الـــــدومــــــــــــــــــري
رقم 1+115 تاريخ 28/7/2003
الذي منع من
التوزيع وألغي ترخيص "الدومري" بسببه
الناشـــر
: علـي فـرزات
رئيس
التحرير : حكـم البـابا
مدير
التحرير : محمـد منـصور
مــواد العــدد
كــامـلـةً حسـب تسـلسـل ورودهـا فيــه:
الصفحة
1 : الأولى
عدد الإيـمان بـالاصـلاح
·
رسـالة إلى
سـيد يهمه أمرنا : هل
الدولة هي الحكومة ؟
·
يوسف العظمة في ذكرى ميسلون : البحث في ظلام
الذاكرة
·
حوار الطرشان بين الصحفيين
السوريين ومؤسـساتهم
·
نحن ننفرد
بنشر سيناريو الحلقة الممنوعة من برنامج ملفات حارة
·
ممـدوح عـدوان يـكـتـب ســيرة
الـمـمنـوع
·
ملف محاكمات
زيزون : 147 عاماً
أحكاماً و74 مليار ليرة غرامات
أقرباء
المســؤولين أبرياء وغيرهم مدان
·
عشرة أسباب تدل على أن السوريين
شـعب سـعيد !!
·
الحسـابات الشـخصية ضيعت الرياضة
الســـورية
إلى قارئ "الدومري"
كان خيار "الدومري"
منذ لحظة التفكير بإصدارها هو الانحياز للناس لتكون صوتهم ومرآتهم وجزءا من رغبتهم في مستقبل آمن ومشرق, لأنها بدونهم
لا معنى لوجودها كله, ورغم أن هذا الخيار تعثر أو عثر عبر مسيرة
"الدومري" إلا أن النية الحقيقة في كونها صوت الناسلم تغب عن ذهن
العاملين فيها, وإن تقدمت عليها أحيانا
أولويات أقل أهمية.
و"الدومري" الجديدة التي تبدأ هذ العدد
مع قارئها بعد توقف قسري تقرؤون تفاصيلة في مكان آخر من العدد, ترجو وتعمل على أن
لا تحيد عن سبب إصدارها مرة أخرى, وهي أن تكون صوت الناس وصورة المجتمع بهمومه
وآماله, برغبته الجدية في القضاء على الفساد, وجديته في تحقيق الإصلاح الذي دعا
إليه السيد رئيس الجمهورية د. بشار الأسد, وطالب أن يكون كل مواطن مسؤولا حتى ولو لم يكن في موقع مسؤوليه, ولذلك فإن
"الدومري" تعتبر أن سقف حريتها يحدده مصلحة الوطن الحقيقية, لا مصلحة
أصحاب المصالح الذي ذكرهم رئيس الجمهورية, والذين يرفعون سقف مصالحهم لتكبر عن سقف
مصلحة الوطن, ويضيقون على أي صوت أو رأي أو كلمة تمس مصالحهم.
وترجو "الدومري" أن تتحول صفحاتها
إلى منتدى حوار وطني لا يغيب رأيا , ومساحة مكاشفة ومصارحة تقود إلى خير الأمة
كلها, في ظرف يهددنا جميعا , وأن تصبح صوت كل الآراء والأفراد والجهات شرط أن
تتحدد بسقف الوطن, وهو سقف عال جدا , وليس منخفضا
كما يحب تصويره أصحاب المصالح الخاصة.
ونحن على أمل بأن السيد رئيس الجمهورية سيكون
معنا لأن وجودنا رهن بمشروع الإصلاح الذي طرحة والذي يضمن لأمنا سورية المنعة
والازدهار.
(الدومري)
--------------------------------
الصفحة
2 : هموم
بالأرقام والتواريخ:
لماذا غابت "الدومري" عن قارئها!؟!
عن أسرة الدومري
المحامي أنور البني
منذ صدور جريدة الدومري شكلت حالة جديدة أولى
في الصحافة السورية بعد أربعين عاما من
صحافة الصوت الواحد واللون الواحد والخبر الواحد.
وقد أحدثت صدمة كبيرة لوزارة الاعلام بمدى
تقبل الجمهور لها وأرقام التوزيع والشكل وطبيعة تناول الخبر ونوع الخبر الذي
تعالجه.
وابتدأت حرب حقيقية ضد صحيفة الدومري وشددت
الرقابة بشكل كبير عليها لوأد هذا الوليد الذي شكل صيحة أولى في إعلام حقيقي.
وكانت أولى تجليات هذه الحرب حذف صفحتين
كاملتين من الصحيفة كانت تناقش أداء الحكومة فوزعت الصحيفة بصفحتين بيضائتين
تحملان رسمان للفنان علي فرزات يعبران عن آلام الكتابة وقهر القمع.
واستمرت الحملة بالزام الصحيفة بالتوزيع عبر
المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات فقط التي ألزمت الدومري بتخفيض أعداد طباعتها
وحصرت كمية التوزيع بـ /41000/ نسخة بعدما كانت الصحيفة توزع /50000/ نسخة وكانت
المؤسسة تتأخر بالتوزيع أو لا توزع الكمية كاملة ولم تتوقف عند هذا الحد بل ألزمت
الصحيفة بالخضوع للرقابة المسبقة قبل الطباعة ومارست كل أنواع الضغوط المتاحة عبر
وزارة الاعلام والرقابة والمؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات والمؤسسة العربية
للاعلان ومنعت الدوائر الرسمية من الاعلان أو الاشتراك بالدومري وضغطت على
المحررين والكتاب الذين يعملون بها بحرمانهم من العمل في الجرائد الرسمية أو
توقيفهم عن العمل ومنعهم من الكتابة بها.
كانت حربا
أستخدمت بها كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من قبل وزارة الاعلام
والأجهزة والمؤسسات المسؤولة.
وعند بدء الحرب على العراق وقيام جريدتي
الوطن الكويتية وأخبار العرب الاماراتية بإعادة نشر بعض الرسومات للفنان علي فرزات
والتي سبق أن رسمها أثناء حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) والتي عب ر فيها
عن موقفه وموقف صحيفته بالانحياز إلى جانب الفئات الشعبية المسحوقة ورفضه للقمع
والديكتاتورية تحت أي شعار أو غطاء وجدت وزارة الاعلام ومن معها الفرصة سانحة
برأيهم للانقضاض على الصحيفة ومحاولة استغلال الاستياء الشعبي من قيام الولايات
المتحدة وبريطانيا بغزو العراق للانقضاض على الصحيفة ومالكها وتصفية ثأر قديم يؤرق
صحفهم.
فأوعز لجريدة
تشرين بشن الهجوم على الدومري ممثلة بصاحبها الفنان علي فرزات ونفذت الأوامر بصدور
صفحتين كاملتين على عددين متتاليين بتاريخ 31/3 و1/4/2003 بالتشهير بالفنان علي
فرزات والتشكيك بمواقفه الوطنية واتهامه بالعمالة المأجورة للدينار والدولار في
سابقة لم تشهد لها مثيل الصحافة السورية تجاه أي شخص مما عب ر عن مدى ما تحمله
وزارة الاعلام ومن معها - للأسف - تجاه الفنان علي فرزات وقام الفنان فرزات باصدار
بيان بتاريخ 1/4/3002 فسر فيه سبب هذا
الهجوم والدافع إليه وأكد على موقفه الواضح والمستمر طيلة حياته بالوقوف إلى جانب
الطرق الأضعف والذي يدفع الثمن دائما وهو
جم,ع الناس وهمومهم وانجازه لهذا الجانب دائما
مهما كان الطرف الذي يقف ضده وعندما رفضت وسائل الاعلام نشر بيانه قام
بمحاولة نشره عبر صحيفته الدومري فوجئ بالرقابة تشطب ما شائت من بيانه ومن رسائل
التأييد والدعم التي وصلت إيه فصدرت طبعة العدد /104/ تملأها المساحات البيضاء
التي كذبت وبشكل فاضح وصارخ ما أشيع عن مساحة الحرية التي منحت للصحافة والتفني
بإيجابيات قانون المطبوعات الجديد (باليل ياليل) وصرت الأوامر الوزارية للمطابع
بعدم الطباعة لصحيفة الدومري إلا بموافقة مسبقة خطية ولكل عدد على حدة مخالفة بذلك
قانون المطبوعات نفسه الذي وضعوه وفصلوه على مقاسهم. ورفضت هذه المطابع الطباعة للدومري.
