على طريق المواجهة

أيلول ثلاثية الأحزان والأمل

                   رجاء الناصر

في كل عام نستعيد أحداث ونكبات الثامن والعشرين من أيلول / سبتمبر حدث انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة . هذا الحدث الذي شكل فاتحةً لنكسات وانكسارات تمثلت في غياب المدّ الوحدوي العربي وتمزق حركة التحرر العربية ، ودخولها في نفق التجارب القطرية " الثورية " تلك التجارب التي بعثت وكرست الكيانية القطرية والإقليمية الجديدة في مواجهة حركة التوحيد الغربية وفتحت الطريق أمام انتكاس حركة التحرر في مواجهة العدوان الصهيوني الأمريكي في حرب 1967 .

وحدث غياب عبد الناصر الذي شكل قيادة عربية جامعة بمعناها الشعبي ، حيث تقاطعت عند تلك القيادة وحدة القرار الشعبي العربي ، وقطبية الموقف العربي على المستوى الدولي وجاء هذا الغياب ليكشف غياب الدولة العربية ، وغياب الإرادة الموحدة ، فتفرق الشمل العربي وتبعثر  وصولاً إلى ما نحن فيه من غياب للقضية القومية وللهوية العربية .

وحدث تدنيس شارون للمسجد الأقصى التي فجرت عوامل انتفاضة الأقصى التي لا تزال عقابيلها ونتائجها وبعض مسيرتها متفجرة في ارض فلسطين ، ولتعيد بعض الحيوية إلى الشارع العربي بعد غياب قسري طويل قبل أن تتحول إلى ملحمة عنيفة نتيجة انفلات العنف الصهيوني إلى حدوده القصوى دون أي رادع دولي أو إقليمي .

ولكن كما اعتدنا في هذه المناسبات لا نريد أن نقف عند تلك الأحداث لنبكي على أطلال التاريخ ، ولا لنهرب إلى لحظة مضيئة نعوض بها عن بعض هزائمنا وإنما لنقف عند اللحظة الراهنة ولنستشرف المستقبل دون قطيعة مع ذلك الماضي ودون استغراق فيه أيضاً .

سنقف عند الماضي بقدر ما هو قادر على منحنا خبرات لمواجهة الواقع وضع المستقبل فتلك هي أهمية هذه المناسبات وأهمية أحيائنا لها .

أولاً : حدث الانفصال ومن ثم تكريسه باسم " ثورية مفرطة " أو خصوصية إقليمية غير مبررة يدفعنا للبحث في مسالتين :

أولاهما : فكرة الوحدة العربية ذاتها ، وهل لا تزال هذه الفكرة بعيداً عن الحلم الرومانسي قادرة على أن تكون مصدر قوة للأمة العربية وهل بعد كل ما حدث من تطورات لا نزال نؤمن بأننا أمة عربية واحدة تتطلع إلى وحدتها باعتبارها مصدر قوة ومدخلاً لتقدمها .

إن التخلي عن الهوية القومية للأمة فتح الطريق ليس إلى هويات قطرية كما يتوهم البعض فالدولة القطرية العربية بسبب غياب مؤسسات المجتمع المدني فيها ، ما هي إلا دولة أمنية يشكل الجهاز الحكومي ( بما فيه السلطة الأمنية ) عامل وحدتها ، وفيما عدا ذلك فكل مظاهر ما قبل الدولة / الأمة لا تزال موجودة ومسيطرة في الدولة القطرية من عشائرية وطائفية ومذهبية وجهوية وعائلية .

مؤسساتنا الأهلية بمعظمها تكرس الانقسام ولا توحد المجتمع فالنوادي والجمعيات وحتى كثيراً من الأحزاب عند وجودها هي مؤسسات عشائرية ومذهبية والخلافات فيما بينها أو في داخلها تعكس هذا الانقسام والأمثلة كثيرة ومعاشة .

الدولة / القطرية العربية وجدت مشروعيتها الوحيدة من الخارج فهو الذي شكل تلك الدول وهو الذي منحها الشرعية الدولية ، عبر الاعتراف الدولي وعبر منع توحدها وكلنا يذكر دور هذا الخارج في منع ممارسة الوحدة العربية وإذكاء عوامل التفرقة فيما بين الأمة العربية .

الأمة إما أن تؤكد هويتها القومية أو تضمحل ولتضمحل معها الدولة القطرية التي أثبتت عجزها عن تحقيق وظيفتها في توفير الأمن والعدل والتقدم .

