هل سقوط حزب البعث خسارة؟

عبد الرزاق عيد*

 

في صبيحة اليوم الأول 30 نيسان يوم افتتاح مؤتمر إشهار الحداثة العربية في بيروت، كان أول رد فعل لافت هو رفض شاكر النابلسي، توصيف نصر حامد أبو زيد للإحتلال الأمريكي للعراق بوصفه (عدوانا أمريكيا على العراق) على اعتبار أن هذا التوصيف ايديولوجي وسياسي يصدر عن رئيس الجلسة الذي يفترض به الحيادية، والملفت للنظر أن رأي النابلسي مرّ من دون أية ردود فعل، لولا بعض الهمهمات، حيث لم يتصد أحد من المشاركين للرد عليه، بما فيهم رئيس المؤتمر نصر حامد أبو زيد المعني بالنقد.

 

هذه الأطروحة ألقيت أمام نظر أكثر من 150 مثقفا :كاتبا، وباحثا، ومفكرا من كل أنحاء العالم العربي، ومرت بصمت يشي بأن هكذا أطروحة أصبحت تدخل في إطار "الممكن التفكير به دون تكفير" بل حتى دون رد أو تفنيد، إذ يبدو أن الفكر العربي يعيش مرحلة من التمزق العقلي لا تجد رأبا لها إلا فيما سمته إحدى فرق الكلام بـ"نظرية تكافؤ الأدلة" التي كانت أولى محاولات تلمس نسبية الحقيقة في الفكر العربي حيث الأطروحة والأطروحة المضادة تتمتعان بنصيب واحد من الاقتراب أو الابتعاد من الحقيقة، فالذات والصفات، والجوهر والعرض،،الممكن والواجب، الوجود والعدم، كلها تتقبل الاثبات والنفي، إذ أن الأدلة –حسب رأيهم- حول وجود الخالق تتكافأ مع الأدلة حول نفيه، وهكذا سينهض جدل علم الكلام، كعمق فلسفي تاريخي للجدل الهيغلي، الذي سيرتقي في علاقة جدل الطرفين "الأطروحة والأطروحة المضادة " إلى حد لن تتكافآ وتتجاورا فحسب، بل إن جدلهما سيفضي إلى تركيب نوعي جديد (Synthese) تلك النتيجة الهيغلية المؤسس لها سوسيولوجيا في سياق التطور العلمي والتقني للمجتمع البرجوازي الحديث، لن يقيض تاريخيا للمجتمع العربي أن ينجزها بله أن يدخلها، لهذا بقي في أرقى تجلياته عند حدود التجاور المتكافيء للأطروحتين، رداً على أسوأ تجلياته الاستبدادية في السياسات والعقائد القائمة على تدمير الأطروحة للأطروحة المضادة !

 

هذا المظهر الجدلي الما قبل هيغلي، هو الذي يفسر لنا كيف أن أطروحة من هذا القبيل قد وردت في الموضوعات البرنامجية للحزب الشيوعي "المكتب السياسي" بزعامة رياض الترك، دون أن تترك أصداء كبرى رغم تحالف حزبه مع خمسة أحزاب قومية ويسارية أخرى ...!

 

إذ تقول الموضوعات "... وأخيرا أحداث الحادي عشر من أيلول التي أعادت بعدها الولايات المتحدة النظر في سياساتها في الشرق الأوسط، لترى إنهاء مصالحها في دعم الاستبداد العربي الذي استمر حوالي النصف قرن، ولتبدأ في تشجيع الإصلاح والانفتاح على مزيد من المشاركة السياسية، لتجفيف البيئة التي ترى فيها منبعا للتطرف، مثل هذا التغيير سيلبي احتياجات السياسة الأمريكية في عصر العولمة... "

 

هذا الفصيل السياسي الأكثر راديكالية في الحركة الديموقراطية السورية والاكثر قومية بل (قوموية شعبوية) في فترة السبعينات التي قادته للقطيعة ومن ثم الانقسام عن جسم الحزب الأساسي الرسمي الذي احتفظ بالشرعية الدولية (السوفيتية) ، بل إن رياض الترك ذاته يتحدث عن أن الاحتلال الأمريكي أعاد العراق إلى لحظة الصفر الذي يمكن أن "يفتح طريق المجتمع العراقي نحو الديموقراطية" وفق تعبير الموضوعات في حين ان النظام سابقا كان يقود المجتمع إلى ما تحت الصفر إلى الهاوية...