وهذا ما فعلته جريدة تشرين فرفضت نشر رد
قانوني تسلمته حسب قانون المطبوعات لنشره ردا
على ما جاء بها وهذا حق نص عليه قانون المطبوعات ولكن الصحيفة رفضت ضاربة
القانون بعرض الحائط (والي ا عجبو يدمر راسو بالحيط) فلجأ الصحيفة إلى القضاء
وتقدمت بدعوتين إحداها ضد محررة تشرين التي تبنت الصفحة بالعدد الأول وضد المدير
العام لصحيفة تشرين الذي تبنى الخبر في العدد الثاني من تشرين بتهمة الذم والقدم
والافتراء حسب قانون المطبوعات كما تقدمت بدعوى لالزام الصحيفة بنشر الرد على ما
جاء بها وما زالت الدعوتين في مهب القضاء لم تستقرا على شاطئ بعد.
واضطرت الدومري تحت وابل هذه القذائف الموجهة
والمبيتة للطباعة في مكاتبها وتوزيع أعدادها على المشتركين وكانت تبلغ وزارة
الاعلام وتسلمهم نسخا عن الأعداد المطبوعة
والموزعة.
وفوجئت الدومري بتاريخ 21/
5 /2003 تبلغها إنذارا من وزير الاعلام يعلمها بأنه يعتبرها متوقفة عن
الصدور وأنه (وحسب قانون المطبوعات) سيضطر إلى سحب الترخيص إذا لم تصدر أعدادها
وتسمها إلى المؤسسة العربية لتوزيع المطبوعات وتقدمنا إلى وزير الإعلام بر د نبين
فيه أننا لم نخالف قانون المطبوعات وإنما الوزارة هي التي خالفته وإننا نطبع
الأعداد ونوزعها بأرقام أكبر بكثير مما نص عليه قانون المطبوعات (كانت الدومري
تطبع في مكاتبها خلال هذه الفترة 1500 عدد توزعهم على المشتركين السنويين بينما
ينص قانون المطبوعات أن لا تقل عدد الطبع عن (500) نسخة.
وإننا لم نتوقف عن الطباعة حسب القانون وإننا
نسم للوزارة النسخ المطلوبة قانونا بعد
الطباعة وحسب نص القانون.
كما بينا للوزارة مخالفتها القانون بكافة
الاجراءات التي قامت بها تجاه الدومري وتقدمنا بدعوى أمام القضاء (الهم لا أسألك
رده بل اللطف فيه) الاداري (مجلس الدولة) لالغاء مفعول هذا الكتاب لعدم قانونيته
وعدم شرعيته.
ومع وصول الرد
للوزارة ورغم تبلغها الدعوى بإلغاء القرار إلا أنها استمرت بغي ها وخلالها
,مخالفتها للقانون فوجهت إنذارها النهائي للجريدة بتاريخ 14/7/2003 تعطيها الفرصة
الأخيرة قبل سحب الرخصة.
ورغم ردنا على كتابها الأخير
وإظهار العيوب القانونية التي متسابقة وانعدامه إلا أن قرارا اتخذ في الجريدة فساهم فيه الجميع بمالهم
ووقتهم وجهدهم وتفانيهم وهو اللجوء إلى قضائنا وقدرنا الحقيقي خوض المعركة تحت سقف
القانون الذي نحترمه ويحترمه الوطن.
رغم ما بدى من ارتياح لدى كثير من الزملاء اثر ندوة الصحفيين التي عقدت في
المركز الثقافي في المزة وبعد ان اتفق على وضع توصيات لتحسين وتطوير الاعلام لم
استطع ان اتغلب شعوري باليأس وتلك الدودة التي تنهش صدري وتقول لي ما في امل ..
فما زال
علينا ان ننتظر توصيات، ومازال هناك كثير من الاخذ والرد الذي علينا ان نتبادله ،
ومازال علينا والعالم يضطرب وبلادنا تهدد وحياتنا على وشك ان تصبح في مهب الريح بل
هي كذلك فعلا ، مازال علينا ان نناقش ما اذا كان الابيض ابيض فعلا او انه يتراءى
الينا، ومازال امامنا الكثير لنقنع اصحاب القرار بان الكلام اذا ان لم يصدر عنه
اجراءات جدية يشبه طحن الماء الذي لا ينتج الا الماء ..
تصوروا اننا
حوالي ثلاثين عاما من الاستقرار المزعوم نتحاور حول حرية التعبير وحول هامش الحرية
المطلوب .. وحول ضرورة وجود صحافة وصحف تعبر فعلا عن الرأي العام ومشاكل الوطن
الحقيقية..
وعلينا
الخضوع لامتحانات تعجيزية تثبت لاولي الامر بأننا مجتمع تجاوز سن الرشد واصبح
مؤهلا ليناقش همومه وليقرر مصيره الذي يكاد زمام امنه يفلت من الايدي ..
سنوات
طويلة والاجهزة وازلام الاجهزة مشغولة في تصنيف كل ما لا ينضبط في مسيرة الرياء
العام وبفرز الناس بين موال وصديق او معارض وعدو .. وقد بذات جهودا وصرفت اموالا
واضاعت وقتا كبيرا من اجل الانتصار على
خصم في حلبة هي المصارع الوحيد فيها .. لقد تعاملت معنا دوما على اننا الخصم
..والمضحك اننا صدقنا بأننا نحن الخطر الذي يهدد الوطن.. صمتنا وقبلنا بأن نتمدد مسحقوقين تحت
بساطيرها ملويي العنق ، مضحين بكرامتنا ،متحملين كل المآسي التي طالت حياة كثيرين منا احيانا، داعين لله نصرها
على كل عدو يهدد الوطن ، لأن الوطن غال .. ثم فجأة انقلب العالم فازاح غلالة
الاكاذيب التي اعمت عيوننا وقلوبنا . وبين يوم وليلة وضحاها اضحت السنة التنين
تحيط بنا وتهدد حدودنا من كل الجهات واصبح الوطن الغالي قطة مرتعبة تبحث عن جحر
تختبئ به ..وبان اننا لسنا الخطر الاعظم وانما القوى العظمى التي استفادت من
غيابنا باتت تعتبرنا حجتها لكي تطبق
انيابها على ما تبقى لنا من وجود ..
واعتقد كما يعتقد كثيرون بأن لنا جميعا حق الخوف والشك
بعد ما جرى في العراق ..وبأننا لنا حق المجاهرة بمخاوفنا وافكارنا .
اعرف بان هذا الكلام يتجاوز خطوطا حمراء لا اعرف من
وضعها .. واعرف بان هناك من سيقرأ هذه الكلام ويضع خطوطا حمراء حوله وحولي ..
وربما تجاوز الامر ذلك الى اجراءات اخرى بحجة التطاول على كيان غير مرئي يعرف
مصلحة البلد اكثر مني ويعرف ما لااعرفه .. لكني اسأل هل بقي ما لا اعرفه وهل بقي ما هو غير معلن
ويعرفه الجميع وهل بقي من اسرار امام كل وسائل الاعلام التي تقتحم بيوتنا ومكاتبنا
وحتى احلامنا ؟..
لدى البعض
امل .. وكم اتمنى ان اجرب هذا الشعور اخيرا ..لكني اعتقد لكي يكون للامل مكان
بيننا لابد من ان نتخطى مرحلة محاولة الكلام واختبار بعضنا البعض الى مرحلة الفعل
والاجراءات حتى لا نغرق في وعاء " اللت " وندور في حلقة مفرغة كالعادة
.. وهاذا يعيدني الى ندوة " الواقع
والتطلعات " التي اقامها اتحادنا المبجل اتحاد الصحفيين والتي اختار لها عنوانا منمقا اراد له ان لا
يوحي بالمأزق الكبير الذي تعيشه الصحافة في بلدنا، وفي نفس الوقت يمكن له ان يوحي
بان هناك اتحاد صحفيين فطن ينظر الى المستقبل ويستشرف ضرورات التطوير لاعلام موجود
اساسا ..وهو يريد من خلال اجتماع يتيم ان يخرج الزير من البير ..
انما أي
زير فارغ هذا اذا لم يسبق التوصيات التي لا اعرف من سيصوغها عقد لقاءات موسعة
للصحفيين العاملين في مؤسسات الدولة .. وهم حتى الان الاعضاء المعترف بهم في
الاتحاد .. واي توصيات ستخرج اذا لم تتم دعوة الصحفيين من غير العاملين في مؤسسات
الدولة للاطلاع على مشاكل وهموم الصحافة غير الرسمية؟؟ ..واي توصيات ستخرج اذا كان
سيوصي بها مجلس اتحاد اعضاءه بما فيهم رئيس الاتحاد جزءا من مشكلة الصحفيين
والصحافة في بلدنا !!!.. واني اتساءل هنا هل يجروء ان يوصي من سيضع التوصيات التي
ستصدر عن اتحاد الصحفيين الحالي بعقد مؤتمر استثنائي لمناقشة واقع الاتحاد ومشاكله
وبحل مجلس الاتحاد واجراء انتخابات حرة دون وصاية الاجهزة ودون قائمة الجبهة
المضللة ؟..
