المعارضة والموقف من الانتخابات السورية

26 شباط 2003

أربعة عوامل خففت إلى حد كبير من جوهر الخلاف الذي ظهر في صفوف المعارضة السورية بين دعاة المقاطعة ودعاة المشاركة في الانتخابات النيابية السورية المزمع إجراؤها في الثاني من شهر آذار القادم.

العامل الأول، أن وجهتي النظر تتفقان على رؤية تحليلية واحدة لطبيعة الشروط السياسية والقانونية التي تحكم هذه الانتخابات، وأنها تتم في ذات المناخات القديمة التي يخيم عليها شبح حالة الطوارئ والأحكام العرفية ويغيب عنها قانون للأحزاب يضمن حق وجود التنظيمات السياسية المعارضة ونشاطها، فضلاً عن أن العملية الانتخابية محكومة في كل لحظة من لحظات تطورها بقانون انتخابي قاصر يمنح السلطات التنفيذية قدرة واسعة على التدخل لتقرير ما تراه مناسباً، بدءاً من قبول الترشيح مروراً بمنح المرشح الموافقة على مضامين برنامجه الانتخابي وتحديد الهامش المتاح لممارسة الدعاية والنشاط، انتهاءً بإحصاء النتائج والبت في الشكاوى والطعون، الأمر الذي يلحق أشد الضرر بصحة الاقتراع والتمثيل ويفتح منافذ غير شرعية أو مستقيمة للتأثير في مجرى العملية الانتخابية ونتائجها كالتزوير والضغط والتهديد والرشوة .. إلخ.

العامل الثاني، تمثله وحدة المطالب والمهام النضالية التي طرحت كاشتراطات للمشاركة أو كأسباب للمقاطعة وتحديداً ما يتعلق منها بالحريات السياسية. فلم تستند المعارضة السورية في تعاطيها الايجابي مع هذا الاستحقاق الانتخابي إلى منطق الربح والخسارة، وأعلنت بوضوح أن هدفها من المشاركة ليس حصد نتائج أو الفوز ببعض المقاعد النيابية بقدر ما هو الإفادة من أجواء الحملة الانتخابية لحفز حركة الإصلاح والتغيير عبر الدعاية السياسية للحرية والتعددية وحقوق الإنسان وإشهار أهم الشعارات الديمقراطية وأكثرها إلحاحاً، مثل الدعوة لرفع قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وإطلاق سراح باقي المعتقلين السياسيين، وإزالة قرارات الحجر والتجريد من الحقوق المدنية عن عدد كبير من الناشطين السياسيين، والدعوة إلى حرية الصحافة والتعبير والى تعددية تشّرع حق وجود معارضة سياسية علنية وسلمية. وأمل دعاة المشاركة أن تراكم هذه العملية الانتخابية بعض الخبرات لجهة التدرب على الممارسة السياسية العلنية وتحقيق تواصل واسع ومباشر مع الجماهير الشعبية، ما يساعد على كسر جدار الخوف والسلبية واعتراض حالة عدم الاكتراث السياسي التي تسم غالبية المواطنين السوريين.

بينما وجد المقاطعون أن افتقار المجتمع لهذه الاستحقاقات الديمقراطية، أمر يجعل قرار المقاطعة حتمياً. فالطريق مسدودة والشروط ظالمة وليس ثمة أمل أو فرصة للإفادة من هذه الانتخابات ولو بالحد الأدنى، بل وجه الفائدة الرئيس سوف تجنيه السلطات في تثبيت الواقع القائم واستيلاد مجلس نيابي على صورتها. ويرى المقاطعون إن نجاح قوى المعارضة الديمقراطية، رغم الضغوط والصعوبات، في اختراق القوائم والفوز ببعض المقاعد النيابية لن يخرج "الزير من البير"، خاصة وأن صورة اعتقال النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي والأحكام القاسية التي صدرت بحقهما ما زالت ماثلة في الأذهان، بل أصبحت عبرة لمن يعتبر حول المصير الذي ينتظر كل نائب يتجاوز الخطوط الحمر، ويتنطح لدور طليعي جريء في مسار التغيير والإصلاح الديمقراطي وفي التصدي لمظاهر الفساد المستشري وما يحصل من أخطاء وتجاوزات.

العامل الثالث، يعود إلى مدى أهمية موضوع الخلاف ذاته، إلى تواضع الدور الذي يلعبه مجلس الشعب في صناعة القرار السياسي. وأن لا رهان على مؤسسة تشريعية لا تملك حيزاً مؤثراً وفاعلاً من ممارسة السلطة في مواجهة النفوذ الأقوى دستورياً وقانونياً وعملياً للأجهزة التنفيذية.

