المصالحة بين "الوطنية " و"الديموقراطية" هي أساس "المقاومة" حربا أم سلما


د. عبد الرزاق عيد - حلب

كلاوز فيتنز منذ القرن التاسع عشر التقط " الأس المعرفي " لفلسفة نجاح الحرب او خسارتها عبر التاريخ ، عندما شبه الجيش بالنسبة للمجتمع والدولة ، كالساعد بالنسبة للجسد ، فكما أن قوة الساعد تستمد طاقتها الفاعلة من درجة معافاة الجسد ، فإن الجيش يستمد قوته وفاعليته الوظيفية من معافاة المجتمع والدولة ودرجة حيويتهما ، اقتصادا ، سياسة ، ثقافة .
استنادا لهذا التوصيف يمكننا القول :إن الجيوش العربية لا تعدو أن تكون ساعدا اصطناعيا مستعارا وذلك على مستوى التقنية ، والتقنية عندما لا تكون ثمرة منظومة علمية متكاملة ومتراكبة ومتفاعلة من المعارف،نظريا وفلسفيا ورؤية للعالم، فإنها لاتعدو أن تكون ( خردة) ، فكيف إذا كانت هذه اليد الاصطناعية المستعارة إذ تتعاور ( خردتها ) تستند إلى كتف مجتمع الفوات حضاريا والتأخر اجتماعيا وفكريا وثقافيا ، ومجتمع الاستبداد القروسطي سياسيا ، والرأسمال الريعي اقتصاديا ( بيع المازوت خليجيا ) وبيع المواقف السياسية مصريا  أي اقتصاد ( البخشيش ) ، كما يسميه أخواننا الأقتصاديون المصريون ، أظن أن صاحب التسمية ( حسين أحمد أمين ) .
فكيف إذا شكلت خصائص الفوات والتأخر الشامل هذه البناء التحتي للنظام السياسي العربي؟  فلا بد عندها-والأمر كذلك- من انتاج حالة طلاق بائن بين السلطة والمجتمع ، وطلاق بائن بين ( الوطنية المدعاة  ) و ( الديموقراطية المأمولة ) الذي أسست له الشعبوية القومية واليسارية منذ قيام اسرائيل ، حيث تم تبني " الديموقراطية الشعبية " التي كان مآلها تحقيق المساواة بين الناس لكن في العبودية فقط .
هذه المجتمعات هي التي يقصدها هيغل بتوصيفه لها ، أنها مجتمعات ليس فيها مساحة للحرية إلا لشخص واحد ، وهذا الشخص يتشخصن فيه الوطن ، السلطة ، النظام ، المجتمع ، الأمة .
فالرئيس القائد حفظه الله ( في فراره أو مماته ) لم يكن يملك تعريفا للوطن ، يتعدى حدود جسديته ، فهو المبتدأ والخبر، والمفرد المنتهى في تحديد مآلات االأثر،ودلالات العبر.
لم يخطر على بال الرئيس الخالد – قط – بأنه سيقتل ، أو يموت ، فهو سيد الحياة ، ورب البقاء ، ومعمر الاوطان ، الصمدي الواحد الأحد ، إذ صمديته لا تستنفذها قواعد المبتدأ والخبر ، وأبديّته مسألة لا يشك بها النظر ، فكيف له أن يموت دون موت الحياة ذاتها ، فما قيمة الحياة ، والوطن وما قيمة الشعب والبشر ؟ ما قيمة العراق بدون أنواره البهية التي لا تضيء إلاظلمات الزنازين من أجل إشاعة نور رعبه الكابوسي ؟ ولذا فعندما سقط سيد الحياة ، ورب البقاء ، سقط الجيش ، والوطن ، والشعب !