  

رياض الترك يتمتع بحصانة تاريخه القومي واليساري، ومجموع عشرين سنة قضاها في المنفردة، ضد كل فيروسات التشكيك بوطنيته، وقومويته، ويساريته وطهرانيته النضالية الأخلاقية التي تسمو فوق رؤوس جميع من يفكر أن ينال من رأسماله الرمزي الوطني والديموقراطي ...

 

رياض الترك يبدو متقاطعا مع الأطروحة القابلة للتفكير بها، "وهي أن مصلحة امريكا في دعم الاستبداد قد انتهت، وأنها تشجع الإصلاحات والانفتاح على مزيد من المشاركة السياسية " وفق صياغة موضوعات حزبه الذي هو على أبواب مؤتمره، والذي يعتزم على الأغلب تغيير اسمه باسم "الحزب الديموقراطي الاجتماعي".

 

ماالذي قادنا إلى هذه المقدمة النظرية التحوطية، إنها النزعة "القوموية الشعبوية الرغبوية" التي لا زالت تتحكم في الخطاب القومي الاسلامي للفرق (الخوارجية) التي لم ترتق إلى مستوى التسامح العقلي لفرقة (تكافؤ الادلة).

 

أما ما استدعى هذه المقدمة، هو مقال عبد الإله بلقزيز في النهار السبت "1 أيار 2004" تحت عنوان "نظام البعث" واحد من سبعة خاسرين في العراق.

 

المشترك بيني وبين هذا الرجل كان أكثر بكثير من دواعي الاختلاف، ويشدني إلى ما يكتبه تلك النكهة النظرية التي تنقذ النص السياسي من ركاكة الفكر اليومي، فالرجل يدخل حقل السياسة من باب الفكر، ليقدم نصا يمارس السياسة ليس كخبر وحدث يحرض الحس الصحفي، بل كوعي وخيار وموقف يحرض الأفق النظري القادر على انتاج السياسة كممارسة عليا.

 

هذه المشتركات التي كانت تقودني لمتابعة كل ما يكتبه، سرعان ما اصطدمت بـ 9 نيسان تاريخ الاحتلال الأمريكي لبغداد، إذ قد وجدت ان هذا الحدث المهول لم يصدم أفق انتظار بلقزيز، ولهذا ظل يكتب نصا امتدادا لمألوف خطابه، دون أن يتزلزل نظام الخطاب فيصدم أفق انتظار القارئ وفق اقتراحات أمبرتو إيكو عن النص القادر على ممارسة انزياحاته عن المألوف والعادي، إذ لايزال الأخ بلقزيز ينظر للحالة العراقية بوصفها "أفقا قوميا" تمت خسارته من رصيد "الامن القومي" العربي !

 

نعم حتى 9 نيسان كانت تراودني –والكثيرين غيري- بعض الرغبات الدفينة من أضغاث الأحلام، لعل وعسى هذا النظام - رغم أنه يمثل ذروة كابوسية طغيان النظام العربي ورغم امتهانه وسحقه كرامة وإباء الوطنية العراقية- نقول: لعل وعسى أن يعوض عن كل هذا البلاء القومي بنوع من القوة الاستراتيجية للـ"الأمن القومي العربي" سيما وأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت مصرة على تأكيد امتلاكه للأسلحة الاستراتيجية،واستطاعت أن تجيش الأمم المتحدة ودول العالم حول هذا الخطر الذي تشكله قوة العراق العسكرية الاستراتيجية !

 

كنا نغص بزقوم الاستبداد العربي وما تشكله رمزية النظام العراقي على هذا المستوى، لكنا كنا نمني النفس بأن ثمة نظاما عربيا واحدا على الأقل يفكر بامتلاك قوة عسكرية تتجاوز حاجة الحفاظ على العرش، وأن له مشاريعا استراتيجية على مستوى التوازن العسكري مع اسرائيل ... عسى ولعل ...

 

لكن هاهو الأخ بلقزيز يطمئنا بانفضاح "أزعومة امريكا حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل".

 

فعلى ماذا تبكي وتبكون إذن يا أخ عبد الإله ؟

 

هل يعقل أن نبتلع طعم "الأزعومة الأمريكية" بعدم شرعية امتلاك العرب للأسلحة الاستراتيجية، بينما اسرائيل هي الوحيدة من يحق لها ذلك ؟ لتطمئننا بانفضاح الأزعومة الأمريكية ! فإذا كان العراق (البعثي) ليس لديه هذا السلاح (المزعوم)، فماذا يتبقى إذن لهذا النظام من أهمية أو قيمة قومية ليؤسف عليه ؟ سوى امتلاكه القدح المعلى في درجة وحشيته بافتراس مجتمعه؟

 

هذه الأزعومة موجهة للغرب لكي يبرر الأمريكان تدخلهم في العراق، لكن ليس لنا نحن العرب الذين طالما صمتنا على جرائم هذا النظام وسكتنا على سفحه لكرامتنا الإنسانية مقابل طموحه (القومي) المفترض لامتلاك التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل، سيما بعدما قامت اسرائيل بضرب المفاعل النووي الذي كان يعتزم بناءه !!

