسرائيلي كان أكثر وضوحا في ذهنه قبل لقائهم، أو ما عبر عنه ساخرا جيمس بيكر بـ (خطاب الضغط على المثاني).

 

ولعله من المزاودة  الشعارية المبتذلة والرخيصة والتي غدت مفضوحة وفاضحة هذا الاستغلال الدنيء لقضية فلسطين لتحويلها إلى سوط لجلد الأمة. إذ كلما جأرت بالشكوى من وحشية جلاديها ودموية فقهائها، وكعب حذاء يوضع في أفواه الخلق كلما تداعوا إلى الحق على حد تعبير الكواكبي. من العيب كل العيب أن يوضع مفكر راديكالي قضى عمره، أكثر من خمسين سنة من الانصهار في الشأن العام الوطني والقومي والاجتماعي وهو يؤسس لخطاب ينتمي أسلوبيا إلى مدرسة (اللهب) الذي يشعل الحرائق حيثما صادف (اليباس والتخشب) في فضاءات الثقافة والسياسة العربية، وهو المفكر العفيف الأخضر الذي ساهم مع الدكتور شاكر النابلسي والدكتور هاشم جواد في صياغة الوثيقة، أقول من المعيب أن تطرح عليه وعلى زميليه أسئلة تنتمي الى حقل البداهة الأنتولوجية، التي سخر منها محمود درويش منذ ثلاثين سنة بحسه الموهوب شعريا ومعرفيا عندما قال للعرب الذين يطالبونه أن يقرأ لهم قصيدة "سجل أنا عربي" أنه كان يقول ذلك أمام من ينكر عليه هويته، لكن من المسخرة والتهريج أن يقف أمام العرب ليقول: إنه عربي. من التهريج والمسخرة أن يُسأل الثلاثة عن عروبتهم، التي تحددها بداهة التحدي الإسرائيلي وجودا ومعنى دون أن يكون للعربي ترف الاختيار. لكن أية عروبة نريد، أو أي تحد نخوض، ذلك هو الإشكال الذي يشهر سؤال: أية عروبة وأي صراع مع اسرائيل سنواجه إذا كان المستقبل العربي سيقرره عقل (فتوى الردة) وإعادة الفتح (الإسلامي / القرضاوي / الابن لادني / الزرقاوي) للعالم الإسلامي!؟

 

البيان والخطاب الموجه إلى الخارج:

لأول مرة يتوجه الخطاب العربي – من خلال هذا البيان – إلى العالم ليحتكم إلى مشروعيته الدولية تجاه مشكلاته الداخلية. وتلك بدعة أهاجت غرائز القطيع لكل أولئك الذين أشادوا مفاهيم للوطنية تتأسس على مبدأ (التناقض مع الآخر... تناقض الداخلي مع الخارجي) من خلال مفهوم تعريف الهوية بالسلب، أي تتحدد هوية "الأنا" من خلال انثنائها الفكري والثقافي والحضاري على الذات. إذ في تناقض عناصر الخاص الفكري والثقافي مع الآخر، تكمن هويتي، وطنيتي، خصوصيتي: الإسلامية، العربية، أو الهوية الاقليمية: سوري.. مصري.. لبناني.. الخ. فرابطة العروبة أو الإسلام أو الإقليم مع (علي الكيماوي) مثلا، تقتضي من عروبتي أن أقف معه ولو أحرق كل كرد العالم بالكيمياء! وإسلامي يقتضي مني أن أضع رأسي في النطع طائعا ليقطعه الجلاد استجابة  لفتاوي  القرضاوي، راضيا، مبتسما لقضاء الله وقدره الذي هو في يد القرضاوي والزرقاوي !

 وأن أقبل راضيا طائعا وطنيا وقوميا، أن لا يبقى منزل أو بيت في وطني لم يلوع بأحد أبنائه وأحبائه قتلا أم اختفاء أم سجنا أم نفيا، ما دام الأمر يتم على يد ابن (جلدتي) من بني قومي وليس على يد الامبريالية والصهيونية، فلا ينبغي أن نجعل الأعداء يشمتون بنا، حتى ولو سلخ ابن جلدتي (جلدي) !