وهل سيوصي
بضرورة تنفيذ قرارات الدولة التي اتخذت بالسماح بالصحف والمجلات الخاصة مع حق
الجميع بالعمل في هذا المجال وليس فقط اولاد المسؤولين واصحاب الحظوة والمأمونين
من وجهة نظر البعض ؟؟.. ثم اخيرا وليس آخرا هل يجرؤ من سيوصي بتصدير توصية جدية
تطالب باعادة النظر بقانون المطبوعات الذي اذا لم يتم تغييره لا يمكن لأي حوار حول
الصحافة وحرية الرأي ان يكون له أي معنى..
لأكون
متفاءلة واقول انه من الممكن ان تصدر كل
تلك التوصيات .. ومن الممكن ان يتجاوز اولي الامرمن نقابيينا المناضلين انفسهم
ويعملونها .. لكن هل يكفي هذا ؟؟ كيف يمكن للتوصيات ان تصبح اجراءات .. وكيف يكمن
ان نخرج جميعا بحلول حقيقة ..؟؟
للاسف
سنعود من حيث بدأنا فمازال الامر بيدي الوصي الذي سيسمح او لا يسمح بأي اجراءات
ومازال هناك الجهات التي توافق او لا توافق ومازال هناك التعليمات الشفهية التي
لايتحمل مسؤليتها احد تتحكم بأي خطوة نريد ان نخطوها .. اتركوهم او امنعوهم..
افعلوا او لا تفعلوا.. معنا او ضدنا..وهكذا نعود للبداية .. هل فهمتم لماذا اشعر
وتشعرون انه لاجدوى .. يا جماعة ما في امل..
----------------------------
الصفحة
3 : يفتح بالذات
مــن الـصـحافـي حكم الـبابـا بـصـفـتـه
وشـخـصـه
بداية أحب أن أوضح لكم أن هذا
الخطاب الذي أوجهه إليكم بصفتكم وزيرا للاعلام ،يصح توجيهه إلى أي شخص يتولى هذا
المنصب ،لأن السياسة العامة لوزير الاعلام – كما عهدناها - في التعامل مع
الاعلام والصحفيين في سورية واحدة في الجوهر ،وإن كانت تختلف في التفاصيل .. وهو
إلى ذلك ليس شخصيا وخاصا وإن كان يمتلئ بالحوادث الشخصية التي عشتها ،ولا أزال
أعيشها شخصيا في عملي كصحفي سوري .. وهو أيضا عام - وإن بدا غير ذلك للذين يريدون
تحويل المعاناة العامة إلى نزاع شخصي للتقليل من أهميته - لأن بامكان غيري من
الصحفيين السوريين أن يوجهه إليكم بحرفه ونصه مع استبدال الحوادث التي عشتها
وأرويها بحوادث عاشها زملائي ،دون أن يؤثر ذلك على مضمون الخطاب أو يغيّر من
معاناة الصحفي السوري في اعلامه الذي تتولون مسؤوليته .. وأخيرا أود التنويه بأن
وجود أي اسم من مسؤولي الاعلام في خطابي هدفه توثيق الحدث والتأكيد على أن من قام
به ليس الملائكة أو الشياطين أو الأشباح ،بل أشخاص محددي الوجوه ،ولايعود إلى رغبة
ثأرية أو تشهيرية كما سيحب البعض تصويره للتشويش على ماجرى ويجري ..
ربما وصل إلى سمعك بأننا كصحفيين سوريين
تفاءلنا بعد تسميتكم وزيرا للاعلام ،وهذا التفاؤل يعود لأسباب عديدة ،أولها :لأن
الوضع العام للاعلام والاعلاميين في سورية مرّ ،وثانيها :لأن أي تغيير يحمل أملا
ما بسبب الوضع المتردي عادة ،وثالثها : - وهذه خاصة بك - لأنك أتيت من الدبلوماسية
وعشت في العالم الليبرالي وقرأت الصحافة المهنية وتعرفت على الصحفي الحر ،مما قد
يعني بالنسبة لنا عقلية جديدة تدخل لادارة الاعلام السوري ،لكنك للأسف بددت هذا
التفاؤل في أول لقاء جمعنا بك في جريدة تشرين ،وحاولنا تكذيب آذاننا مما سمعناه
منك ،وإقناع عقولنا وأنفسنا بأن الانطباع الأول عن الشخص ربما يكون انفعاليا
ولايشي بجوهر الشخص ،لكن أكثر من ثلاث سنوات عشناها معك كوزير للاعلام جعلتنا
نتأكد بأن انطباعنا الأول كان صائبا ،ودفعتنا لنتحسر كصحفيين سوريين على سلفكم على
الرغم مما عشناه في عهده من مرارة ،ولم تستطع أن تطور الأداء الاعلامي السوري بما
يتناسب مع دعوات الاصلاح ،بل ربما ساهمت بشكل مباشر في الاساءة اعلاميا لصورة
النظام السياسي عبر تصريحات اعلامية واجراءات أقل مايقال فيها أنها لاتصدر عن
دبلوماسي ، ولذلك نعيش اليوم كصحفيين - ونحن نسمع عن أنباء تغيير وزاري تجمع
المصادر والاشاعات والتسريبات أنه سيطال الاعلام - الحالة التي عشناها في الأيام
الأخيرة لسلفكم في وزارة الاعلام والتي تتلخص في ثلاث جمل : وافع مرّ ، وأمل
بالتغيير ، ورغبة في أن يكون القادم إلى الوزارة أكثر تفهما للمهنة الصحفية
وللصحفيين وهذا ماسيعني بالتأكيد أكثر خدمة للنظام السياسي في سورية ،لابمعنى كم
أفواه الصحفيين ليصمتوا عن الفساد ، بل اطلاق ألسنتهم لمراقبته وهذه أكثر وأجل
خدمة تقدم لدعوات الاصلاح . وحتى لايكون خطابي عموميا سألجا في السطور القادمة إلى
تقديم كشف حساب للأحداث التي عانيتها شخصيا خلال الثلاث سنوات الأخيرة ، والأحداث التي عاناها زملائي وعايشتها وأمتلك
أدلتها ، وسأبدأ منذ البداية ..
قبل توليكم وزارة الاعلام كانت الحالة
الاعلامية تكاد تكون كارثية ،مؤسسات صحفية أطلق يد مدرائها فيها وكأنها اقطاعيات
خاصة ( ولماذا أكتب كأنها ؟ هي مزارعهم
واقطاعياتهم في الواقع ) ،المهم أن لايرتكبوا أي خطأ سياسي ،أما فيما عدا ذلك فكل
الأمور مسموحة ،وللمفارقة كانت أكثر الأمور سماحا في جريدة تشرين التي أعمل في
قسمها الثقافي هي المنع ، فرئيس القسم الثقافي يرفق في العادة قصاصة بمقال المحرر
( غالبا ماأكون أنا ذاك المحرر ) إلى أمين التحرير يرجوه فيه التوجيه بشأن المقال
المرفق ،ويعني طلب التوجيه في أي مادة عادة طلب منع المادة لكن على طريقة بيد غيري
لابيدي ، وأمين التحرير يرفق قصاصة بنفس
المقال إلى المدير العام السيد محمد خير الوادي يقترح عدم نشر المقال المرفق أو
حذف فقرات منه في أحسن الأحوال ، ممايضطرني عندما أكون كاتب المقال إلى
مجادلة المدير العام وغالبا ماأنجح في نشره ، دون أن يجر نشره أي ذيول أو تبعات ،
لكن القصاصات تستمر يوما بعد يوم ومساحة الحرية تضيق ، فما كان مسموحا الكتابة عنه
البارحة يصبح ممنوعا اليوم ، ورقم توزيع الجريدة ينزل يوما بعد يوم ، والقارئ يفقد
الثقة فيها أكثر مع كل صباح جديد ، ولايبقى مستمرا وثابتا وراسخا سوى المسؤولين
الاعلاميين المزمنين ، الذين يزدادون تضييقا على الحريات لأن ذلك باعتقادهم يجعلهم
يثبتون على كراسيهم ، بينما مع الوقت ييأس الصحفي من الاشتباك في جدال جديد حول كل
مقال يود نشره ويفضل الصمت مثلما فعلت أنا على رفع ضغطه وسكريه مع كل مقال يكتبه .
