سورية ونتائج الانتخابات الأمريكية: لم يعد من وقت لالتقاط الأنفاس


 18 تشرين الثاني 2004
ليس صحيحاً أن الشارع السوري لم يبد اهتماماً بالانتخابات الأمريكية ولا فرق عنده بين بوش وكيري، بل على العكس، هي من المرات القليلة التي تلحظ فيها متابعة شعبية لافتة وترقب قلق لهذه الانتخابات، ربما يعود السبب إلى تنامي شعور عام بحساسية الوضع العربي الراهن وخطورته، وارتباطه ارتباطاً قوياً بنتائج ما يجري في الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من شيوع حالة من الاستياء لنجاح بوش في أوساط شعبية متنوعة بتأثير مشاعر عفوية تجد في استمراره استمراراً لسوء الأوضاع وتوترها في المنطقة وخاصة في فلسطين والعراق، تلمس أيضاً ولدوافع مختلفة في بعض الأحاديث الرسمية تحسراً وخيبة أمل من عدم حصول تغيير في الإدارة الأمريكية ولهزيمة كيري، ليس لأن الأخير أقل تشدداً في ممارسة الضغوط على سورية، بل لأن نجاح بوش يعني انتصاراً معنوياً لنهجه أو اعترافاً من أهل البيت بجدوى سياسته، يحدوهم رهان على أن تغيير سيد البيت الأبيض ربما يوفر فرصة لتقدم سياسات أمريكية من نوع آخر أو يمنح هامشاً أوسع للمساومات والتفاهمات، أو على الأقل بعض الزمن الضائع لالتقاط الأنفاس خلال عملية انتقال السلطة!! ..
ومن باب تعزية الذات، يبدي آخرون ارتياحاً لاستمرار بوش في الحكم وبأن الذي تعرفه خير من الذي سوف تتعرف عليه، ثم بدعوى أنه الخيار الأقل سوءاً على المصالح العربية والحقوق الفلسطينية، ربطاً مع تعميم فكرة واهمة تقول إن الولاية الثانية لأي رئيس تحرره من سيطرة اللوبي الصهيوني واملاءاته طالما لم يعد بحاجة لأصوات اليهود الأمريكيين!! ..
والجديد في سورية أنه لم تعد ثمة إمكانية للتهرب من إبداء رأي بالانتخابات التي تجري في أمريكا، وصار أشبه بالضرورة إعلان ميل صريح لأحد المرشحين كمقدمة للتعريف بموقفك من أحداث المنطقة وتطورات الداخل، كما صار مفهوماً أن يعلن أحد النشطاء انحيازه للرئيس بوش حين يفسر دوافعه كرد فعل على سلوك النظام وتمنعه عن الإصلاح، ولإفشال رهان هذا الأخير على تغيير الإدارة الأمريكية في تخفيف الضغوط التي يتعرض لها والتمكن تالياً من الإفلات من استحقاق التغيير الديمقراطي. ومع تكرار الموقف المعادي للولايات المتحدة وموقفها المنحاز ضد الحقوق العربية، يجد أصحاب هذا الرأي أن استمرار التصعيد الأمريكي ضد السياسة السورية تقلص هامش مناورة النظام الحاكم وربما توقظه من غفوته وتكرهه على السير في مسار الإصلاح السياسي وقد بات المجتمع في أمس الحاجة إليه.
ومن المفيد هنا عرض بعض الملاحظات في ضوء مواقف مختلف الأوساط السورية وهواجسها من الانتخابات الأمريكية:
أولاً، حضر الدور الخارجي موضوعياً وبقوة في الحسابات والتحليلات السورية، وبينت الانتخابات الأمريكية بما لا يقبل الشك حضور رهانات داخلية على الخارج. فلم تخف السياسة الرسمية مثلاً رغبتها الصريحة بأن يهزم بوش، لعل ما يحمله كيري من اختلاف في طريقة خوض الحرب والحضور الأمريكي في العراق ينعكس هدنة مع سورية. وفي المقابل لم يخش الكثيرون من إبراز أثر نتائج الانتخابات الأمريكية على عملية التغيير الديمقراطي في البلاد، وجاهر بعضهم برأي يقول إن استمرار بوش وتالياً التصعيد والضغوط الأمريكية على سورية يمكن أن تساعد على كسر حال الجمود في مسارات التغيير والإصلاح.
ثانياً، إن الشعبية القوية التي حازها بوش حسمت نسبياً الحوارات حول مسألة إشكالية راهن الكثيرون عليها كورقة انتخابية تتعلق بدور عمليات التفجير والذبح والخطف وقتل الجنود في العراق في إفزاع الأمريكيين وإرغامهم على تغيير سياسات إدارتهم وإسقاط رئيسهم، مغفلين حقيقة تقول إن التطرف يولد التطرف، وأن التأثير في الرأي العام العالمي وخاصة الأمريكي منه يتطلب آليات جديدة تضع في اهتمامها مخاطبة العقل وقيم الإنسان الغربي لا تنفيره بمناظر الذبح البدائي واستعدائه حضارياً وأخلاقياً على شعوبنا وحقوقنا. وإذا كان من السليم الرهان على كسب شعوب تشاطرنا العديد من الهموم والقيم الإنسانية ولها حقوق يمكن أن تقرر الكثير في بلدان تستند إلى إرادة الناخب في اختيار حكامها، أو على الأقل إجبارهم على تغيير سياساتهم وتنحية أساليب العنف والقوة جانباً، فإن اندفاع الناخب الأمريكي صوب بوش يعني أنه يمنح الثقة مجدداً لرئيس متطرف يفهم لغة المتطرفين ويعرف كيف يواجههم.