 وهذه الثقافة (الوطنية) في عالم العروبة والإسلام، تمنعك أن تتدخل في شأن جارك (الأب) حتى ولو سمعت أصوات الاستجارة والاستغاثة، فهذا (بيته.. سيادته.. حرمته) وأنت أجنبي لا حق لك أن تتدخل في (عرينه) الذي لا يُباح ويُستباح إلا لجلاديه من بني جلدته الأماجد! عليك حتى ولو كانت على حنجرتك سكين، لكنها سكين عربية أو إسلامية أو إقليمية، أن تفضل الذبح ألف ذبحة على أن يتدخل (الآخر/الأجنبي/الإمبريالي ) ليرفع عن رقبتك السكين، وإلا فإنك ستفقد بكارة وطنيتك وعذراوية عروبتك. وهذا ما يفسر لنا أن ردة الفعل الأولى لصدام حسين وهو يدافع عن غزوه للكويت، تبدت في مرافعته: أن الكويتيين أرادوا أن يستبيحوا (العراقيات الماجدات) بترخيص أسعارهن، بينما العراقيات مخصصات (وطنيا) للقصور الشهريارية له ولأبنائه، وغير مسموح باستباحتهن (قوميا) على يد (الكويتيين) بينما تلك هي حقوقه وامتيازاته  (القومية) على (الكويتيات) باعتباره ( القائد الضرورة ) قوميا للأمة العربية...

 

ثمة سياقان متباعدان كخُطى المثلث المنفرج الأضلاع، لقيم الحرية الوطنية والثقافية والاجتماعية في مجتمعات الآخر الغربي الذي أسس معمار حضارته الحديثة على مركزية دور الفرد في العمران الاجتماعي والثقافي والسياسي، حيث تبدأ الحرية العامة من خلال الاحترام القانوني والثقافي والاجتماعي لحريات الفرد الخاصة، بينما هو في عالم العروبة والإسلام، القطيعي الدهماوي ليس إلا نعجة وفي أحسن حالاته تيسا...

ومع ذلك فإن تقديس حريات الفرد، احترام خصوصياته، لا يحيل دون مؤسسات المجتمع الغربي والتدخل لحماية الابن من شراسة الوالدين أو أحدهما، إذا كان ثمة ميول عنفيه لدى الأهل، وذلك بإعطاء الحقوق للشاب أن يشكو أهله في حال تعسفهم، دون أن تلحق بالشاب الإهانة أنه يدعو الغرباء (الدولة – القانون – المؤسسات) للتدخل في شؤونهم العائلية. طبعا لدينا مثل هذه الحريات للأبناء، لكنها حريات إمكانية شكوى الأبناء لأهلهم للأجهزة الأمنية إذا لم يكونوا مع مسيرة الدولة والحزب!

 

وفي كل بلدان العالم، حتى في إسرائيل وفي ظل الشارونية الهائجة، هناك إسرائيليون، يهود مثقفون ورجال دين، جمهور عادي يناهض سياسات بلاده، وينضم إلى الفلسطينيين منددا، دون أن يتهمهم أحد بوطنيتهم!؟

فلماذا إذا قام فريق من المثقفين بل بعض من نخبتهم، بمبادرة أن يقدموا صورة متحضرة وراقية (نادرة) في نقد الذات للعالم، من خلال الاعتراف بأن لدينا إرهابا وإرهابيين ومنظرين للإرهاب، لكن بالمقابل –نبرهن عبر مبادرتنا- أن لدينا أصواتا مناهضة للإرهاب، وأنه يهددنا ويطالب برقابنا كما يهددهم ويحز رقابهم على شاشات فضائيات العالم، وأننا لسنا جميعا من مريدي ابن لادن والقرضاوي والزرقاوي، وأنّا نريد أن ننخرط في مثل وقيم المواطنة العالمية، وأن بيننا من يتمتعون بقيم ثقافية وفكرية كونية تجعلنا أكثر قرابة وتقديرا وتمثلا لها من قربتنا الدموية  العصبية للقوم ولبني الجلدة، وأن هذه المفاهيم الإنسية الرفيعة كانت متداولة ومطروقة في تراثنا العربي النهضوي الإنساني الرفيع، إذ عرفنا منذ القرن الرابع الهجري فلاسفة وأدباء مثل أبي حيان التوحيدي، الذي ميز بعبقرية فذة بين " القرابة والقربة"  فقال عن القرابة: إنها رابطة لحم ودم، والقربة: "رابطة روح ونفس".

ولا أظن أن عربيا مسلما سويا، ليس مفسدا بذهب الحاكم العربي، من لا يستشعر قربة الروح والنفس للجنوب أفريقي "نيلسون مانديلا"، أكثر من كل قرابات اللحم والدم لكل حكام العروبة والإسلام.

 

وعلى هذا فإننا إذا لم ننخرط في العالم وقيمه المواطنة الكونية والحضارية، انطلاقا من مفهوم (القربة) الروحية والنفسية والوجدانية لا (القرابة) الدموية والقبلية والطائفية و(الجلدية)، وفق التمييز العبقري لأبي حيان التوحيدي، فإن أبناء (جِلدَتِنا) لن يكتفوا بسلخ (الجلدة) كما فعلوا منذ زمن، بل سيسحقون العظام ويجعلونها رميم.

بل ينبغي أن يعرف العالم المتحضر أن لدينا مفكرين إنسانيين كونيين عظام كأبي حيان التوحيدي، والجاحظ وابن رشد وابن خلدون انجبوا مثل طه حسين وأحمد أمين وجبران خليل جبران ونجيب محفوظ، وليس فقط تاريخ فقهي صدئ يؤسس للقتل والعنف كابن تيمية وابن القيّم والغزالي الذين لم ينجبوا سوى القرضاوي والشعراوي وتلاميذهم من أمثال ابن لادن والزرقاوي.

 

 لكل هذه الأسباب تتوفز وتتحفر غريزة الاستبداد والمستبدين والجلادين والقتلة في بلادنا أمام هذه المحطة الجديدة الانتقالية الهائلة للاندماج العالمي، الذي سيجبرهم أن يكونوا قرى صغيرة مكشوفة، من بيت المختار لبيت المحضار، حيث ستتكشف عوالم القنانة والعبودية والقهر واللصوصية أمام الأضواء الكاشفة لثورة المعلومات والاتصالات والأقمار الفضائية. ولهذا اعتبروا بادرة المثقفين هذه سابقة خطيرة، لأنها إذا بدأت اليوم بالمحاكمة الدولية لفقهاء فتاوى الإرهاب، فإنها ستكون سابقة ليقظة عالمية ودولية لمحاكمة الخائضين بدماء شعوبهم، السارقين لثروات بلادهم،، السالخين جلد (بني جلدتهم)، الواضعين كعاب نعالهم وأخمص بنادقهم في أفواه كل من يتداعى إلى الحق من بني قومهم.

 

ولهذا نقول أخيرا لكل أولئك الذين يلعبون بنار ( التكفير والتخوين )، أن يسيطروا على اندفاعات غرائزهم، وأن يحتكموا إلى عقولهم. فالفتنة لا تزال نائمة ولعن الله من يوقظها، فنحن المُخوَّنون لتوقيعنا على البيان الأممي ضد الإرهاب، والداعون لإطلاق الحريات الديموقراطية، وحماية حقوق الإنسان، لسنا نحن وآباؤنا من أرسل الرسائل ووقع العرائض التي تطالب فرنسا بعدم الجلاء عن سوريا لكي تبقى حاميتهم. فآباؤنا –وأنتم تعرفون–  كانوا من قادة الثورة السورية (ثورة هنانو)، وأننا لسنا نحن من أرسل جنودنا ليقاتلوا تحت راية (شوارزكوف) الأمريكية تطوعا ودونما ضغوط أمريكية، بل نحن من نمنا بأقبيتكم الأمنية ثمن موقفنا الرافض لمشاركة قواتنا السورية في مقاتلة بلد عربي، تحت راية الأجنبي. ولسنا نحن –ديموقراطيين وعلمانيين وليبراليين ودعاة مجتمع مدني وحقوق انسان -من أتى بالأمريكان إلى العراق، بل من أتى بالأمريكان هم  نصفكم (البعثي) الآخر في العراق الذي أوصل الأمة إلى أحد الخيارين: إما الطغيان أو خسارة الأوطان! إن من مصلحة الوطن أن تبقى هذه الملفات مغلقة –أو مؤجلة مرحليا- وإلا إن عُدتُم عُدنا