و الصحفيين متساوون في الواجبات لا في الحقوق
، فعليهم تقديم حجم العمل الشهري المكون من أربع مقالات ، ويقاس المقال بعدد
الكلمات لا بالمستوى والأهمية وخدمة القارئ ورد الفعل ، وعليهم ختم بطاقة الدوام
اليومي أما مهمات السفر لحضور الأنشطة والمهرجانات فقد كانت على الدوام محصورة
بالبعض دون الآخرين ، بالمحظيين والمدعومين وأصحاب الهواتف المجهولة والمنافقين
والمتزلفين وسماسرة البزنس ومؤدي الخدمات الخاصة ، لا بالصحفيين لأن صاحب
الاقطاعية الذي يسمى المدير العام بيده كل شيء ، لارقيب عليه ، ولامن يحاسبه ،
ولاتوجد جهة يشتكي إليها الصحفي ، وحتى إن وجدت فهي قاصرة أو متواطئة أو مشاركة ،
فرغم عملي في جريدة تشرين لمدة 17 عاما لم أحظ إلا بمهمة واحدة عام 1997 لحضور
فعاليات مهرجان الاسكندرية السينمائي لمدة عشرة أيام ، بينما لم تحظ زميلتي في
القسم السيدة عفراء ميهوب بعد 27 سنة صحافة إلا بسفرة لمدة ثلاث ساعات إلى عمان في
افتتاح خط جديد لشركة الطيران السورية ، في حين حظي آخرون أقل خدمة في بلاط
الصحافة ( ولن أقول خبرة ) بمهمات عديدة إلى خارج البلاد ، هذا إذا لم أتحدث عن
السفرة الواجبة سنويا لأحد محرري القسم الثقافي ، وكل ذلك لأن القاعدة الذهبية
التي كانت وأظنها لاتزال سارية المفعول ومتبعة في الصحف السورية هي أن أهمية
الصحفي تأتي من صاحب الاتصال الأهم الذي
يوصي به عند المدير أو الوزير .
وتفاقمت هذه الحالة لتصل إلى حد استطاعت فيه
سكرتيرة المدير العام أن تتحكم بالمؤسسة
كاملة ،وكان الحصول على رضاها أمنية لصحفيي المؤسسة ،أما من تغضب عليهم فهؤلاء
يحرمون من نعمة مناقشة مشاكلهم مع مديرهم العام الذي لن يستقبلهم بناء على أوامرها
،فحين كنت أود مناقشته في أمر ما كان يطلب مني على الهاتف أن أعود مساء إلى
الجريدة لمقابلته ، لأن المرور إلى مكتبه صباحا يعني المرور من خلال فلتر
السكرتيرة التي لاتداوم مساء ، وقد ينفى صحفي بسببها ونزولا عند رغبتها إلى قسم
الأرشيف عقوبة كما حدث معي بين تاريخي 3/7 و 16/10/1999 وسجلته بتفاصيله في كتاب
موجود لدى اتحاد الصحفيين برقم 734/و ، وتاريخ 9/9/1999 مع علمي بأن الاتحاد لن
يقوم بأي اجراء كون المدير العام الذي أشتكيه عضو في المكتب التنفيذي الذي أشكو
إليه ، ووصل الأمر بسطوة السكرتيرة إلى حد تعيين أخاها أمينا للتحرير في مجلة
سياسية أسبوعية كانت تصدر عن المؤسسة .
قد يعتبر البعض أن ماأورده مجرد تفاصيل يومية
صغيرة لاينبغي علي أن أضخمها لتطغى على مأساة الصحافة السورية ككل ، لكن هذه
التفاصيل بالاضافة إلى كونها تشكل اللوحة العامة والأرضية التي كنا نتحرك عليها
وينبغي علينا العمل في داخلها لنصنع صحافة ، تجعلني أشعر بالغصة والأسى واليأس
كصحفي وأحس أنني مواطن درجة ثانية في عملي ، وأن غيري يسلبني حقي الذي منحه لي
الدستور من جهة ، ومستوى عملي من جهة أخرى .
عندما قررت زيارة جريدة تشرين في الفترة
الأولى لتسلمك وزارة الاعلام ،أبقى المدير العام خبر زيارتك سرا إلا على المنتمين
إلى شلته ومحظييه ، لكن الظروف شاءت أن يصلني الخبر ، وفعلا حضرت ذلك الاجتماع بعد
أن كتبت خطابا إليك وحملته معي ، وحاول المدير العام الذي فوجئ بوجودي في الاجتماع
محاصرتي كي لاأقول ماأريد قوله ،حين حدد دوري في الكلام في آخر القائمة رغم أنني
أول من طلب الكلام ، أملا منه في أن تنتهي زيارتك المحددة الزمن قبل أن يصلني
الدور لأتكلم ، لكن الحاحي عليك بطلب الحديث منحني فرصة القول ، وقلت كل شيء ضمن
الوقت المتاح ، وسلمت مدير مكتبك السيد محمد الناصوري آنذاك الخطاب الذي أحمله
بناء على طلبك ، والذي لم يصل إليك كما عرفت فيما بعد منك شخصيا ، لكني أعترف أنني
لم أنتبه إلى خطابك الذي كان يشي بفهمك للاعلام والطريقة التي ستدير بها المؤسسات
التي نعمل بها (كنت ترد على كل من يطالبك بمزيد من الحرية في الكتابة في موضوع ما
بقولك : تعالوا إلي وسأعلمكم كيف يكتب هذا الموضوع ) والتي أقل مايقال فيها أنها
لاتختلف عن طريقة أسلافك الذين مروا على الوزارة رغم اختلاف الزمن والظرف وخطاب
الاصلاح الذي كان عنوان المرحلة التي تسلمت بها إعلام البلد . وبعد أيام من زيارتك
دعوتني للقائك في مكتبك ونعتني بالثائر الأحمر ، وفي نهاية ساعة جمعتني بك تحدثت
فيها أنا لمدة 15 دقيقة شارحا مشاكلنا كصحفيين في الاعلام عموما وفي جريدة تشرين
خصوصا ، بينما استأثرت أنت بالحديث في باقي زمن اللقاء ،سألتك ماإذا كنا سنحظى قبل انتقالنا إلى
الحياة الأخرى بالعمل في جو إعلامي نظيف ومهني في سورية ، فأجبت : نعم وقريبا جدا
.
.. والآن وقد مضت أكثر من ثلاث سنوات على
توليك وزارة الاعلام سأحاول أن أقدم عرضا موجزا لما تحقق من من الوعد القريب جدا
الذي قطعته لي .. تبدل المدير العام بآخر قادم من خارج المهنة الصحفية ، وكوفئ
المدير المبعد عن الجريدة بترقيته إلى منصب
سفير ، واستمرت مفاصل النشر السالفة الذكر في أماكنها بعد أن غيرت ولاءها من
المدير العام السابق إلى المدير العام اللاحق ، لابل رقي بعضها من أمين التحرير
إلى مدير تحرير ، ولازالت تدير الاعلام والجريدة بنفس العقلية السابقة ، لا بل أظن
بطريقة أكثر انغلاقا ، وبقي الاصلاح شعارا يكتب عنه ولايمارس ، وضاقت مساحة الحرية
المتاحة ، فـ(ديمقراطية) المدير العام السابق النسبية التي اكتسبها من التعامل
الطويل مع المهنة الصحفية والصحفيين ، صارت حلما مع المدير العام الجديد الذي أعطى
أذنه لمفاصل النشر في تقييم الصحفيين وتصنيفهم بين خانتي المشاغبين والموالين من
جهة ، وللذين دفعوا به إلى منصبه الجديد من جهة أخرى . ولم يتغير في الجريدة إلا
أمران : شخص المدير العام ، والرقابة التي زادت بعد أن تحول الاعلام من اعلام دولة
مع مراعاة للحكومة ، إلى إعلام حكومة بالكامل ، أما ماعدا ذلك فقد بقي كما هو
المرضي عنهم والمغضوب عليهم ، ومن حسن حظي أنني أنتمي إلى الفئة الثانية في مثل
هذا الاعلام .
وبدأت تنفيذ وعودك حول اعلام مهني بإصدار
التعميم رقم 167 تاريخ 14/10/2000 القاضي بمنع نشر أي اعلان أو تقديم أي برنامج أو
حوار يتعلق بعمل وزارة الثقافة إلا إذا اقترن بموافقة وزيرة الثقافة ، مما يعني أن
وزيرة الثقافة ستشرف على مانكتبه أو نعده ، فقررنا مجموعة من الصحفيين أن نعد
عريضة إلى اتحاد الصحفيين نطالب فيها بوقف هذا التعدي السافر على الحرية الصحفية ،
ووصلك خبر العريضة عن طريق زميلة صحفية ( كوفأت فيما بعد بتعيينها أمينة تحرير
لمجلة تشرين الأسبوعي ، ومؤخرا بتسليمها إدارة مكتب سانا في المغرب ) فأنهيت في
نفس اليوم تكليفنا بالسفر إلى حلب الذي كان مقررا لتغطية فعاليات مهرجان الأغنية
السورية السابع ، وإصدار نشرة المهرجان المكلفين باعدادها بعد أن أعددنا نشرة دورة
المهرجان السادس .