كنا صامتين خلال الحقبة الماضية عن صمدية صدام ، لأن قلبنا كان على العراق ، المعذب والجائع والصامت ، ولأن أي تشكيك في صموده الصمدي – حسب تقديرنا حينذاك - سيعزز ربوبيةالمجنون الآخر" بوش " ، الذي يعتبر نفسه ، مثله مثل صدام حسين " منذورا لأمر إلهي كبير"  وصاحب رسالة " يلبي بذلك نداء ربانيا"
جنرالات الفكر الأمريكي ، أعدوا هذا السيناريو منذ ثلاثين سنة ، عرض هذا السيناريو على بوش الأب ، فاعتذر مكتفيا بأنه تحرر من عقدة فيتنام في الحرب الخليجية الثانية 1991 ، وذلك بإفراغه شحنته الليبيدية في رمال شبه الجزيرة العربية ، ليدفن فيها عقدة فيتنام !
وعرضت الخطة على كلينتون  فاعتذرمكتفيا بإسعاد قلوب عصابة البنتاغون والبيت الأبيض وذلك عندما أفرغ شحناتهم الليبيدية الحربية بإطلاق وجبات من صواريخ الكروز ، والتوماهوك فوق العراق ، مقدما لهم هدية ترضية بما سمي بـ " ثعلب الصحراء" .
وعرضوا هذا السيناريو على أحد مجانينهم في ولاية أسرائيل الأمريكية وهو نتنياهو الشريك الاستراتيجي في الشرق أوسطية ، فاستفظع أن يكون هناك من هم أكثر جنونا منه ، فرفضها.
فكان آخر العارضين لها " ابن لادن " فتقبلها " ابن بوش " دون تردد ، وبدأت اللعبة ، بينما سليل آلهة سومر وآكاد والحثيين وهارون الرشيد ، قابع في بغداد لا يفعل شيئ سوى ممارسة فن البقاء وكسب المزيد من الوقت .
وقفنا مع الشعب العراقي في محنته بالكلمة والموقف، فعلنا ماكان يمكن فعله ، ومن الممكن فعله حبا بالعراق وتاريخ العراق ، وأدب العراق ، وفلسفة العراق ، وملل ونحل العراق ، ومذاهب العراق ، حبا بأبي حنيفة ( الأرأتي- نسبة الى مدرسة الرأي  ) حيث لا يأخذ  الإمام إلا بالرأي والعقل مهما كانت قوة الأسانيد حتى أنه لم يعترف بصحة أكثر من سبعة عشر حديثا نبويا ، إنطلاقا من حكم العقل لا حكم النقل ، حبا بالمتنبي والحلاج ، وأبي حيان التوحيدي و شيخه أبي سليمان المتطفي ، والجاحظ وواصل بن عطاء شيخ معتزلة العراق ، إعجابا بتلك البيئة العقلية الي كانت تتيح لإعتزال عمرو بن عبيد  بأن " يكفر المسلم الذي يقتل مسلما" من خلال تكفيره طرفي موقعة "الجمل" سابقا الثورة الفرنسية بألف عام من التجرؤ على رفض الإستخدام الذرائعي للمقدس !
 و حبا بعراق السياب وغائب طعمه فرمان وعلي الشوك وهادي العلوي وفالح عبد الجبار، وشيركوبيكسه وجواد سليم وجواد علي وسعدي يوسف وهاشم شفيق ، فيصل لعيبي ، عصام الخفاجي ، زهير الجزائري ، يوسف العاني ،جواد الأسدي والرائعة زينب وروناك شوقي وجمعة اللامي وعلاء اللامي ، وسليم مطر ووو.... هذا العراق هو عراقنا ، عراق الحضارة والعقل والتنوير والنهضة ... أليس هؤلاء هم سدنة خزائن علمك وحكمتك يا الله  ؟ فكيف سمحت بسقوط بغداد بأيدي أولئك الذين لا يرون فيه إلا نفطا ؟ هل هذا هو عقاب السفهاء منا الذين لم يروا في العراق إلا ثكنات وأصفادا وسجونا وقصورا ؟

خلال أكثر من عقد ، والنظام العراقي  يقدم التنازل تلو التنازل للأمريكان ، والتشدد والتعاظم تلو التشدد والتعاظم تجاه شعبه الجائع إلى الخبز والحرية ، فكان الشعب العراقي رهين محبسي  حصارالجوع : حصار الجوع إلى اللقمة بسبب الحصار الخارجي ، والجوع إلى الحرية بسبب الحصار الداخلي ، وكل ذلك كان في سبيل قتل روح الرفض والإباء لدى الشعب العراقي ، في سبيل بلوغ هذه اللحظة ، الذي ترك نظامه يقاتل لوحده ، تلك اللحظة التي ستجبر مثقفين كعباس بيضون أن يدعوه : إذهب أنت وأولادك وحاشيتك و.. و .. فقاتلوا ، وهو الأمر الذي جعل جبران تويني يستنتج : أن ما سقط هو النظام وليس بغداد ، لأن بغداد لم تقاتل !
إن الحصار الخارجي تقاطع مع الحصار الداخلي في وأد الروح البطولية لدى الشعب العراقي لأن الأبطال كالنمور لا يأكلون العشب أبدا ، وإلا تحولوا إلى خراف !
إن موضوعة تمزق العقل وتشظيه ، اخترقت عقل الأمة بكل تجلياته وأطيافه إذ يتملى صفحته في مرآة زمنه المتكسر،وقد رصد بعض هذه التجليات،عدد من المثقفين ،منهم ، أمين قيمورية  في النهار ( الثلاثاء 25 شباط 2003 ) ، إذ توقفوا متقصين مظاهر التصدع والتشظي هذه : بين رفض الدفاع عن نظام ديكتاتوري طغياني ، وفي الآن نفسه رفض العدوان الامريكي المفعم بروائح النفط والأطماع الاستعمارية ، وبين موقف المتفرج الذي يعتبر أن هذه الحرب ليست حربه ، وبين من يعتبر أن أي خاسر هو مكسب لتفعيل ميكانيزم اخراج التاريخ من استنقاعه الاقليمي على اعتبار أن أي جديد ستحمله الحرب سيكون أفضل مماهو قائم ، وعلى اعتبار أن اللاحرب واللاسلم لن يكون نتاجه سوى بقاء السيء على سوئه ، وتقديم جرعة إضافية من الأوكسجين للأنظمة واستمرار الموت البطيء ، فالاستعمار- في كل الأحوال - يمثل قاطرة عمياء للتاريخ ، على حد تعبير ماركس ، فهو إذ كان يدك البنى القديمة للمجتمعات التقليدية ،فإنه كان يبعث على انقاض وعيها المللي وعيا حديثا بالانتماء القومي ، وبين قائل أن الاستعمار الأمريكي لا يمكن أن يحمل هذا البعد الايجابي للاستعمار الأوربي القديم عندما ساهم - الأخير- ببعث الهوية القومية الحديثة ، لأن المشروع الأمريكي يقوم على بعث هويات عتيقة ما قبل وطنية ( المذاهبية الإثنية الطائفية والفئوية والعشائرية ) فهو قاطرة عمياء للتدمير ، والتدمير فقط .
في مواجهة هذه الأسئلة المشروعة ، هناك من يقول : إن هذه الأسئلة تستمد مشروعيتها ومسوغاتها من القراءات السابقة للسياسات التقليدية الأمريكية التي كان شعارها ( اعطني نفطا أعطيك حكما ( للخليجيين ) اعطني سيادتك الوطنية والقومية اقليميا ، أعطيك سيادة مطلقة على شعبك في النهب ، والإنكار ، والعبودية والقهر ، والبؤس ( للمشرق العربي ) ... إلخ .
لكن الأمر ، وأمريكا على صهوة العولمة على حد تعبير فريدمان ، فإنها تضع منظومة فلسفية لما بعد الامبريالية . في صيغة بوش " سوف نصدر الموت والعنف إلى أربع زوايا الأرض دفاعا عن أمتنا العظيمة "
وإن
ما يهدد استقرار الولايات المتحدة هي الأصولية الاسلاموية المتطرفة ومثالاتها ( الوهابية السعودية ) والحركات الإسلامية والناصرية التقليدية ( مصر ) ، أو القوموية العلمانية الفاشية " في النموذج البعثي " ( العراق / سوريا ) .