المشاريع المطروحة اليوم على الأمة هي أحد خيارين :

أولهما : تمزيق الدولة القطرية بعد نزع هويتها القومية ، وإعادة صياغة هذه الدولة على قاعدة الكانتونات الطائفية والمذهبية ، والعراق والسودان هما النموذجان الأكثر تجسيداً لنزعة التقسيم وإعادة التركيب ، إن صياغة السلطة والدولة في العراق تحت ظل الاحتلال يجري على قاعدة الطائفية والمذهبية وليس على قاعدة الدولة الوطنية ، فمجلس الحكم الانتقالي تم تشكيله وفق الحصص المذهبية 13 مقعداً للطائفة الشعبية وخمسة للطائفة السنية وواحد للطائفة المسيحية وآخر للتركمان ، وخمسة للأكراد . إن هذا التقسيم لا يعكس الأمر الواقع ولكنه يصنع واقعاً جديداً المرجعية فيه للطائفة وللجماعة العرقية فعبرهما فقط يمكن تحقيق مكاسب من سلطة الدولة المركبة ، وفي السودان هناك إصرار على تحقيق مخطط مشابه وهو مخطط يتعدى مشكلة الجنوب وملابساتها ليكون الانفصال والتركيب هو قاعدة صياغة الدولة الجديدة وفق المخططات المطروحة للسودان .

ثانيهما : دمج تلك الكيانات المعاد صياغتها في كيان جغرافي تتوزع معامل القوة فيه كيانات كبرى أو قوية خارج المنظومة العربية " الكيان الصهيوني وتركيا" وهي صياغة تتم على قاعدة المكان والجغرافيا فقط بعد شطب اللغة والثقافة والتاريخ " وإذا كانت مشاريع التقسيم تمتلك بعض عواملها الذاتية المنسحبة من زمن تاريخي منقرض فإن مشاريع التوحيد الشرق أوسطي لا تمتلك أية عوامل حقيقية وإنما ترتكز إلى القوة الخارجية وحدها ، قوة المخطَطَ وقوة المخطِطِ .

ويبقى هنا سؤال محق إذا كانت الوحدة العربية غير ممكنة أو مستحيلة عند مروحي الشرق اوسطية رغم ما تمتلكه الفكرة القومية من عوامل الجغرافيا والتاريخ والثقافة الخ فكيف يمكن تحقيق وحدة أو نظام شرق أوسطي يعتمد على الجغرافيا وعلى قوة الضغط الخارجي وحدهما كعوامل توحيد ؟!

الوحدة ستبقى طريقاً وحيداً لكن الوحدة اليوم لم تعد ممكنة التحقيق كأي فعل أو إنجاز تقدمي عن غير طريق الديمقراطية والمسألة هنا ليست ترفاً فكرياً أو نظرياً وإنما هي قراءة للواقع ولمعطياته ، النضال الديمقراطي هو اليوم في أحد أوجهه نضال من أجل الوحدة ومن اجل التقدم ومن أجل الكفاية والعدل .

ثانياً : قضية غياب عبد الناصر يطرح علينا إشكالية دور الفرد في التاريخ ودور الفرد في صنع المستقبل ، إن قيادة تاريخية بحجم عبد الناصر أنتجت لحظة تقدم في تلك المؤسسات ولكنها لم تستطيع أن تمتلك سيرورة تاريخية قادرة على التجدد بعد غياب هذا القائد ولعل هذه أهم إشكاليات القيادة التاريخية التي تمنع بالضرورة وليس بالإرادة ولادة تلك المؤسسات . أن هذا يطرح علينا ضرورة تعميق العمل المؤسساتي وضرورة بناء مؤسسات المجتمع المدني وتطويرها حتى يصبح المجتمع كله صانعاً للتقدم .

ثالثاً : قضية الانتفاضة تستحق وقفة هادئة لقراءتها وقراءة آثارها الراهنة على الوضع الفلسطيني .

النقطة الهامة في هذه القراءة هي قراءة القاعدة التي قامت عليها الانتفاضة ، فهي رغم ما حققته من إجماع فلسطيني وعربي إلا أنها في الواقع قامت على رؤيتين مختلفتين :

الأولى : تنظر إلى الانتفاضة باعتبارها عامل تفعيل للعملية السلمية ولإخراج المفاوضات من حال التعثر التي وصلت إليها بعد كامب ديفيد وقبله .

الثانية : ترى في الانتفاضة جزءاً من حرب التحرير الوطنية المستمرة حتى تحقيق الانتصار الكامل على العدو من خلال تدمير مشروعه .

ورغم وجود الكثير من التوافقات بين الطرفين من حيث اعتبار العمل العسكري جزءاً من العمل السياسي وفي خدمته إلا أن هناك خلافاً قد بدا جزئياً ولكنه ألقى الكثير من الظلال ، فأصحاب رؤية التحريك كانوا على استعداد مسبق لانتهاز أية فرصة للعمل السياسي ، أما أصحاب الرؤية المغايرة فقد حاولوا تحقيق أهداف مرتبطة بنهج التحرير أي الدفع للوصول إلى مكاسب سياسية تساهم في خلق ظروف تساعد على استمرار الطرف الفلسطيني في إدارة الصراع لتحقيق أهدافه الاستراتيجية . أصحاب منهج التسوية عملوا على قاعدة " إنقاذ ما يمكن إنقاذه " وكانت محصلة الإنقاذ أنهم لم يستطيعوا حتى إنقاذ أنفسهم . أصحاب الرؤية الأخرى وجدوا أيضاً أنه في ظل حدة الهجمة الأمريكية الصهيونية المنفلته من عقالها وفي ظل العجز العربي المفرط أنهم بحاجة إلى مخرج سياسي مؤقت إلا أن عدم وجود تناغم وتفاهم بين أطراف المعادلة الفلسطينية على غرار التفاهم اللبناني ،أدى إلى نوع من الفوضى النضالية السياسية وتمكن وحده السياسي العتيق ياسر عرفات من الاستفادة من هذا الوضع ليعود رقماً أساسياً لا يمكن انتزاعه إلا بالتوجه إلى مزيد من الفوضى والعنف المنفلت من قواعد العمل السياسي والعسكري المحسوب في إدارة الصراع وتنظيمه لكنه مكسب مؤقت ما لم يحصن باستعادة التفاهم الداخلي والإقلاع عن إعادة إنتاج حكومة أبو مازن بوجوه أخرى