وبعد أقل من خمسة أشهر مضت على الحادثة
السابقة بقيت لمدة شهر كامل في حالة استدعاء لأحد أجهزة الأمن بعد نشري مقالا عن
وضع الصحافة السورية في جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 20/2/2001 ، وقدمت لك كتابا
أطلب تدخلك كوزير للاعلام الذي أعمل فيه سجل في وزارتكم برقم 808 وتاريخ 10/3/2001
، لكن الجواب كان الصمت المطبق ، كماهو حال الكتاب الذي قدمته لاتحاد الصحفيين
برقم 187/و وتاريخ 10/3/2001 ، وكما هو حال الكتاب الذي قدمته لجريدة تشرين برقم
14 وتاريخ 10/3/2001.
ولم يمض العام 2001 على خير ، فقد نقلت
تعسفيا بناء على أوامرك إلى مكتب جريدة تشرين في حلب بتاريخ 10/9/2001 بعد توقيعي
على بيان يطالب بالحرية للأستاذ رياض الترك ، واضطررت لطلب اجازة بلا راتب لمدة
شهرين بعد التحاقي بالعمل في حلب ، ولم أعد إلى دمشق إلا بعد موافقتك على الكتاب
السري والخاص رقم 1000/8/ت وتاريخ 24/10/2001 الذي وجهه مدير عام جريدة تشرين إليك
ويسألك في إعادتي بعد تنفيذ العقوبة .
ومؤخرا في شهر تموز 2003 أصدرت مع زملاء لي
ملفا عن الاعلام السوري في مجلة المحاور اللبنانية ، وسمح بتداول عدد المجلة في
سورية ، لكنك في اجتماع حزبي وردا على أسئلة بعض رفاقك حول الملف نعت ماكتب فيه
بالافتراء ، ونلت من كتابه رغم أنهم من خيرة الصحفيين السوريين ، دون أن يخطر لك
أننا قد نكون على حق ولو بنسبة واحد في المائه ،ودون أن يخطر لك أن تدعونا وتستمع
إلى همومنا ، التي اضطررنا لمناقشتها في مجلة لبنانية بعد أن سدت في وجوهنا أبواب
اعلامنا .
هذا
إذا لم أتحدث عن المقالات التي رفضت لي والمرفقة بقصاصات من نفس النوع الذي كانت
ترفق بها مقالاتي قبل توليك وزارة الاعلام ، انما هذه المرة مكتوبة من قبل المدير
العام لجريدة تشرين شخصيا ، ولامن ألجأ إليه هذه المرة ، مما دفعني للتوقف عن
الكتابة احتراما لنفسي ومهنتي ، بينما تزدهر على صفحات الجريدة التي أعمل بها
مقالات بدون معنى ولافائدة ولا قضية ، وإذا لم أتحدث أيضا عن الدعوات التي وصلتني
لحضور المهرجانات السينمائية ورفضت من قبل الادارة التي كانت ترسل فاكسات لنفس
المهرجانات تطلب منهم دعوة محررين محظيين لديها ، والسفرة السنوية التي لم تتوقف
لمن سبق وذكرته ، وإذا لم أتحدث أيضا وأيضا عما يلقاه الاعلام السوري الذي تتولى
وزارته من نقد محليا وعربيا ، من أهل المهنة وجمهورها ، مما يمسني شخصيا ويجعلني
متهما كواحد من العاملين في الصحافة السورية ، بحيث لاأستطيع أن أفخر بمهنتي أمام
القراء داخل بلدي وزملائي من الصحفيين العرب .
أرجو أن لاتعتبر هذا الخطاب شكوى شخصية وإن
بدا كذلك ظاهريا ، لأن غيري من الصحفيين السوريين يملكون قصصا مشابهة ، ومعاناة
مماثلة ، وكلها تفاصيل صغيرة هامة وهامة جدا كونها تشكل اللوحة الكبيرة للاعلام
السوري ، وأرجو أن تحاول الاستعانة بخبراء اعلاميين مهنيين ومؤهلين يحترمون رأيهم
ومهنتهم ليقدموا لك القول الحق في صحافة بلدنا ، وأن تقرأ أرقام توزيع صحفنا
بالمقارنة مع الصحف التي تستهويك قراءتها ، وأن تسعى لتفعيل عملية الاصلاح في الاعلام
نفسه بدلا من ترديد شعاراته وكتابة الدراسات عنه ، وأن نتوقف جميعا عن الاختباء
خلف أصابعنا بحجة أننا كسوريين أصحاب وضع خاص ولذلك نحن محكومون بأن نبقى في ظل
إعلام كئيب ، لاينفع الجهة التي تنتجه كما تظن أنت كوزير للاعلام ، بل على العكس
يضرها ويشوه صورتها ، وأكبر دليل على ذلك ماكتب ويكتب عن هذا الاعلام عربيا .
في التهاية علي أن أقول لك بأن هناك شعور
يخالجني بأني سأضطر إلى كتابة خطاب آخر بعد عدة سنوات إلى وزير اعلام ما قد تكون
أنت أو يكون غيرك ، أو أرسل نفس هذا الخطاب إليه لأطالب ماأطالب به اليوم مع زيادة
في كمية تجارب المعاناة الشخصية ، التي هي عامة بقدر ماهي شخصية ، دون أن أمني
نفسي بالعمل في إعلام صحي ومهني ونظيف ، لأن اليأس الذي أصلتمونا إليه قد عشش داخل
نفوسنا ، وأنهى أي أمل لدينا أو خاطر أمل قد يمر في رؤوسنا .
-----------------------------------
الصفحة
4 : المنتدى
كل عضة بغصة
ممدوح عدوان
اشتغلت في الصحافة السورية (جريدة الثورة
تحديداً) منذ عام 1964. وفي عام 1997 لم يبق بي حيل على المناكفة فقدمت استقالتي
(التي قبلت خلال دقيقة واحدة. بفضل محبة وزير الإعلام والمدير العام للجريدة).
وقد منّ الله عليّ (وخفف عني الأعباء) بقلة
الانسجام بيني وبين رؤساء التحرير ووزراء الإعلام. فكانت هناك أوامر مكتوبة وأخرى
غير مكتوبة بمنعي من الكتابة بين حين وآخر.
وكان المنع
أمراً محتملاً، لأنه ما من أحد منا، كان يعول على سعة انتشار صحفنا ليحقق من
ورائها مجداً.
ولكن المشكلة
الحقيقية هي في السماح بالسفر. فمن المعروف أن الموظف عندنا، لكي يغادر القطر، يجب
أن ينال موافقة وزيره. ولما كان وزيري لا يطيق كتابتي، فمن المتوقع ألا يوافق على
سفري إلى الفعاليات التي كنت أدعى إليها (علماً أن المرضي عنه يسافر وبأخذ مهمة
وإذن سفر).
وكلما مرت
الأيام ازدادت معرفة الناس بي، وتقديرهم لي، خارج البلاد. فتزداد الدعوات. ويزداد
المنع. ويزداد حسد بعض الزملاء.
ومع ذلك
سافرت إلى عدد لا بأس به من النشاطات والمؤتمرات. ولكن، كما قلت في البداية، لم
يبق لدي حيل. فقدمت استقالتي لأكتب على جواز سفري عبارة "متقاعد".
ولكنني أحتفظ
في ذاكرتي ببعض القصص التي تصلح لتقديمها للقراء الأعزاء.
منها
مثلاً، وأنا مبعد عن الجريدة، (ولكنني أتقاضى راتبي منها)، احتجت ذات يوم إلى بيان
بالراتب لمعاملة ما. ورحب بي الزملاء القدامى، وعملوا المعاملة (وهل هناك ما هو
أسهل من بيان بالراتب؟!) إلى أن وصل البيان إلى السيد المدير العام، فحلف بدينه
وبراس سكينه أنه لن يوقع على هذا البيان. وأثار الأمر استغراب جريدتنا. وهو فعلاً
يقبض راتبه من عندنا. ولكن المدير العام العميد رفض. وختم القول: ماني موقع له.
وخله يبلط البحر!
ولما لم يكن هناك بحر في دمشق مزقت المعاملة
وغضضت النظر عن الموضوع. ولا حاجة لأن أقول إن المعاملة كانت ذات أهمية بالنسبة
لي.