 

الكوريون كانوا أحد أساتذة (البعث) في بناء النظام الشمولي وعبادة الفرد، لكن الكوريين الذين سحقوا الحريات الفردية لشعبهم، عوضوه كرامة وطنية وقومية تفرض ميزان قواها الاستراتيجي واحترامها على الجميع...

 

ماذا يتبقى لنا من هذا النظام لنأسف عليه سوى وحشيته ؟ عندما يتبين لنا أنه لايملك لا سلاحا استراتيجيا، ولا سلاحا شعبيا، ولا سلاحا مجتمعيا، ولا سلاحا ايديولوجيا وطنيا قادرا على تعبئة الشعب والمجتمع للدفاع عن بغداد التي لم تصمد يومين ...!

 

هل يعقل أن يبقى مثقف عربي من طراز بلقزيز يبحث عن مبررات وأعذار لهزيمة النظام وحزبه "البعث" بأنه "ماكان له أن يفعل غير ذلك أمام آلة حربية متطورة " دون أن يلحظ أن هزيمة هذا النظام تكمن في مدى عزلة هذا النظام عن شعبه ومجتمعه، ودون أن يلحظ أن بيروت صمدت شهورا أمام آلة حربية ليست أقل تطورا، رغم انها ليس لديها سرايا القدس المؤلفة من "سبعة ملايين" كذبة !

 

ودون ان يلحظ أن "مخيم جنين" كان أكثر منعة، وقوة، وكلفة للاحتلال من بغداد "قلعة الأسود" ؟!

 

والأغرب من ذلك أن الأخ بلقزيز يتحسر على خسارة نظام "حزب البعث" وخروجه من "الحياة السياسية" وكأن في العراق حياة سياسية ...! بل ويعزو هذا الخروج إلى "سياسة الاستئصال" التي نهجها الاحتلال والمتعاونون معه، وكأن حزب البعث -بالأصل- قد خاض حربا ضد الإحتلال حتى يستأصل ...! وأن (البعث) " كان عليه –حسب بلقزيز- أن يمحى من الخريطة السياسية حتى يستقر الاحتلال "، إن المرء ليدهش بحق تجاه هذه الاستنتاجات التي تغدق على (البعث) حضورا وهميا زائفا وكاذبا لايستحق شرف "المحي"، بعد أن كانوا (ممحيين) بالأصل، بل كانوا هباء عندما اغتصبت القوات المريكية بغداد التي محاها (البعث) اغتصابا ...

 

من هم البعثيون الذين استأصلهم الاحتلال؟ ألم تستسلم كل قياداته (التاريخية) و(قائده الضرورة) وأخرجوا من جحورهم كالفئران المذعورة، دون أن نسمع عن واحد منهم نال شرف الشهادة ؟!

 

مما يجعل من قادة طالبان أمثولة على مستوى الشجاعة الفردية على الأقل بغض النظر عن رأينا في كلا المشروعين البعثي والطالباني.

 

إذا كان ثمة عمليات استئصال فهي التي تمت في داخل البعث ذاته وعبر تاريخه، أي لم تكن إلا بإيدي (الرفاق البعثيين) ذاتهم وخلال كل تاريخ حكمهم الوحشي ...

 

هل الاحتلال هو الذي محا البعث، أم أن البعث قد محا نفسه عندما انحل إلى مستوى مافيات مالية وأمنية ؟ وحول جيشه (القومي) إلى "جيش حرس جمهوري" يخوض كل الحروب التي تدعم سلطانه ونظامه، إلا الحرب الوحيدة التي طالما توهمنا أنه يبني قوة عسكرية استراتيجية ليواجه استحقاقاتها وتحدياتها، وهي المعركة مع اسرائيل فإذا بالكيماوي لا يستخدم إلا ضد الشعب الكردي !