 الرد على هذه النماذج الايديولوجية هو الديموقراطية الليبرالية التي تتيح الاستقرار وتقطع الطريق على التطرف والتهديد له ، ذلك وفق المصفوفة النظرية التي وضعها نحو خمسة وعشرين رجلا في الصحافة ، ومراكز الأبحاث ومواقع السلطة من " المحافظين الجدد " الذين استولوا على صناعة القرار في البيت الأبيض . لا شك أن هناك  في العراق وفي العالم العربي من يراهن على هذا التوجه دون رفضه المسبق ، لأنا لم نختبر بعد – حسب رأيهم – نوايا الاحتلال إن كان استعمارا كولونياليا قديما أم " تحريرا " ، مادام الأمريكيون يعدون باالإنسحاب وعدم ابقاء قواعد لهم في أراضي العراق !؟
وسط كل هذه الاسئلة التي تشرخ عقل الأمة ، وتفلّ من إرادتها ، فإن ما يعنينا في هذا المقال ، هو المشروع الأمريكي ذاته المفتوح على احتمالات شتى مابعد احتلال العراق .
إن الميزة الأهم للمشروع الأمريكي هو وضوحه وصراحته وإعلانه عن نواياه ، سلبا أم إيجابا من منظورنا الوطني أوالقومي :
- إنهم يريدون العراق ليس بنفطه فحسب ، بل وبجغرافيته ليكون منصة انطلاق لإعادة تشكيل المنطقة بما يتناسب ورغباتهم .
- إنهم ينتقلون من مرحلة فرز الآخر على أساس( صديق / عدو) في مرحلة الحرب الباردة وسياساتهم التقليدية ، الى مرحلة الفرز على أساس  (عميل / عدو) اليوم.
- مرتبة العميل لم تعد متاحة لأي كان ، فلم يعد تكفي إرادة ( الصديق) أن يغدو (عميلا)             حتى يقبله الأمريكان ، ولهذا لم يتركوا لبعض أطراف النظام حتى فرصة المساومة على العمالة ، لأنهم ببساطة يريدون العراق ومعهم عملاؤهم المدربون على مثالاتهم الفكرية والثقافية والسياسية ، ولهذا فهم قد رفضوا تدخل لواء صلاح الدين في القتال معهم في الجنوب ، بل رفضوا إعطاء أي دور للبلدان العربية المسماة الصديقة أو العميلة أن يكون لهم أي رأي  في المستقبل الإقليمي لمنطقتهم بعد التهام العراق ، وتركتهم في قمتهم يرتعشون فيما سمي بـ( قمة الإرتعاش ) !
-على هذا ضاقت الفرص أمام اي طرف من أطراف النظام العربي في قبول الانتقال من مرتبة الصديق إلى مرتبة العميل .
- ايديولوجيا الحرب شافّة جدا عن حقيقتها ، فكانت كذبة نزع سلاح التدمير الشامل مقدمة على الأهداف النظرية اليموقراطية "التحريرية" ، مما فاجأ كنعان مكية فيلسوف أحمد جلبي ، متسائلا بدهشة عن سبب هذا الانزياح في نظام الخطاب ، الذي لم يعد آبها على جعل شعار" تحرير العراق" ودمقرطته يحتل المرتبة الأولى المفترضة في مصفوفة الخطاب "الأخلاقي والقيمي" الأمريكي .