ومن مآثر
هذا المدير معي أنني في مؤتمر للصحافيين تورطت وتحدثت. وقلت ما ملخصه إن الموقف
السياسي السوري موقف محترم. والقيادة السورية تحظى باحترام حقيقي. ولكن إعلامنا
مقصر في تسويق هذا الموقف. لأنه إعلام لا يصل حتى إلى المواطن السوري، وبعد كلامي
تتالى المتحدثون.
وحين جاء
دور السيد المدير العام للكلام لم يجد ما يعلق عليه إلا كلامي. فكان أن فهمه على
الشكل التالي: ممدوح عدوان حاقد على المسيرة وقائدها. ولكنه لا يجرؤ على قول ما
يريد بشكل واضح. فيحول نقده اللئيم على الإعلام. وأنا أطالب بوضع حد له.
ولما كان
المخبرون في مؤتمراتنا أكثر عدداً من المؤتمرين (وبينهم عدد لا بأس به من
المؤتمرين أنفسهم) فقد انهالوا علي بالأسئلة: ماذا قلت؟ وماذا تقصد؟ ولماذا لم
توضح كلامك؟
.. وانتهت على خير بعد أن أوشكت على .. !
وقبل هذا
المدير كانت لي قصص أخرى مع مدراء سابقين. ومن بينهم مدير عام أمر بمنع نشر اسمي
حتى في خبر داخل "جريدته" وأنا محرر فيها. (وحجته، بعد أن أزيح من
منصبه، أنه فعل ذلك بناء على توجيهات الوزير).
وصادف أن أقيمت
في دمشق أمسية شعرية استثنائية. إذ انتقى مسؤولو منظمة التحرير خمسة من الشعراء
المشاركين في مهرجان "الشقيف" إقامة أمسية في دمشق (عام 1981).
وكانت
أمسية رائعة. شارك فيها كل من محمود درويش أمل دنقل وسعدي يوسف وأحمد دحبور والعبد
الفقير أنا، وكان الزحام في مسرح الحمراء أكبر من أن يوصف.
وانتهت
الأمسية. وكان حضوري فيها لافتاً للنظر. وفي اليوم التالي نشرت صحفنا خبراً عن
الأمسية على أنها ضمت أربعة شعراء، وحذف اسمي نهائياً من الخبر.
ولم أعلق على
الموضوع إلا بالقول إن الجمهور الذي حضر الأمسية أكبر من جمهور هذه الصحف مجتمعة.
وسبق لي
أن تعرضت أنا وبعض الزملاء في الجريدة لعقوبة، من المدير العام، رأينا أنها ظالمة.
ولم يفدنا احتجاج ولا شكوى. فقررنا رفع شكوانا إلى نقابة الصحفيين. وإلا لم
النقابة؟
وبشكل ما
تجاهلنا حقيقة مضحكة مبكية، وهي أن المجلس التنفيذي للنقابة يضم رؤساء تحرير صحفنا
برئاسة السيد الوزير.
وكانت نتيجة شكوانا أن اكتشف أعضاء المجلس أن
هذا شغب. وأن المحرض على هذا الشغب هو ممدوح عدوان. فاتخذوا قراراً بمنعي من دخول
جريدتي. ووضع السيد المدير العام شرطة عسكرية لتمنعني شخصياً من دخول الجريدة.
وحين جئت، ولم يسمح لي بالدخول، طلبت الإذن بالدخول لأخذ أغراضي الشخصية فلم
يوافقوا.
وخرج أحد
الزملاء من الداخل ليقول لي: احتل فلان مكتبك. ماذا فعلت؟ قلت له: لم أفعل شيئاً
إلا أنني صدقت أن لدينا نقابات يمكننا أن نتوجه إليها بالشكوى حين يصيبنا الظلم من
رؤسائنا. لم أكن أعرف أن ربك هو حاكمك.
لا تصنع العجة دون تكسير البيض !!
قال محمد حسنين هيكل لوزير الإعلام المرحوم
أحمد اسكندر أحمد: أنت من صحافة الحزب, وأنا من حزب الصحافة.
الفرق واضح. وخاصة أن المرحوم أحمد كان وزير
دعاية أكثر مما كان وزير إعلام. ففي القاموس الإعلام هو الإخبار وجعل المجهول
معلوما . أما الدعاية فهي فن بيع ما لا يباع، وكما يقول فيلسوف دعاية أمريكي
موضحا الغرض من تزويغ البصر: ،سيدتي أنا
لا أبيعك حذاء جيدا بل .... ساقين جميلتين !
ولست بصدد تذكير المنسيات في الرحلة متقلبة
الثبات للإعلام السوري، فقد كانت عسيرة تلك الرحلة ما دامت كل هذه الأموال تهدر
على جرائد ومجلات وإذاعة وتلفزيون دون الوصول إلى الاستمتاع ،بالطريق إلى قرطبة،
وقرطبة هنا رمزيا هي غاية الجمال أي: الهدف
الذي ينبغي الوصول إليه. وهو إقامة جسر معرفة وتعارف بين صحيفة الصباح ومواطن على
أهبة القهوة، ليرى ما الذي أشرق اليوم جديدا
في بلده.
- في حادثة
فريدة المعنى نجد مثالا لما يمكن لصحافة
ذات حربة طويلة (بالسين المسننة وسوف المخيفة) أن تفعل.
- في أوائل
الثمانينيات جرى تحويل أوتوستراد المزة أمام منزل مسؤول كبير وبناء حائط اسمنتي
مرتفع أمامه، بغرض تجنب السيارات المفخخة التابعة للذراع المسلح للإخوان المسلمين.
ولكن عددا من السيارات السريعة ليلا وقعت في التحويلة على الاوتوستراد وقتل عدد من
ركابها وأطلق الرصاص على بعض السيارات التي لم تستطع الامتثال الفوري لأوامر
الوقوف.
كتبت النيوزويك
الأمريكية ريبورتاجا عن الجدران الأمنية,
والتحويلات الأمنية, والحراسات الأمنية وكانت كولابات الحراسة قد انتشرت بين
البيوت وعلى مداخل العديد من البنايات. وضربت أمثلة منها تحويل أوتوستراد المزة.
فكلفت السفارة السورية في واشنطن بتكذيب
الأخبار وخاصة ما يتعلق بالاوتوستراد واقترحت استضافة فريق من النيوزويك في دمشق
وتمويل رحلة التحقق من الافتراءات.ومن البديهي أن يكون القرار هو إزالة الحاجز
والتحويلة الطرقية فورا ليأتي مصورو
المجلة ويقعوا في شر أكاذيبهم.
وهكذا... ارتاح
كيلو متراج السيارات من التصفير السريع الخطر. ومن الوقوع في فك الخطأ المميت.
وشكرنا النيوزويك على ؛التدخل في الشؤون الداخلية« وإن كان غرضها ليس نزيها من وجهة نظر جريدة الوطن !!
لو أن لدينا صحافة شجاعة, ولو أن لدينا
صحفيين لا يسألون عن أحد إلا تحت طائلة القانون لكان ممكنا إقامة مرصد, شبيه بالمراصد العسكرية, يتجسس
(نعم يتجسس) على مفاتيح اللصوص, وهم يكسرون باب العفة التي أصبحت أشبه بندبة في
جسد الأخلاق السورية. ولكان ممكنا نشر
لائحة بأسماء طلاب الحقوق –
مثلا - الذين دفعوا لأستاذهم مبالغ للنجاح
في مادته وهو.. وزير عدل. ولكان ممكنا
الإطاحة بمن ساهم في تجفيف نهر الخابور لأنه باع تراخيص حفر آبار على طريقة
(بين بئر وبئر يوجد بئر). ولكان ممكنا
تصوير قاض, بديجتال صغير, وهو يقبض رشوة من محام لكي يكون ممكنا ذهاب ساكو وفانتزييتي"1" الى
الكرسي الكهربائي، ولكان ممكنا أن تقيم
خصيتا أحد المعذبين في الأقبية دعوى عطل وضرر لذة الحياة الدنيا, نطفة نطفة, ولكان
ممكنا الحديث المبكر عن الولد الذي حمل
ختم أبيه رئيس الوزراء ليطجه على أوراق رسمية مقابل أوراق نقدية. ولكان ممكنا توفير بنزين سورية الحديثة المهدور على طرق
التعازي والأفراح والصيفية وتهريب بضائع بيروت إلى بوتيكات دمشق. ولكان ممكنا إضافة أشكوك إلى الصحافة على عبارة "أشكوك إلى الله".
الصحافة سلطة.