إن المقولات الأيديولوجية والسياسية العتيقة عن الحزب القائد والشرعية الثورية تمنح تلقائياً حزب البعث الحاكم وحلفاءه في الجبهة الوطنية التقدمية الحصة الأكبر من مقاعد مجلس الشعب. ويصبح من الطبيعي في ظل غياب قانون للأحزاب أن لا يعرف الناخبون السوريون خلال عقود من الزمن إلا وجهاً سياسياً واحداً يخوض غمار العملية الانتخابية تمثله قوائم الجبهة وتلونه قلة من أسماء المرشحين المستقلين. لتكون الحصيلة، مجلساً نيابياً تحت السيطرة تماماً وأداة طيعة بيد النظام لتعزيز سلطاته ونصرة سياساته بوصفها السياسات الوحيدة الصائبة والصحيحة!!

العامل الرابع، هو وضوح وتكامل موقفي المشاركة والمقاطعة اللذين أعلنهما التجمع الوطني الديمقراطي بوصفه الجسم الرئيس للمعارضة في الداخل وتحديداً لجهة تحميل السلطة السورية كامل المسئولية عن سلبيتها وعزوفها عن الاستمرار في الاستجابة لحاجات الإصلاح والانفتاح السياسي. فأكد في تعميمه الصادر في 18/11/2002 أنه: "لن يمتنع عن خوض الانتخابات والتعامل معها بانفتاح وإيجابية، في حال توفر الحد الأدنى من الظروف والشروط التي تخرج بها من حالة الصورة الزائفة إلى الحركة السياسية والشعبية الحقة ..". وبعد أن حدد أهم هذه الشروط مثل حرية الاجتماع والتعبير، ورفع حالة الطوارئ ووقف العمل في الأحكام العرفية ووضع قانون للانتخاب، لم يخف التعميم احتمال مقاطعة الانتخابات: "حين لا تلاقيه السلطة إلا باستمرار الركود والممانعة والاستمرار على الطرائق القديمة". وكتحصيل حاصل جاء بيان المقاطعة بتاريخ 25/1/2003 مؤكداً أن: "القيادة السياسية في سورية قد حسمت خياراتها بعدم الاستجابة للمطالب المحقة وتوفير الحد الأدنى من المطالب الشعبية والسياسية ..".

لقد أظهر التجمع الوطني الديمقراطي بعد مقاطعة تاريخية طويلة حسن نواياه وأعلن موقفاً إيجابياً مبكراً من العملية الانتخابية مراهناً على تصاعد ضغط الواقع السوري وإلحاح حاجته للإصلاح الديمقراطي، ومستقوياً بواقعة أن هذه الانتخابات هي الأولى التي تجري بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم وما حمله خطاب القسم من إشارات واعدة بانفتاح سياسي يحترم الرأي الآخر ويعترف بالتعددية الفكرية والسياسية.

خلاصة القول إن الخلاف الحاصل بين صفوف المعارضة السورية حول الموقف من الانتخابات لم يكن أكثر من خلاف إجرائي أو تباين في الاجتهاد لاختيار التكتيك الأنسب والأكثر فائدة لنصرة مطالب التعددية السياسية والديمقراطية. ولا أذيع سراً عندما أقول إن أحد أغراض التذكير بهذه الحقيقة هو محاولة تصفية الأجواء وترطيبها في البيت المعارض الضعيف والمنهك وتعزيز التفافه حول همومه العامة في مواجهة أولئك الذين يتقنون الاصطياد في الماء العكر، أو من يحلو لهم أن يبالغوا في قراءة تباينات الرأي ويصوروا الأمر كأنه أم المعارك، ويستسهلوا إطلاق الشائعات وتضخيم ما حصل كأن قوى المعارضة الديمقراطية على أبواب الانقسام والتفكك!! ..

إن السجالات التي احتدمت حول الموقف من الانتخابات التشريعية هي ظاهرة صحية مهما تصاعدت حدتها وارتفعت حرارتها، بل لنقل إنها راكمت الكثير من المنافع في تشريح الوضع السياسي الراهن وفي توحيد الصوت حول المطالب والمهام الديمقراطية المستحقة. ويخطئ من يبقى أسير نتائج هذه السجالات ويتغنى بانتصاره كمقاطع وهزيمة دعاة المشاركة، متناسياً أن الخسارة في ما آلت إليه الأمور هي خسارة للجميع وأن الرابح الوحيد هم أعداء الانفتاح والتغيير الديمقراطي الذي تتعطش له الحياة السياسية السورية.

__________

* كاتب سوري - دمشق