لقد أجهضت النتائج الساطعة للانتخابات الأمريكية الآمال التي بنيت على تكرار ما حصل بعد تفجيرات مدريد في إسبانيا، ونجاح لغة القوة والإرهاب في حرف مجرى العملية الانتخابية، ما يعني في المقابل بدء تنامي شعور بعدم جدوى الخيار العنفي، وأن المواجهات الدامية على شدتها في العراق أخفقت في تخويف الأمريكيين وضعضعة شعبية رئيسهم بل ربما على العكس هي ما مكّنته من تعزيز صفوفه ومنحته ذريعة قوية لتأليب الرأي العام الأمريكي لصالح إعادة انتخابه، ويجد الكثيرون أن الرسالة التي أذاعها زعيم القاعدة أسامة بن لادن عشية الانتخابات أدت الغرض ذاته.
ثالثاً، أضعفت الانتخابات الأمريكية إلى حد ملحوظ حضور العقلية التأمرية والتبسيطية التي كانت تسخر من أية خصومة أو خلاف في البيت الأمريكي، وتعتبر الأمر مجرد لعبة أو مسرحية لتبادل الأدوار، والتي دأبت على تكرار عبارة تصف الحزبين الجمهوري والديمقراطي كوجهين لعملة واحدة، لتتقصد تصوير أمريكا كعدو موحد دون حاجة إلى إيضاح تفاوت المصالح والسياسات بين القوى والنخب المسيطرة، وأيضاً بينها وبين فاعليات ومؤسسات مدنية لا مصلحة لها في معاداة شعوبنا. بالطبع هي بشارة خير أن يتمكن العقل السياسي أخيراً من رؤية المسافات الصغيرة ودقائق الأمور وينأى عن الكليات والمواقف العامة، لعل في ذلك ما يساعد على رسم سياسات صحيحة تحسب توازنات القوى وتعترف بمصالحها وحقوقها، ولا تذهب بدافع المصالح الضيقة إلى حصيلة تشبه ما نجم عن التفرد في تقرير مصير الاستحقاق الرئاسي اللبناني.
رابعاً، فور إعلان النتائج لم يتأخر كثيراً ظهور بعض الأصوات الرسمية التي تدعو إدارة البيت الأبيض "إلى مزيدٍ من العقلانية والموضوعية" وأن تتخذ "سبل الحوار والتفاهم في التعامل مع سورية"، الأمر الذي لا يفاجئ أحداً طالما المعروف أن السياسة السورية طيلة تاريخها وفي أزمات أشد وطأة لم تقطع شعرة معاوية مع البيت الأبيض ولم وتغلق قنوات الحوار والتفاهم.
وفي المقابل، أثارت الانتخابات الأمريكية عند العديد من السوريين همومهم الديمقراطية، وربما يفاجئك أن تسمع من يحسد الأمريكيين على الحريات التي يتنعمون بها، ويبدي بعضهم إعجابه بسلاسة التسليم بالهزيمة وسهولة تجاوز الاحتقانات والاتهامات المتبادلة بين المتنافسين فور إعلان النتائج، أو حين يفكر آخرون بصوت عالٍ حول مدى صحة الشكوك بالدعوات الأمريكية لنشر الديمقراطية في المنطقة، ويبني بعضهم آمالاً على فشل مناورة النظام في خلق تفاهمات مع واشنطن، ويظهرون كمن يبشرون بأن سياسات أمريكا القديمة الداعمة للأنظمة ضد شعوبها تخضع اليوم للتغيير وتتجاوز ما درجت عليه العادة من تدابير سياسية ظرفية أو تفاهمات مؤقتة مع الحكام دون اعتبار لنوعهم وشكل الحكم القائم، ويرون تالياً أن من مصلحة أمريكا العمل اليوم على تغيير البنى وصياغة مجتمعات تستند إلى علاقات مؤسساتية ونمط حياة يقترب من النموذج الليبرالي ومعاييره، بما يساعدها على إنجاح الحملة المحمومة ضد "الإرهاب" وفق اعتبار يقول إن بعض الديمقراطية هو واحد من الأسباب المساعدة على سحب البساط من تحت أقدام قوى التطرف، وأن تنمية المنطقة اقتصادياً وتعليمياً ودعم مستوى من الحريات السياسية والحقوق الإنسانية فيها يمكن أن يخفف إلى حد كبير من عداء المجتمعات العربية لأمريكا ونمو ردود أفعال حادة وعنيفة ضدها. لكن، وبنفس القدر، أظهرت الأجواء الانتخابية على نحو ساطع المفارقة بين الحياة الديمقراطية الأمريكية وسياسة واشنطن الخارجية في فلسطين والعراق، ما عزز الارتباك في المزاج الشعبي السوري التواق للحريات والديمقراطية، لكن المتعاطف بقوة مع القضية الفلسطينية، وربما بدرجة أقل مع الوضع في العراق، وبدا أن ثمة مقاربة تزداد تبلوراً تجد أن التنمية الديمقراطية في سورية لن تقدم بالزخم المطلوب ما دامت الولايات المتحدة تأنف عن حل الصراع العربي الصهيوني أو تتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني.