الغيورون على سوريا أم على نظامها

د. عبد الرزاق عيد

 

اندفعنا منذ أربع سنوات للانخراط في الكتابة في الشأن العام الراهني متفائلين بالروح الهيغلي الذي راح  يتعين عالميا في ثلاثية (المجتمع المدني - الديموقراطية -  حقوق الإنسان)، وراحت هذه التعينات تجد لها بعض المشخصات في عالم الفوات العربي، الذي غدا حضوره  يتبدى بوصفه ضربا من غلطة تاريخية ، ينبغي تصحيحها وذلك بجعل زمانه (الماضي الملقى على هامش الحاضر) متطابقا مع مكانه الملقى  – استثناء- في قلب المكان  العالمي ...

ووجدنا في جريدة (النهار)، النافذة الوحيدة ، التي أتاحت لنا إشعال شمعات في ظلام الشمولية الحالك.

تفاءلنا بالزمن الطبيعي, لأنه لم يعد لدينا زمن تاريخي ، وذلك من خلال المراهنة على تطور الأجيال, فتجاوبنا مع الدعوة إلى الإصلاح والقبول بالتعددية والاعتراف بالآخر، وممكنات الانفراج السياسي والاجتماعي والثقافي، فحاولنا أن ننفض غبار أربعة عقود عن أرواحنا ونفوسنا، لعلنا نستعيد الوطن إلى كل أبنائه من بين مخالب ذئاب مفترسة، أن يستعيد المواطن علاقته بهويته، بمواطنيته من خلال الشعار الذي رفعناه في ( لجان إحياء المجتمع المدني)، وأصبح أحد شعارات الحركة الديموقراطية في سوريا وهو ( إعادة المجتمع إلى السياسة ، وإعادة السياسة إلى المجتمع ).

 

ماذا بعد أربع سنوات؟

هناك مكسب وحيد حدث على المستوى الفكري وهو خلق مجال دلالي مشترك للخطاب السياسي للحركة الوطنية الديموقراطية المعارضة في سوريا ، تمثل في جعل مسألة الديموقراطية في مقدمة الأولويات المطروحة على مستقبل سوريا؟ !

لكن النتائج على الأرض كانت هزيمة الجميع – بغض النظر عن كونها هزيمة مؤقته – فقد كانت هزيمة  لمشروع الإصلاح على مستوى السلطة و المعارضة معا ، من خلال هيمنة اخطبوطية لقوى غامضة خفية برهنت أنها أقوى من أقوى من الجميع (الإصلاحيين الرسميين والإصلاحيين المعارضين).

حتى وصلت هذه القوى الغامضة لإشاعة الارتياب والشكوك والتناقضات في البنية التكوينية العضوية للمعارضة، التي كان توحدها واندماجها رغم حجمها الضعيف منذ أربع سنوات من أكبر المكاسب، الوطنية والديموقراطية لسوريا المثخنة الجراح.

إذ بدا الجميع ضد الجميع على حد تعبير هوبز، وهو يصور المجتمع الإنكليزي في القرن السادس والسابع عشر، السلطة ليست ضد المعارضة فحسب بل والمجتمع أيضا، والمجتمع ضد - صامت وغائب - للسلطة، وهولا يستشعر وجود المعارضة، والمعارضة ضد السلطة لكن لا تعرف كيف تصل إلى مجتمع صامت وغائب، والمثقفون والسياسيون والناشطون في الحقل العام، لا يتبادلون الإعترا ف، إذ السلطة تخترق الجميع عبر التزيين لكل واحد منهم  بأنه الأجدر، فتحاور صغارا لتصنع منهم رموزا، بيد أنها سرعان ما  تتكشف لها  خلبيتها، فتتشكل فضاءات خلبية يخال فيها الجميع أنهم جوهريون في حين أن الجميع هباء بدد، حتى غدت الحركة الديموقراطية عاجزة في سوريا على الإجماع، بل حتى على التوافق حول رموز لها ( رؤوس ) تماما كحالة السلطة التي هي بلا رموز ولا (رؤوس)، والكل يتحرك في جوف غرف مظلمة، مغلقة، مقفلة، لقد عجزت المعارضة السورية الديموقراطية أن تتوافق حول رمزية شخصية لا جدال ولا خلاف حول تضحياتها وشجاعتها ونزاهتها السياسية والوطنية،  كـ(رياض الترك) مثلا، لذا فإن معارضة عاجزة عن إنتاج رموزها، هي معارضة بلا مجتمع، بل هي معارضة بلا مستقبل ولا أفق!

تبلغ الأمور-اليوم- حد شق هذه المعارضة من قبل القوى الغامضة، الخفية ، وذلك بخلق إيهام وكأن هناك اختلافا حول أبجدية البديهيات الوطنية، كاختلاق خلاف حول مشروعية الاحتلال الأمريكي للعراق وليس حول شكل مقاومته، رغم أن هذا الاحتلال نفسه يقر للشرعية الدولية بأنه محتل، ويعترف بمشروعية المقاومة!

ويضطر الصديق جهاد الزين ليدخل معمعان معركة افتعلتها هذه القوى، مع من يفترض أنهم يقدمون أنفسهم  ( وطنيون ) ضد الاحتلال، من خلال عريضة احتجاج على زيارة رئيس وزراء العراق المؤقت، ولنتصور أية مفارقة ساخرة أن لا يكون في سوريا أكثر من عشرة مثقفين وسياسيين (وطنيين) يوقعون على عريضة ضد الاحتلال، في صيغة عدم الترحيب برئيس الحكومة العراقية المؤقتة المشكلة في ظل الاحتلال، وذلك استرضاء واستجابة (وطنية) للقوى الغامضة المحتجبة خلف الظلال!

 

هذه المقدمة كان لابد منها، لمناقشة الغيورين على التعليم الجامعي في سوريا، انطلاقا من استشعار عام بأن الوضع بلغ على كل المستويات حدا  من الإسفاف يهبط إلى دون  مستوى النقاش، ودون مستوى النقد، إذ لا فائدة (مفيش  فايدة)، على حد قول سعد زغلول، أو ( ما في حدا ) على حد تأسي لوعة الغياب  وحسرة الفراغ الذي يشيعه صوت ( فيروز) في هذه الأمداء العربية المترامية الأطراف في غربتها الاستبدادية الإستثنائية عن ومن ثلاثية العصر (الديموقراطية –المجتمع المدني –حقوق الإنسان) .

 

كنت مترددا في الدخول في هذا الموضوع لأن المرء في سوريا لا يملك أي رقم أو أية وثيقة في عالم الغموض القشعريري الساري في  جنباتها، فعشرات آلاف الذين سجنوا أو اختفوا أو أبيدوا، وعشرات المليارات التي سرقت وهربت خارج البلاد، لا يستطيع أحد في سوريا أو في العالم أن يقدم وثيقة إثبات على  صحة أي  واحدة منها وفيها.

فكيف لي أو للأصدقاء الذين كتبوا بقلوب ملتاعة وطنيا على واقع التعليم الجامعي أن نقدم أية معلومة موثقة، عندما يكون المجتمع السوري بكامله تحت طائلة الاتهام بالخروج عن القانون، عندما يمكن أن يحاكم كخارج على القانون تحت بند ( نشر أخبار كاذبة) !

 

 إن أول معلومة موثقة، وهي فضيحة تعليمية استراتيجية لا تنكرها السلطات ولا تخجل من مواجهتها الجهات الرسمية المسؤولة، وهي فضيحة ( العلامات النضالية ) للشبيبة البعثية (الثورية)، والمظليين البعثيين المناضلين، إذ قد مرت أربع سنوات ملأنا الدنيا فيها صياحا من أحل إنقاذ سمعة بلدنا سوريا من هذا العار (المقونن) والمهزلة الشديدة الجدية، منوهين ومذكرين دعاة الإصلاح الذين يأخذون علينا تسرعنا وعدم تقديرنا للظروف (الموضوعية) بأن هذه (المهانة الوطنية) ليس وراءها اسرائيل والامبريالية، أي أنه لا تحتاج إلى عصا سحرية- كما يبررون- ولا إلى توازن استراتيجي! وأن هذه (المعرة) لا تمثل إهانة وانتهاكا للحدود الدنيا للمساواة في الحقوق لأبنائنا فحسب، بل هي إضفاء للمشروعية القانونية على قيم وأخلاق الفساد، مما يؤدي إلى إفساد الفساد ذاته عندما يتقنع بالفضيله والصمود والتصدي ومقاومة المشروع الإمبريالي والصهيوني، وتبلغ المأساة ذروتها السوداوية عندما لا تملك تجاه هذه المهزلة سوى أن تضحك من الألم، إذ الكوميديا السوداء تبلغ حدا من التمزق الفصامي، تجعل الفرد يشك بجدوى التفكير والتحليل والقراءة والتفسير، عندما يقدم  الخطاب الإعلامي على صياغة نماذج  بدئية  ادماجية لوحدات الخطاب،  لتتحول إلى بداهات وفق آلية التكرار والترداد التي تصوغ وحدات دلالية فارغة من المعنى، لكنها على درجة من تصلب قشرتها الخارجية و تخثر شرايينها الداخلية تبلغ  حدا من الشراسة  والوقاحة الهجومية الواثقة من تعنتها وبداهتها الإيمانية المعتقدية إلى درجة أن مناقشتها أو مجرد التفكير بزحزحتها، يعتبر  نوعا من التفكير والتخوين والخروج على (الملة)، فالقوى الغامضة السحرية تغترف من حياضها شعارات تقذفها كالقنابل الموقوتة في وجه المجتمع والعقل، حيث يغدو المستحيل التفكير به وهو (عدم مشروعية انتهاك المشروعية الدستورية) هو عين المشروعية وذات حدها الوحيد، وإلا فالخيانة والعمالة لإسرائيل وأمريكا والعداء لسوريا – وليس النظام السوري- تلحق كل من هو مع الدستور، وذلك لأن- وفق خطاب القوى الخفية  - تغيير الدستور من أجل فرد هو عين الشرعية، أما تغييره –الدستور- من أجل إحياء مجتمع  تخترق عظامه العطالة والفوات والموات خلال أربعين سنة، فذلك هو التآمر والارتباط والخيانة بل وسجن عشرة ناشطين فضلاء بتهمة  (الدعوة إلى تغيير الدستور)، إنها وقاحة هجومية واثقة من قدرة غبائها على تعطيل التاريخ والحياة والمستقبل، بل وعلى درجة من الخيلاء والاعتداد الأجوف يبلغ حد أن نظاما سياسيا أصبح خارج التاريخ والمستقبل، يريد –هذيانا - أن يناطح العالم لا دفاعا عن البقاء فحسب، بل وخوض معركة تعميم نموذجه على (العالم)، على الآخرين الذين لا يزال فيهم رمق بقية من حياة وإرادة العيش بحرية، كنا نحلم بالاستثناء اللبناني الديمقراطي عربيا أن يكون نموذجا مستقبليا، استنادا إلى قيم الحداثة الكونية التي تتيح له بعض منجزاته منها أن يكون النموذج في مواجهة الاستثناء الدكتاتوري العربي عالميا، فإذا بالاستثناء الدكتاتوري العربي يريد بكل وقاحة وتبجح وغرور(صدامي) زائف أهوج، أن يناطح وينازل الإرادة العالمية  المتعينة بالمثلث الهيغلي المشار إليه سالفا  في مسارها على طريق احترام الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وذلك بدلا من تكيف هذا الاستثناء الديكتاتوري العربي مع المسارات العامة للتطور البشري الذي يفترض أن الخاص الوطني والقومي هو الذي يكتشف نفسه ومعناه من خلال موقعه من العام العالمي والكوني .

 

المشكلة في خطاب النظام الشمولي العربي، الذي لا يعنى إلا في (الكليانيات )، الاستبدادية القهرية التسلطية، أنه شمولي بالمعنى القاع، أي دون أن يتمتع  بالمميزات المتعارف عليها كلاسيكيا في الأنظمة الشمولية عالميا، التي –عادة- ما تصادر الروح السياسي للمجتمعات من خلال مصادرة الحريات السياسية، لكنها تكفل أجساد مجتمعاتها من خلال تأمين الطعام والمسكن والملبس والصحة كما كان في كل بلدان ما كان يسمى (الكتلة الاشتراكية)، لكن مع – وفي-  الخاص (الشمولي / الكلياني) العربي، فإن الإنسان سيغدو جائعا بائسا معدوما مذلا مهانا  مطرودا ملعونا مصادرا مستلبا  ( روحا وجسدا ) ...

 

يأخذ علينا أصدقاء طيبون ومخلصون ويريدون الخير لبلدنا ووطننا (المغرّبين) عنه وفيه وإليه ( سوريا ) بأننا نكتب في الصحافة الخارجية  - ( لبنان : رغم أن لبنان صارت من داخل الداخل، حتى سماها صاحب ملفها الأساسي مخدعنا الداخلي) -  وهم يقصدون بالصحافة الخارجية، جريدة (النهار) اللبنانية، وهم بنواياهم الطيبة وفي خبيئة لاشعورهم الخاضع إلى التكرار ( التوتولوجي ) السحري للثوابت ( الوطنية والقومية ) راحوا يماهون بين النظام والوطن ، وذلك بعد أربعين سنة من شخصنة الوطن وتوثينه  صنميا.

 إذ يعتبرون أن نقد النظام في سوريا، هو عداء لسوريا لأنه في لا وعيهم – ووعينا- أن سوريا ليست ملكا لأهلها، بل لنظامها، والدستور إذا كتب له أن يتغير وفق مشيئة أصحاب النظام، فإنه لن يتاح له من مقومات تغيير الفقرة الثامنة –مثلا- وهي  القائلة: " إن الحزب يقود الدولة  والمجتمع"، سوى تغيير وتحديث و (إصلاح) هذه الصيغة وذلك بتبديل  كلمة (يقود) بكلمة (يملك)، تلك هي الممكنات الوحيدة للتغيير في الأفق المنظور إصلاحيا !؟

 

نقول للغيورين المماهين بين الوطن ونظامه، أين نستطيع أن نجأر بالشكوى  تجاه الظلم  والمظالم وفي  وجه الظالمين؟ أين نستطيع أن نقول : إننا كمثقفين معارضين الذين يظن الكثيرون من المثقفين والكتاب العرب الذين نلتقيهم أننا نبالغ في الشكوى من هيمنة الاستبداد والفساد وسحق العباد، ودليلهم على مبالغتنا : إننا رغم راديكاليتنا في نقد النظام وممارساته  فنحن لا نزال أحرارا في الحركة والتحرك(خارج السجن)، وأننا على الأقل نقول ما نقول وأننا ماثلون أمامهم دون أن يلتهمنا –بعد- الغول !

نقول لكل أولئك الأصدقاء الذين يستكثرون علينا الحرية (خارج السجن ) بغض النظر عن العيش تحت التهديد اليومي بـ"كل منكم إلا وارده"،عبر الاستدعاءات _التي ألفناها- والإحالة إلى المحاكمات العرفية العسكرية  ...

- أين نستطيع أن نشكو وفي أية صحيفة (وطنية) نستطيع أن نصرخ: إنهم –القوى الخفية-  ينتقمون منا عبر أبنائنا، كيف نستطيع أن نثبت أن ابننا يرسب في السنة الأولى، بسبب منحه درجة (47)  بالثقافة (القومية الاشتراكية)، بينما درجة النجاح المفترضة هي (48)، فقلنا : ربما هو الفساد الذي غزا خلايا البلاد والعباد!  لكن أن يرسب في السنة الثانية بستة مواد، ويعطى بإحدى المواد درجة الصفر، وهو طالب (دخل فرع الهندسة الحاسبات الإلكترونية بمعدل ما فوق 90%) مثله مثل كل الطلاب المتفوقين الشرفاء الذين يأخذون حقهم بعرق جبينهم، وليس بالقفز بالمظلات، ولا بالانتماء لحزب السلطة وشبيبتها الثورية ...

 

عمادة الكلية اعترفت بأنه "مظلوم"، وعندما قلنا : إننا متعودون على الظلم  بوصفنا (رعايا) لا مواطنين، إننا- (مثلنا مثل كل المجتمع والشعب) - لسنا حزبيين ، ولا شبيبيين (ثوريين)، ولا منافقين، ولا دجالين، ولا طبالين ولا مزمرين، ولا راشين ولا مرتشين، ولا مال لدينا ولا جنس ولا أمن، وأن ليس لنا سوى شرفنا وكرامتنا الوطنية وتمسكنا بالحرية والمستقبل.

قلنا : إننا بوصفنا رعايا نفهم ونتفهم -أمنيا وفسادا- أن يكون الرسوب بمادة أو اثنتين، وذلك بعد تعودنا التعايش مع قهر الفساد، ومحاولاتنا أن نجنب أنفسنا وأبناءنا- ما وسعنا- من لوثته المعممة منهجيا ووظيفيا كلازمة بنيوية تكوينية عضوية لنظام الاستبداد، فقالوا : إنه مظلوم وحظه سيئ ! وذلك بعد أن أعدنا تصحيح ثلاث مقررات من ستة مواد رسبّوا فيها الطالب، فكانت علامته في المقررات الثلاثة (الجيد والجيد جدا وواحدة منهم درجة ممتازة) .

لكنهم بعد أن راجعوا المواد الأخرى، رفضوا أن يبرهنوا لنا عن استحقاقات رسوبه ولو بمادة واحدة من المواد، بما فيها المادة التي نال بها درجة الصفر ...

 

لقد وصلتنا الرسالة جيدا، فالصفر علامة ( قلع عين ) لكي لا نشك بأن ثمة لبسا في الأمر، سيما بعد أن عمموا على بعض الطلبة من زبانيتهم ممن شوهوا نفوسهم ولوثوا أرواحهم الفتية الشابة الغضة ليقولوا: إن زميلهم رسب عقابا لأبيه المعارض، وهم يريدون تداول ذلك علنا دون حياء أو خجل من أحد، بهدف إشاعة الخوف والإرهاب في أوساط الطلاب، أي لجعله ( مثلا ) للعبرة والاعتبار، لا مثالا يحتذى ويختار، وهذا ما أجادته قوى الرعب الخفية، التي طالما تتباهى متفاخرة : بأنها لن تسمح لأحد أن تجعل منه (بطلا)، وفعلا، لقد نجحوا في ذلك، عندما قتلوا روح البطولة  في الوطن والوطنية، وقد شاهدنا نتائج قتل روح البطولة هذه، في ما فعله رفاقهم (البعثيون في العراق) عند اجتياح بغداد عاصمة العالم منذ عشرة قرون .

هكذا فعلوا بالأصدقاء العشرة الفضلاء موؤدي ربيع دمشق، هكذا فعلوا برياض سيف لإرهاب وسط رجال الأعمال والصناعيين والنواب، وذلك بعد (تشليحه وتفليسه) وحبسه، ليكون (مثلا وعبرة) لمن يعتبر ومن لا يعتبر، لا مثالا لرجل الدفاع عن الحرية الذي به الوطن يفاخر ويفتخر، وهكذا فعلوا بالصديق عارف دليلة الخبير الاقتصادي الشجاع، فأرادوا أن يقتلوا (أمثولة الشجاعة) لصالح (مثال المثلة)  بالخصيان، فخصوا المجتمع والشعب ليغدو كالقطعان، أي ليكون على شاكلتهم ، أليس الناس على دين ملوكهم !؟