ولكنها مندوبة أكبر رئيس تحرير في البلد وهو "الشعب" وليست مطية يركبها
أي تلفون يهدد بالويل والبثور.
الصحافة ورق,
كما هو لصر الفلافل, هو للهو والتمتع
والتلذذ بالخبر الصادق والتعليق الحاذق, والتسلية بالمعرفة, وإضاءة عتم الحفر التي
يسقط فيها أحيانا رجل, وأحيانا امرأة, وأحيانا طفل, وأحيانا .. وطن !!
ولكن هل من
الممكن إقامة مرصدعلى أرض غير محررة ؟
إن الخائفين من
الصحافة وسلطتها هم من يتباهون الآن وطوال الوقت بالشر وفروعه كلها.
- إنهم هؤلاء
الذين ألفوا قاعدة الحاكم لا يسأل عما يفعل ويسأل الناس عما.. لا يفعلون .
- إنهم هؤلاء
الذين يقولون لمواطن اشتبك معهم صدفة "لو تعرف من أنا.. يا كر".
- إنهم هؤلاء
الذين جعلوا الصحفي يرتجف خوفا من الطرد
ومن الحجز ومن البهدلة ومن حصته المقررة في ركن آمن.
- إنهم هؤلاء
الذين يتمسخرون على كلينتون, كرئيس جبان, لأنه قال عن الصحفيين: لا تدخل معركة مع
ناس يشترون الحبر بالبرميل .
للدومري
الجديدة هذا الكلام.
الدومري التي أسعدت
سبعين ألف سوري لحظة صدورها. ثم فجأة, تهاوت على الرصيف بلطمة إعلان, ولبطة مسؤول,
وتقاعس حقيقة.
وللدومري
وغيرها من الصحافة الخائفة: إذا كان للصحافة أن تعيش فعليها الخيار:
فإما حياة تسر الصديق
وإما ممات يغيظ
العدا
الصحافة ما
نقصد. وليس حائط المبكى !!
"1"
مناضلان عماليان أمريكيان ثبتت براءتهما بعد موتهما كهربة .
----------------------------
الصفحة
5 : المنتدى
خواطر وملاحظات
في ختام حياة مهنية
ابراهيم ياخور
موشك أنا هذه الأيام على التقاعد، في ختام سبع
وثلاثين سنة قضيتها في "الصحافة السورية".
لن أقول قضيتها في "مهنة
المتاعب"، كما يروق للصحفيين أن يطلقوا على عملهم في كل مكان. لأن قضاء العمر
في الصحافة السورية شيء أكثر من مجرد التعرض للمتاعب . إنه شيء أكثر بكثير ..
حالةٌ تشبه حوار طرشان . سوءُ فهم دائم، ما زال يحكم بعذاب أليم على كل من يتعامل
مع المهنة أبعد من كونها وظيفةً مسكينة، أي "من كل عقله"، كعمل إبداعي
مسؤول !
لذا أختصر: أنا إبراهيم ياخور أتقاعد اليوم
من العمل في "الصحافة السورية"، وكفى .. أغادر مهنةً عِشتُ فيها حتى
آخرَ لحظة أجملَ حالاتِ عِشقٍ غريب، وأفظعَ حالات المقت الشديد . لم أمارسها خارج
سورية، لكني شهدتها كيف تمارس في الخارج، وحسدت الذين يمارسونها في ظروف أفضل . فأنا
في الحقيقة لم أمقت مهنتي يوماً . كرهت الذين أشاعوا فيها السطحية والسخف، كي
أكرهَها وأصبحَ أهلاً لخيانتها، لا سمح الله ! وفعلوا ذلك بي مئات المرات . ولو
أنهم لم يفعلوا ذلك إلا بي لغفرت لهم حتى النهاية، لكنهم فعلوه بكل من أحب المهنة
بصدق وإخلاص . لذا أبدأ من الآخر، وأقتصر على القليل البليغ .
*
لو
لم يكن موعد تقاعدي التقى بمحض مصادفة موعد انعقاد هذه الندوة، وتقاطعت رغبةُ
اتحادِنا العتيد في تقديم شهادةِ صحفيٍّ مستقل، مع رغبتي الحانقة في الأنين قبل أن
ألوذ بالصمت، لغادرتُ الصحافةَ السورية بالطريقة المضحكة التي بُلِّغت بها تقاعدي:
قبل شهرين، فتحت باب غرفتي في التلفزيون ودخلت باندفاع، فدِستُ ورقةً بيضاء أدخلها مراسلٌ من تحت
الباب، وختمتها خطأً بطين حذائي . تلك كانت اللائحة "التحذيرية" بإحالتي
وعدد من العاملين إلى التقاعد . تملكني للتو شعور غريب بأن حياتي المهنية الطويلة
تشبه حال هذه الورقة .. حزينةٌ، متسخة . لا أعفي نفسي مما أصابها كليّاً، لكني
أدرك غباءَ وتخلفَ الطريقة التي أُديرت بها، ما جعل كثيراً من محطاتها الهامة تغدو
هامشية !
عملت منذ منتصف الستينات في جريدة أسبوعية،
ومجلة أسبوعية، وجريدتين يوميتين، وإذاعة دمشق العريقة، وفي التلفزيون العربي
السوري، خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة . أي عملت في أربعة أخماس الإعلام
السوري، معظم الوقت !
عملت مع أكثر من ثلاثين مدير عام ورئيس
تحرير، غادر معظمهم المهنة سعيداً إلى وظيفة أفضل، لأن الصحافة لم تكن تعني لديه
في حينه سوى الوظيفةِ الأفضل . ولم أعنِ، أنا المحررَ محبَّ المهنة، لأي منهم
شيئاً يزيد عن قرد بنفسجي للعرض . وسأوضح لاحقاً ما أعني بالقرد البنفسجي !
* في مسألة التمييز والتحامل .
مورس تمييز دائم ضد الصحفيين غير المقربين من
إدارات المؤسسات الإعلامية، وكان لي شرف الانتماء إلى هذه الفئة النكدة، وما أزال
.
من هم غيرُ المقربين ؟
إنهم أولاً غيرُ الحزبيين عموماً . وبعضُ
البعثيين حسني التربية أو ديمقراطيي الثقافة . وكل من يأبى ممارسة الدسيسة على زملائه
تقرُّباً من الإدارة . وأصحابُ الموقف النقدي من الحكومة وسياساتها الثقافية،
الاقتصادية .. الخ . أما المقربون فهم عكسُ أولئك، وبالطبع بينهم إنتهازيون غير
حزبيين، إضافة إلى فئة من الفطور تؤدي للإدارات خدماتٍ شخصيةً غيرَ نزيهة، ولا
حاجة هنا للتفصيل .
في رأي
أن الانحياز أضرّ كثيراً بالمقربين من الناحية المهنية والسلوكية، وبسمعتهم
السياسية، لأن الانحياز حتى في تربيتنا لأولادنا مفسد لأخلاق المحظيين . في جريدة البعث مثلا، ظل أفضل الصحفيين وأكثرهم
موهبة واجتهاداً طوال سنين وسنين من غير الحزبيين، لأن نقيصة التساهل مع الحزبيين
في التعيين والتشغيل والترقية الوظيفية والمكافأة أضعفت حوافزهم، ونظامهم المناعي
. وكلما انتبه المسؤولون عن الجريدة إلى هذه الحقيقة شعروا محقّين بالغيظ، وردوا
عليها بإحدى طريقتين خاطئتين: إما أنهم يضغطون على غير الحزبيين كي يدخلوا الحزب،
"لأنه من غير المنطقي أن يعمل في جريدة الحزب محررون غير حزبيين"، على
حد ادعائهم ! أو عملوا على إزعاج غير
الحزبيين، أو حتى إبعادَهم عن الجريدة، وإنْ إلى وزارة الصحة أو التموين، كما جرى
لي مع مجموعة من أفضل من عمل في الجريدة في بحر السبعينات، مثل الدكتور رزق الله
هيلان، الروائي فيصل حوراني، الباحث برهان غليون، وفيما بعد الناقد عمار ألكسان
وغيرِهم .
أُبعدتُ أنا إلى وزارة الصحة بنصف الراتب .