- الغطرسة والعنهجية بل والعنصرية اللاهوتية الرجعية اليمينية لجنرالات الفكر الإستراتيجي هو الكامن وراء هذه الانزياحات في الخطاب ، فهم يضمرون احتقارا نحو شعوبنا العربية والاسلامية - فهم وفق هذا التوصيف- لا يريدون التركيز على أولوية الحريات الديموقراطية حتى ولو كذبا وادعاء ، إذ أنهم في معمعان قتالهم في ساحة الحرب ، أعلنوا – على سبيل المثال – بإنهم سيحولون مسار أنابيب النفط من      الموصل إلى حيفا،فهل من يعلن هذا الإعلان آبه لرأي العراقيين أومهتم بكسب تأييدهم!؟
إلى ماذا نخلص ؟
إننا نخلص ببساطة : إلى أن الأنظمة العربية مطلوبة ، وأنها في الواقع أُكلت منذ أكل الثور الأبيض في الحرب التي شاركوا فيها جميعا إلى جانب أمريكا 1991 ، وأنهم سيؤكلون الواحد بعد الآخر ، والخيار الوحيد المطروح أمامهم ، هو اختيار الطريقة التي يفضلون أن يؤكلوا بها (شويا أم قليا أم مسلوقا) ،ولا داعي لأن يعتقد أحد أنه بمنجى لصداقته أو لعمالته ، فلن يقبل أحد ، حتى ولو قدم طلب انتساب إلى المخابرات الأمريكية ، إنهم يريدون الإشراف المباشرعلى المنطقة ، فما دامت بغداد سقطت بكل هذه السهولة ، فلن يكون هناك عاصمة عربية عصية على السقوط ، إن كانت أصولية دينية متطرفة "شيعية ، وهابيّة ، سنية " أو قوموية فاشية علمانية (بعثية) أو تقليدوية (ناصرية ) ،فكلها –وفق منطق العولمة الأمريكية –ديكتاتوريات متآكلة ومتهالكة كأنظمة وحركات فلا بد من ضربها آنيا أو استباقيا ...
الأمريكان اليوم ، بعد هذا السقوط الهليودي ، لم يعد السوبرمان الذي يطير متى يشاء ، نوعا من الخيال العلمي ، فكلهم الآن سوبرمان ورامبو ورامسفيلد وديكتشيني !
المآل: ليس من خيار سوى خيار المقاومة ، لكن كيف نقاوم  ؟
الجواب ، قدمه الصديق جهاد الزين في سلسلة أسئلته التي نشرها على حلقات في النهار ، ففي يوم الثلاثاء ، 8 نيسان 2003 ، يطرح هذا السؤال : " هل حصار بغداد ، غير حصار بيروت " ؟
ويتساءل إن كان هناك فارق بين مقاومة شعبية تدعم مقاومة عسكرية ، وبين مقاومة عسكرية صرف ...
نعم هذا هو الفارق ، وكل الفارق هنا ،لقد حوصرت بيروت من قبل الولايات المتحدة الإسرائيلية ، وهي التي لها كل ما لدى الولايات المتحدة الأمريكية من تكنولوجيا لا تفكر ، يضاف إليها التفكير الإسرائيلي الذي كون خبرات وتجارب قتالية أكثر مما كونته الولايات المتحدة الأم ، وأخفق الحصار بعد ثلاثة شهور ، دون أن تتمكن اسرائيل من اختراق بيروت ، لأن بيروت كانت تحميها شوارعها ، بأبناء بيروت ، بقواها ، بمؤسسات مجتمعها المدني ، بنقاباتها ، بإعلامها ، بصحافتها ، وصحافييها ، وكتابها ، وفنانيها ، لأن بيروت كانت كلها متوثبة ،متحفزة للقتال، وراء الفصائل العسكرية الوطنية المقاومة .
لكن بغداد – واحر قلباه - ليس فيها شوارع ، بل سجون ومعتقلات ، أبناؤها المخلصون مهاجرون أو معتقلون ، ليس فيها صحافة سوى ( الصحّاف ) ، ليس فيها إعلام ، سوى التصريحات ، ليس فيها كتاب ، بل كتبة التقارير ، ليس فيها فن وفنانون ، سوى المهاجر ، أو المقفل على نفسه الأبواب ، لم تقاتل بغداد ، ولهذا لم تسقط ، والسؤال : أليس خيار العراق اليوم للديموقاطية والوحدة الوطنية المدنية التعددية (دينيا،مذهبيا إثنيا ،طائفيا) هو الخيار الوحيد الممكن لمقاومة الإحتلال أو الإستلاب في حالة كذب الأمريكان أوصدق دعواهم في (الإحتلال او التحرير) ، لأنه يستحيل –عقلانيا ومنطقيا-أن يقبل الأمريكان بدولة "دينية" على أنقاض دولة البعث "القومية" ،دون أن يأتي على العراق تدميرا: دولة وشعبا وكيانا !؟
واليوم فإن النظام العربي بمجموعه مطلوب ، والتنازلات لا تفيد لأنها لا قاع لها ، ولا ضفاف ولا حدود ، وأمامنا التجربة العراقية التي لم يترك لها الأمريكان فرصة للتنازل إلا واجترحتها بدون خجل ، بما فيها القيام بالإنتحار الذاتي أمام الأمريكان من خلال تدميرصواريخ (الصمود.... مثلا)
إن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه ، هوأنه لا مقاومة لجيوش الأنظمة بدون جيوش الشعب ، وجيوش الشعب تقاتل من أجل سيادتها لا من أجل أسيادها ، والذين قاتلوا – حقا في بغداد - إنما هم أبناء البلاد العربية لأنهم أتوا طوعا لا كرها ، وتطوعا لا قسرا ، بإرادتهم لا بالتعبئة والتجييش في الجيوش النظامية التي لا تشكل أكثر من ( بودي كارد ) لأنظمتها ، ولصوصها .
لاعاصم اليوم للأوطان سوى فك أسر المجتمعات المدنية العربية ، وسلوك سبيل الإصلاح و(التغير) الداخلي ،لكي لا يستغل الإستنقاع الداخلي كغطاء شعاري ل( التغيير) الخارجي ،لابد من (التغير) الذاتي لمقاومة ( التغيير) الخارجي ، فبدلا من قوانين الطوارئ والأحكام العرفية ،ندعوا للإفراج الفوري عن كل المعتقلين السياسييين بكل تياراتهم الداعية للحوار والتعايش وقبول الآخر ، سيما وأنه ليس في سورية اليوم من يدعو الى (التغيير) بالقوة ،أوالإيمان بالعنف كاسلوب لممارسة السياسة، سوى السلطة نفسها .
ندعوا الى فتح ابواب الوطن امام كل ابنائه من المهاجرين كرها أو طوعا ، لكي يكون الوطن لكل أبنائه وبدون شروط سوى شروط المسالمة ونبذ العنف والتأسيس لدولة القانون ،ندعوا إلى الإفراج الفوري عن كل المعتقلين السياسيين ،وسجناء الرأي والضمير ، وفي مقدمتهم زملاؤنا الناشطون في لجان إحياء المجتمع المدني الذين أصطلح على تسميتهم بـ" العشرة الفضلاء" وذلك قبل الإفراج عن شيخ المعتقلين السوريين رياض الترك ،فبقوا تسعة وهم (د. عارف دليلة – رياض سيف –محمد مأمون حمصي - حبيب عيسى – د. وليد البني – د. كمال لبواني  - فواز تلو – محمد سعدون – حبيب صالح ) ووضع قانون للأحزاب ، ليتنافس المتنافسون في الدفاع عن الوطن والأرض ، وإطلاق الصحافة وحريات التعبير والتفكير ، والتأسيس للشرعية الدستورية كمدخل ضروري لتاسيس دولة القانون والقضاء  والقضاء .
 لابد من الشروع في (التغير الداخلي) ومن ثم المراهنة –خارجيا- على دور المحور الأوربي بقيادة فرنسا وروسيا وألمانيا في مواجهة وحيد القرن الأمريكي ، ليس بشكر المحور الأوربي فحسب ، بل بالمبادرة الفعلية لنقل مركز ثقل المصالح العربية المشرقية والخليجية والمغربية إلى أوربا ، من أجل المزيد من عزل الولايات المتحدة وشريكتها بريطانيا ، فهي رغم انتصارها العسكري ، لا تزال تفتقر إلى الشرعية السياسية بل والأخلاقية ، سيما وأن أكاذيبها عن أسلحة التدمير الشامل افتضحت ، وتأكدت الحكمة التاريخية القائلة : أن الكذب في الولايات المتحدة يمشي –دائما- مرفوع الجبين !
ولا بد لنا – في هذا السياق – أن نخاطب أصدقاءنا من الباحثين والمفكرين والمستشارين الأوربيين ، أنهم - يورطون سياساتهم الخارجية ، وقيادات بلادهم ،لتبني بعض الأفكار الإستشراقية الساذجة  والمقيتة التي مفادها " أن الديموقراطية في العالم العربي ترف كمالي " مما قادهم إلى بناء علاقات مع أنظمة مخجلة في درجة افتئاتها على حريات شعوبها ، وامتهانها البشع لحقوق الإنسان .
ويدخل في هذا الإطار العلاقات المميزة التي كانت لفرنسا مع النظام العراقي ، والتي كانت هذه الهزيمة المخجلة نتاجها ومآلها البائس ، من حيث التعويل البرغماتي على نظام ريفي ، رعاعي معدم ،شبه أمي ، جاهل ، لا يجد وسيلة لإثبات ذاته إلا عبر القمع   والوحشية والقتل .
إن السيد الرئيس (جاك شيراك) ، يعرف جيدا بغداد ودمشق في الخمسينيات - أي ما بعد الإستقلال وما قبل الثورات الوطنية الانقلابية القوموية الشعبوية - فإنها كانت تتمتع بفضاءات مفتوحة (نسبية) لمؤسسات المجتمع المدني ، حيث البرلمان مؤسسة تشريعية حقيقية ، والإنتخابات تتنافس فيها الأحزاب المتعددة سلميا ، وعشرات الصحف والمجلات التي لا يحد حريتها سوى المسؤولية الوطنية ، ومؤسسات قضائية ليس لأحد أن يكون أكبر منها ، وتناوب وتداول سلس وسلمي للسلطة ، وسلطات إدارية حرة ومستقلة ،منظمة وحديثة ،تم تآكلها .
إذا كان الأمر كذلك في زمن الإستقلال ،وهو كذلك فعلا ، فكيف كان لآبائنا أن يعيشوا بعض مكتسبات الديموقراطية منذ نصف قرن ، بينما هي تعتبرترفا كماليا- لنا اليوم- كما يرى بعض الخبراء والممستشارين الأوربيين ؟
إذن ، يمكن للأنظمة العربية المراهنة على المحور الأوربي بقيادة فرنسا ، أن- تراهن فعليا– على تحقيق ثورة ديموقراطية بيضاء ، تطلق قوى الشعب والحريات السياسية والثقافية التي مرجعيتها الأولى دولة القانون المؤسسة على مؤسسات المجتمع المدني ،في سبيل الإصلاح السياسي والإقتصادي والإداري دون أن تفرض علينا تلك (الإتاوات الديموقراطية المرعبة ) التي يبشرنا بها الامريكان ،نعم يمكن المراهنة على هذا المحور بقيادة فرنسا لأن هذه الدول الثلاث تملك من التراث الثقافي : الفكري والفلسفي والأدبي والسياسي ، وميراث عميق وأصيل لدور وفعاليات المجتمعات المدنية وحراكها الإجتماعي الديموقراطي الثوري  ماهو كفيل بتجديد شباب الإنسانية !
فلا سبيل أمامنا سوى الشروع – وللتو- في التحضير لمؤتمرات وطنية تؤسس للمصالحة الوطنية عبر الشفافية والمصارحة ، فغياب الشعب وساحات المجتمع المدني ، هي حلقة الضعف المركزية في مشروع المواجهة القائمة ،إن كان الأمريكان كاذبين أم صادقين في"دعواهم اليموقراطية" ،فإن كانوا كاذبين ،فإن الوحدة الوطنية والمصالحة الديموقراطية بين الدولة والمجتمع هي ضمان المقاومة ، وإن كانوا صادقين نكون صنعنا مشروعنا الديموقراطي  بيدنا لا بيد "عمرو" ،بمشيئتنا لا بمشيئة رامسفيلد وبوش !
إن الوحدة الوطنية المؤسسة على المكاشفة والمصارحة والمصالحة الوطنية الديموقراطة بين الدولة والمجتمع هي فرصتنا الأخيرة للمقاومة حربا أم سلما ...