 

لقد تنبه مثقف قومي يساري ديموقراطي ببصيرة نافذة، وهو ياسين الحافظ منذ حرب حزيران 1967، إلى أن هزيمة حزيران كانت ثمرة ايديولوجية مهزومة، أو هي تتويج لها، وهي الايديولوجيا القوموية، التقليدوية، الشعاراتية،الظفروية في تنويهها بالذات (ذات الأمة بله ذات الفرد)، الديماغوجية، ذات البداوة الطبقية السوسيولوجية، والشلف التأويلي معرفيا وإيديولوجيا، والاستبدادية (الديكتاتورية- الكاريكاتورية) التي أعادت مجتمعاتها إلى ما قبل المرحلة الكولونيالية، أي إلى استعادة مرحلة النظام العثماني والمملوكي، لكنها إذا كانت تعيد -بذلك- التاريخ مأساويا، فإن البعد الكاريكاتوري (المسخرة) كان يتأتى من أن قادة هذه الأنظمة (القوموية الثوروية) لم تكن تملك –على الأقل- إرادة المواجهة كما امتلكها قادة العثمانيين والمماليك الذين ذادوا عن حياض الأمة وكرامتها ...

 

إذن وفق هذه القراءة لصاحب المنطلقات النظرية لحزب البعث، فإن حزب البعث وإيديولوجيته المهزومة يكون –تاريخيا وموضوعيا- قد خرج من "الحياة السياسية" منذ هزيمة 1967... وما الأربعين سنة التي تلتها إلا افتئات على التاريخ ومصالح الأمة ومستقبل الأوطان، لأن المجتمع العربي لو واصل مسيرته المدنية الديموقراطية بدون الوأد الشعبوي الانقلابي العسكري لهذه السيرورة لكان قادرا بعد 1967 أن ينبذ آليا وفق (ميكانيزمه) الديموقراطي القوى المهزومة وايديولوجيتها المهزومة، ويرشح قوى جديدة لتحتل مقدمة مسرح التاريخ، دون أن تخسر مجتمعاتنا أربعة عقود من عمرها الاقتصادي والسياسي والعسكري والاجتماعي والثقافي، لنعود إلى ما قبل منجزات مرحلة الكولونيالية ، حيث ستتقوض هذه المنجزات بتقوض الطبقة الوسطى التي تمثل الحامل التاريخي للقيم الثقافية الوطنية والديموقراطية الحداثية، لينشأ على أنقاضها تحالف طبقي /سياسي/ ثقافي يتشكل من (البداوة- القبيلة- رعاع الريف- حثالات المدن) مما سيبعث حنينا لدى الشعوب إلى منجزات الزمن الكولنيالي، ويهيء إلى تجديد سيكولوجيا "قابلية الاستعمار" بعد أن دك الاستبداد الجديد شعور الوطنية لدى المجتمع ودمرها من خلال تدميره للمواطنة، التي تحيل إلى حقيقة مفادها: "أن لا وطنية بلا منظومة حقوقية قانونية تحول الجغرافيا إلى مجتمع، والسديم البشري البرزخي إلى كتلة بشرية تاريخية متجانسة .." .

 

لقد أوقفوا التاريخ أربعين سنة استنادا إلى القاعدة التراثية التليدة :"من اشتدت سطوته وجبت طاعته" وعطلوا ممكنات التقدم والإصلاح فأتت الدبابات الأمريكية جزاءا وفاقا (عقابا إلهيا أو إتاوات التاريخ حسب غرامشي) ... لأنه بعد اليوم لن يكون لدينا ترف حرية تعطيل التاريخ، وإيقاف حركة الزمن في هذا الفضاء العربي المترامي الأطراف كمقبرة، إذ غدا هذا الفضاء محكوما بفضاء عالمي يتكثف فيه الزمان ويضيق فيه المكان، فلن تتيح ثورة المعلومات لأحد الاسترخاء والتثاؤب القروسطي لإسجاء الوقت بهدف تجنب السقوط في الفراغ الذي فيه يحفرون، ولصالح مجموعات من اللصوص والمافيات من الأفخاذ والعشائر والطوائف والعصبيات يسرحون ويمرحون، إذ لم يعد متاحا في هذا الزمن العالمي المكثف في "عولمته" الجارفة التي لا تأبه إلا لقانونياتها الداخلية احترام أكاذيب السيادة التي تعطي الجلاد حرية سلخ جلد شعبه، وتلفيقات الخصوصية التي تعتز وتترنم بميراثها الاستبدادي بوصفه خيارنا (الديموقراطي) الوحيد، لم يعد متاحا لأحد أن يقف عقبة أمام مسار البشرية نحو المزيد من إخضاع المستحيل باسم أية عصبية كانت (قومويةاثنية- اقوامية- دينية – مذهبية ... الخ)

 