لقد حكموا الرجل عشر سنوات، لأنه تجرأ على فضح إحدى سرقاتهم، وها هي  قد مرت ثلاث سنوات على رجل ستيني، يواجه بشجاعته جبنهم وخوفهم من أن يموت في زنازينهم، لأنه يرفض إجراء عملية قلبية وهو مكبل بالسلاسل، إنهم يريدون إنقاذ حياته، ليواصل سنوات سجنه، إنهم يرغمونه على الحياة في سبيل عيش موت العبودية في زنازينهم، إنهم يريدونه أن يحيا ليكمل محكوميته!

 

 تحية لك أخي عارف بمناسبة حملة التضامن معك من أجل إنقاذ حياتك حرة كريمة، لا حياة الخرفان التي تسمن لتذبح، وتحية لنائب دمشق الشجاع رياض سيف، وصوت حقوق الإنسان والحريات حبيب عيسى، وكل من تبقى وراء القضبان، النائب مأمون حمصي، والمهندس فواز تلو، والشابان الطهرانيان الطبيبان الدكتور وليد البني والدكتور عبد العزيز الخير، وتحية للطبيب الدكتور كمال اللبواني الذي أفرج عنه بعد قضائه ثلاث سنوات في زنزانة منفردة، وخرج مرفوع الرأس وموفور الكرامة الشخصية والوطنية، مع حبيب صالح الذي أنهى سنواته الثلاث ...

 

هل إذا عبرنا عن تضامننا مع سجناء الرأي والضمير في الصحافة اللبنانية ( النهار) نكون معادين لسوريا كما يذهب بعض الأصدقاء والكثير من الأعداء؟ ألا تساعد هذه المماهاة بين سوريا ونظامها التي كثيرا ما ترد على رؤوس أقلام الكثيرين من المعارضة اللبنانية –عن حسن نية أو سوئها- على خلوص الكثيرين من الكتاب السوريين إلى هذا الخلط عن حسن قصد أو عن سوئه !؟

- هذا السؤال نطرحه على الصحافيين الشباب، وعلى بعض أنزه وأشجع من تبقى في (صحافتنا الوطنية ) المنكوبة كالصديقين وليد معماري وحسن م يوسف، ونقصد الصديق حسن الذي كثيرا ما ينعى على كتاب ( النهار ) نقدهم للنظام، بوصفه عداءً لسوريا !

-    والسؤال هل تستطيعون أن تثيروا مشكلة هذا الطالب، وأن تدعوا إلى لجنة تصليح حيادية، بإشراف وتكليف من هيئة الرئاسة، وليس من الجامعة التي أصبح معظم أساتذتها من أصحاب التاريخ النضالي (المظلي) الذين يقبضون ما يعادل (100) دولارا ثمنا للمادة، وتعرفون أن من يبلغ هذا المستوى (الحضيضيلايستطيع أن يرفض أمرا للجهات الخفية الغامضة، حتى لو صدر الأمر من عريف أمني في صفوفها .. .

-    هل يمكن لكم أن تثيروا هذه المسألة في الصحافة (الوطنية : بالمعنى الجغرافي) ونحن على استعداد لخوض غمار هذا التحدي واستحقاقاته المادية والمعنوية ! ؟

 

هل تعرفون أن شجاعتنا خانتنا عن طرح هذا الموضوع، حتى تأكدنا من مغادرة الطالب أراضي ( الوطن)، لأنا كنا نستشعر في حدسنا الباطني المحشو والمترع  بالتهديد والوعيد، بأن من يملك الاستطاعة الداخلية الأخلاقية على إعدام مستقبل شاب معنويا ومعاشيا، فإنه قادر على إعدام  حاضره ماديا وجسديا، ومن يستطيع أن يدمر معنى حياة الكائن ، فإنه قادر على تدمير كيان الكائن ذاته؟