في سياق هذه الأحداث جميعها يبرز الحدث العراقي أي احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وهو حدث ألقى بظلاله على جميع القضايا العربية نظراً لضخامته وضخامة آثاره فقد طرح علينا مجموعة من الإشكاليات الفكرية والثقافية والسياسية والنضالية .

أولها : مسألة العلاقة بين الاستبداد والاستعمار  فقد كشف الحدث العراقي أن الاستبداد يخلق قابلية للاستعمار حتى ولو كان الاستبداد تحت شعارات وطنية فتغييب الشعب عن السياسة وإخراجه من دائرة المشاركة وإزالة ثقافة المواطنة لصالح ثقافة الرعية تحت سلطة الفرد / القائد أو الحزب / القائد أو الفئة القائدة تجعل من إمكانية مقاومة المستعمر ضعيفة وتسمح لثقافة الاستعمار بالتغلغل وبتشويه الممانعة الوطنية .

ثانيها : مسألة مخاطر الاختراق الثقافي الأجنبي عبر الاستناد إلى الخارج وهو في الوضع الراهن التحالف الأمريكي / الصهيوني بهدف تحقيق مكاسب وطنية أو إصلاحية وديمقراطية فقد أظهر الحدث  العراقي أن هناك تياراً بين النخبة الثقافية والسياسية من هو على استعداد لامتطاء الدبابة الأمريكية متجاهلاً أن لا ديمقراطية مع الاحتلال فالاحتلال يقوم بحد ذاته على فكرة مناهضة للديمقراطية حيث يعتبر أن شعباً غير مؤهل لحكم ذاته . كما أثبتت التجارب والتصريحات الأمريكية دجل هذا التحرير " الثقافي والمعرفي " يرقي إلى مستوى الخيانة .

إن الوطنية تتألف من بعدين هما الوطن بما يفترضه من وحدة ومن انتماء ومواطنة بما تتطلبه من حقوق وواجبات وفي مقدمتها حق المساواة وحق كفالة الحقوق الإنسانية والديمقراطية .

ثالثهما : إشكالية مشروعية المقاومة وعلاقتهما الجدلية بالوحدة الوطنية وبالإجماع الشعبي .  إن مقاومة الاحتلال هي المهمة الأساسية لشعب محتل وعندما يمارسها بعض أفراد هذا الشعب فإنها تكون في جوهرها تعبيراً عن الحق الطبيعي للشعب ، ولا تعتبر المقاومة لفئة أو حزب أو فريق بعينه حتى ولو قام بها ذلك الفريق.

في حروب التحرير الوطنية الوحدة الوطنية مطلوبة ، ولكن الوحدة الوطنية يجب أن تتأسس حول المقاومة وليس بمواجهتها هذه المسألة بالغة الأهمية ومورست عبر التاريخ لدى معظم الشعوب التي تعرضت للاستعمار .

مهمة المقاومة هي التحرر وإقامة نظام وطني وليست إعادة إنتاج النظام السابق وهو ما يتطلب برنامجاً وطنياً ديمقراطياً من أجل المساهمة في تصفية الأجواء السابقة .

رابعها : عدم إمكانية رفض الاحتلال وقبول نتائجه وصنائعه . رفض الاحتلال يقتضي رفض إفرازاته وكل ما يساهم بشرعنته ، مجلس الحكم الانتقالي هو أحد صنائع هذا الاحتلال رغم أنه لم يكن خياره الأول .

المجلس تأسس على قاعدة قبول الاحتلال وأداء القسم أمام المحتل والقبول بالتعاون معه والمجلس تأسس على قاعدة القبول بإعادة صياغة العراق على قاعدة التوازنات الطائفية والأثنية الموقف من المجلس كصيغة وكهيئة هو الأهم من وضع الأفراد المنضوين إليه كمعيار للحكم على هذا المجلس .

إن المستقبل يطرح جدلية بين المقاومة كفعل نضالي ضد العدوان الخارجي وبين العمل السلمي من أجل الديمقراطية على جبهة الصراع مع الاستبداد الداخلي .

إن المقاومة بجميع صيغها تتطلب تعزيز ثقافة المقاومة فالمقاومة هي موقف ثقافي ومعرفي بالأساس . كذلك الديمقراطية تتطلب نضالاً سلمياً عنيداً في ظل افتقاد خبرات ديمقراطية ليس لدى الأنظمة الاستبدادية فحسب وإنما أيضا لدى النخب السياسية ولدى قطاعات واسعة من المجتمع .