منذ أربعين سنة كان علينا أن نتعلم من هزيمتنا الساحقة أمام اسرائيل أن سر تفوق العدو يكمن في سر تلك العلاقة العضوية بين التحديث والحداثة، التحديث: حيث تحديث البنى المادية العلمي والتقني، تناظره وتسانده وتعززه وتحققه وتتحقق به الحداثة : بمثابتها تحديثا للبنى الذهنية والعقلية والروحية، فلا تحديث مادي، تقني، تنموي، بلا حداثة ذهنية، معرفية، وثقافية، وعلى هذا فإن تحديثنا سيظل زركشة على سطح واقع مفوّت وبائت وغائب عن الوعي بلا حداثة العقل التي أنتجت تحديث التقنية، وذلك منذ مأزق تحديث محمد علي الذي أراده تحت عمامة الطهطاوي، إلى تحديث( البعث) الذي تم تحت عقال القبيلة أو الطائفة التي هي مزيج من عروبة بدوية وتدين ذرائعي مبتذل كاذب، أي ان مشروعنا النهضوي قد أخفق عندما راهنا منذ قرنين على "التحديث بلا حداثة" إذ لا زلنا نتوهم حتى اليوم ممكنات ذلك (الحصول على السلعة بدون تاريخها الفكري والثقافي الذي أنتجها ) فإذا بنا بعد أن غبنا عن عصر الصناعة – حسب مهاتير محمد- سنغيب عن عصر المعلومات ...!

 

الغريب أن الأخ بلقزيز يبكي خسارة نظام البعث دون أن يستشعر هذا الانحطاط العثماني-الذي استشعره أرقى منظريه- الذي قادنا البعث إلى قعره، ودون أن يستشعر هذا الحدس السياسي الفذ للكواكبي عندما كان يتساءل إبان تلك الفترة في وجه الرجعية (القوموية والأصولية) المستمرة إلى اليوم، ناكئا متغلغلا في عمق الجرح الذي خلفه الاستبداد في صيغة (قابلية الاستعمار التي أنتجها في وعي ولاعي شعوبه) وذلك في صيغة هذا التساؤل المرير الذي أطلقه الكواكبي منذ أكثر من قرن "ما الفرق على أمة مأسورة لزيد أن يأسرها عمرو؟!" لأن مثل هذه الأمة " مثل الدابة التي لا يرحمها راكب مطمئن مالكا كان أو غاصبا".

 

أليست هذه حال الشعب العراقي خلال أربعين سنة نحو راكبهم وآسرهم (حزب البعث)؟!

 

تأسيسا على ذلك غدا من المستحيل أن يكون هناك فعل تحرر دون حرية بالأصل، أي لا فعل تحرر وطني ضد الخارج دون حرية سياسية في الداخل، فالاستعباد الداخلي هو الذي يهيء للاستعباد الخارجي، لأن العبودية هي العبودية، إذ العبد لا يتقن الكر، هكذا تقول لنا أمثولة عنترة، والمسترق المستعبد يستشعر وطأة استعباد وظلم الأهل وأبناء الوطن بوصفه أشد مضاضة من استعباد الغريب (وظلم ذوي القربى) ....

 

نعم الحرية هي مقدمة ضرورية للتحرر، ولا تحرر من الخارج بدون حرية الداخل، ومن هنا استشعار أغلبية الشعب العراقي أن التحرر من الاحتلال الأمريكي غدا ممكنا ومتاحا تاريخيا أكثر من أي وقت مضى، بعد أن أعمى الاستبداد بصرهم وباصرتهم وبصيرتهم وشل ارادتهم وقواهم وعزائمهم، إذ الاستعباد يغلق منافذ الروح والعقل ويحول الكائن إلى هباب وغبار بدد ... بدد ...

 

هل نستطيع بعد هذه المطالعة أن نفهم مغزى الصمت الذي ساد قاعة مؤتمر اشهار المؤسسة العربية للتجديد الفكري، أي صمت إحدى النخب الفكرية العربية تجاه من لا يقبل أن يعتبر الاحتلال الأمريكي عدوانا ! وينظر الى هذه الأطروحة بعين تسامح مدرسة "تكافؤ الأدلة " ؟

 

هل نستطيع أن نفهم مغزى أطروحة رياض الترك عن (الصفر الاستعماري) الذي يتيح التحرر من الاستعمار، إذ يفتح الطريق أمام العد التصاعدي على طريق الحرية والتحرر والديموقراطية، بينما استبداد وطغيان نظام البعث –المأسوف عليه وفق خطاب بلقزيز- لم يكن ليفتح سوى نفق الهبوط إلى الجحيم، إذ العد التنازلي تحت الصفر(البعثي) هو هبوط بآدمية البشر إلى هاوية لا قرار لها، تماما كالعبودية التي ليس لها حدود ...

 

* كاتب سوري - حلب