والسبب ؟ أنني أصريت في دورتين إنتخابيتين لنقابة الصحافة على ترشيح نفسي مقابل
لائحة الحزبيين، لكي تجري انتخابات ونحسّ بها، رغم أنني كنت أعرف أن الفشل المحتم
مصيري . كنت أعتقد أنه من مصلحة الحزبيين أنفسهم أيضاً أن ينجحوا في انتخابات، بدل
التزكية . لكنهم اعتبروا خطوتي اعتداءً على هيبتهم الحزبية . ورغم أن الضغط اتخذ
غالباً شكلا مسالماً، إلا أنني حُرمت من بعض استحقاقاتي المشروعة، حتى نُقلت
أخيراً إلى وزارة الصحة تعسفاً، وشُغِّلت موظفاً في الديوان، في مرحلة كنت بدأت
أكتشف نفسي كمحررِ تحقيقات، وأنجح بين حين وآخر في بلوغ الضفاف الفسيحة لهذا الجنس
الصحفي، الذي لم يكن شاع كثيراً في صحافتنا يومئذ، لأنه لم يكن يُشجَّع . وهو لم يشجع
لأنه الصيغة الصحفية التي تسعى، في طموحها البعيد، إلى بلوغ الحقيقة !
مضى على هذه الحادثة قرابة ثلاثين سنة .
مؤخراً زميل صاحب خبرة كبيرة وموهية، يعمل في جريدة البعث منذ رُبعِ قرن، أخبرني
أن رئيس التحرير استدعاه منذ عام تقريباً وقال له: كيف يعقل أنك غير حزبي حتى الآن
؟ قال الزميل: لا أعرف، هكذا حصل . أنا على أية حال أحب الجريدة، وأحب العمل فيها
. لكن الجواب لم يكن كافياً لرئيس التحرير الجديد، فأقاله من رئاسة القسم الذي كان
يديره بكفاءة عالية، وعين مكانه محرراً آخر، ربما يريد أن يخدمه في الأصل !
ماذا يعني أن تسأل بدهشة صحفياً يعمل منذ
ثلاثين سنة في الصحافة السورية، بكل ظروفها التي نعرفها جميعاً، وبعد أربعين سنة
من تسلم حزب البعث إدارة البلاد، لماذا لم يصبح حزبياً! ولأنه كذلك، مع قبوله
التام بالعمل في الظروف التي فصّلها له الحزب، يعاقب !
لشُدَّ ما أشتهي فهمَ الملابسات الذهنية
والنفسية، التي ولدت فيها هذه الطريقة في فهم الآخر، والتعامل معه . أنا لم أعتبر
نفسي يوماً خَصماً لحزب البعث العربي الاشتراكي، ولم أجد نفسي غريباً عن منطلقاته
النظرية، مع ذلك امتنعت في ثلاث مناسبات عن الاستجابة للدعوة إلى دخول الحزب، رغم
الخسارة الواضحة . ربما لأن طريقة الدعوة كان فيها كل مرة شيء ما، يجعلني أحس
بالتطاول على حريتي الشخصية !
* في مسألة حرية التعبير .
أخبرنا الدكتور صابر فلحوط مرة، مُنذُ رُبعِ قرن،
وأفترض أنه كان أميناً في قوله، إن الرئيس الراحل حافظ الأسد عُرِض عليه، في سياق
تحريض على الصحافة التي كانت تشاغب قليلاً يومئذ، كراسٌ دعائي عراقي معادٍ لسورية
عنوانه " من فمهم ندينهم "، قوامه قصاصات من صحف سورية في السبعينات
تكشف مشكلات اقتصادية واجتماعية . فقال لمحرضيه: بالعكس. أقترح أن تطبعوا الكراس
وتوزعوه، هو شهادة لصالحنا. والمغزى واضح . الرئيس الراحل ذاته كان استهل عهده في
مطلع السبعينات بمقولات وُضِع بعضها شعاراً دائماً أعلى صفحات الصحف، من مثل
"لا رقابة على الفكر إلا رقابة الضمير .. الخ" .
ورغم أن تحسنا محدوداً طرأ على هامش حرية
التعبير، في النشر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إلا أن الهامش ظل بالغ الضيق في
النشر السياسي . وحتى المجالات التي عرفت حريةُ التعبير عن مشكلاتها بعض التحسن في
بحر السبعينات ومطلع الثمانينات، كان التضييق يعود ليشتدَ عليها كلما تحولت
المشكلة إلى أزمة. ومع اشتداد الأزمات المعيشية لغالبية الناس في النصف الثاني من
الثمانينات، رغم أن الدخل القومي عرف تحسناً طوال عقد سابق، برزت بصورة واضحة
نزعةُ التضييق الشديد على حرية التعبير عن المشكلات . والسبب على الأرجح: أن خللاً
كبيراً راح يتعاظم ويظهر في توزيع الثروة بين شرائح الناس، نتيجة استفحال الفساد
الإداري . وفي ظني أن التضييق على حرية التعبير كان أصبح ضرورةَ أمانٍ للحكومة،
التي أشرفت على توسيع وتركيز النهب العام في تلك الحقبة، الممتدة حتى أواخر
التسعينات . وإلا كيف يفسر تعيينُ المحافظ الذي تهجم على الإعلام المحلي في مؤتمر
المحافظين أواخر الثمانينات، وشكك حتى بوطنية بعض الصحفيين، وزيراً لإعلام تلك
الحقبة ؟! وظل الرجل يزاول وظيفته طوال ثلاثة عشر عاماً بذهن مترع بالشكوك
والتحفظات، ليس حيال نمط من الصحفيين كما فعل في مؤتمر المحافظين، بل حيال نمط من
الإعلام، هو إعلام المواجهة مع الفساد، وإنْ بصورة محدودة .
أي باختصار، تحفَّظ بصورة دائمة على
"حرية التعبير" ! والدليل الآخر
على أن هذا التضييق على حرية التعبير كان نهجاً للحكومة كلها، كضرورة أمانٍ
لممارسة الفساد بارتياح تام، أن رئيس تلك الحكومة الذي جاءها من رئاسة مجلس الشعب،
شجع طوال فترتي رئاسته لمجلس الشعب صحفيين مشاغبين على انتقاد عمل الحكومة
السابقة،(التي عمّرت هي الأخرى نيفاً وعقداً من الزمن!)، حتى أنه كان يُشرك كلَّ
صحفي فتح ملفاً انتقادياً في عضوية لجنة المجلس المكلفة بالتحقيق في الملف . ثم
يدعوه لحضور جلسة مناقشة التقرير.
فما أن أصبح رئيساً للحكومة حتى وضع جُبنتَه
على خبز وزير الإعلام الجديد، المتحفظ أصلاً على الإعلام . ولم تمضِ سنتان حتى
قضيا على آخر الأحفاد في سلالة برنامج
انتقادي وحيد، عُرف على الشاشة السورية الصغيرة منذ مطلع السبعينات . فألغي
"البرنامج المفتوح" عام 1990 . وكان هذا من نسل برنامج "استديو
واحد" المُلغى، ابنِ "مرصد التلفزيون" المُلغى، ابنِ "مجلة
الشعب" لمحمود الخاني، ابنِ "رأي الشعب" لعادل خياطة .
ومؤخراً أوقف بصورة متعسفة وغيرِ مبررة
برنامج "ملفات حارة" الذي أعددته لقناة البرنامج العام في التلفزيون
خلال عامي 2001 و 2002، وسعيت فيه إلى استثمار صيغة التحقيق التلفزيوني المشبّع،
لمعالجة نماذج من المشكلات تصب في تيار إصلاح الحياة العامة في البلد. ورغم
الافتقار إلى استطلاع ميداني للآراء يبرهن على نجاح البرنامج، ظهرت بصورة متعاظمة
إشارات ميدانية على نجاح البرنامج في استقطاب جمهرة واسعة من المشاهدين المحليين،
في وقت تعاني شاشتنا الصغيرة، باعتراف الجميع، من هجرة الجمهور على نطاق واسع !
في خبرة هذا البرنامج، الذي عمل معي على
إعداده نخبة من أفضل الصحفيين التلفزيونيين الشباب، ما يثير قلقاً جدياً على
قناعاتهم حيال المهنة، جراء المرارات التي ذقناها طوال فترة العمل .
واسمحوا لي أن أقتطف بعض الملامح ذات دلالة
من تلك الخبرة:
1- الحجب المستمر لأبسط المعلومات،
في جميع الإدارات الحكومية .. التجربة مع محافظة دمشق .
2- الطرد على أبواب الوزارات
والمحافظة، مثال محافظة دمشق ووزارة المالية، وصولاً إلى مصادرة الكاميرا مرتين من
قبل الشرطة، في وقت كانت فيه كاميرا فضائيات عربية تصور وتبث !
3- الافتراء من قبل الوزير على أفراد
مجموعة العمل، والتهجم على البرنامج في مناسبات عديدة .
4- تهديدي باتهامي بأنني من جماعة المجتمع المدني، إن أنا أصررت على متابعة التحقيق في موضوع اقتصادي معين .. وصولا إلى منع الحلقة الأخيرة من البرنامج، بالرغم من ....)