منتدى جمال الأتاسي: إصرار وتصميم على الاستمرار

18 كانون الأول 2002

مع مرور عامين كاملين على نشأته وفي بادرة مميزة؛ خصص منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي بدمشق جلسته الدورية يوم الأحد 1/12/2002 لتقويم المرحلة الماضية من نشاطه، وعمد إلى فتح باب المشاركة على مصراعيه أمام الجميع لتقديم رؤيتهم النقدية عن واقع المنتدى وأوجه وآفاق تطوره وللإجابة عن سؤال هل هناك جدوى من استمراره أم لا؟!

وكما هو متوقع، فإن الملاحظات النقدية التفصيلية حول بعض الأخطاء والتجاوزات التي حصلت في مجرى وطرائق إدارة الحوار وحول طابع الموضوعات التي طرحها المنتدى للنقاش في بحر العامين المنصرمين، لم تحجب حالة شبه الإجماع على ضرورة استمرار نشاط المنتدى، إذ أبدى معظم الحاضرين إصراراً وتصميماً لافتَين في الحفاظ على هذا المنبر السياسي الحر وتأكيد دوره المميز والمتفرد في الحياة السياسية السورية.

وكي يصبح هذا التصميم الصادق حقيقة فاعلة على الأرض بعيداً عن الرغبات والنوايا، وكي نتلمس بدقة سوية ومحتوى الاستمرار المحتمل، لا بد من قراءة وفهم شرطيه الموضوعي والذاتي، إن لجهة طابع المناخ السياسي السائد أو لجهة مسئولية ودور القائمين والمشاركين في أعمال هذا المنتدى وما يمكن أن يقدموه على هذا الصعيد.

عرف منتدى الأتاسي فترتين متمايزتين خلال تاريخه القصير، فترة ما قبل أيلول وفترة ما بعد أيلول 2001. وليس المقصود بهذا التقسيم تفجيرات أيلول التي حدثت في نيويورك وواشنطن، بل الاعتقالات التي طاولت عشرة من نشطاء المجتمع المدني ومنهم بعض أعضاء هذا المنتدى والناطق الرسمي باسمه.

الفترة الأولى شهدت مناخاً واعداً من الحرية والانفتاح عرف باسم ربيع دمشق وصل خلالها منتدى الأتاسي إلى أفضل حالاته من حيث الحضور والحيوية، لتبدأ الفترة الثانية مع عودة الأجواء الأمنية القديمة وسياسة الخطوط الحمر التي حددت ما يمكن أن يقال وما يجب أن لا يقال تحت طائلة الاعتقال والسجن!!

وأن يستثنى منتدى الأتاسي من قرار وقف ومنع المنتديات السياسية والثقافي الصادر في ربيع 2001 لا يغير من حقيقة أن المناخ الأمني الذي ساد بعدئذ وعززته اعتقالات أيلول، فرض نفسه بقوة على الهامش المتاح لنشاط المنتدى وعلى محتوى برنامجه وأيضاً على نوعية وحجم الجمهور الذي يرتاده!!

فأول ما يلمسه المرء هو تراجع دور المنتدى عن إنجاز إحدى المهام المعروفة لمنتديات الحوار السياسي وهي جذب فئات جديدة من الناس إلى ساحة المشاركة في الشأن العام بما في ذلك حثها على ممارسة دورها الطبيعي في الحياة السياسية. إذ أن حضور أسلوب الاعتقال أيقظ الخوف ولنقل "الرعب" من أخطار العمل السياسي المعشش تاريخياً في النفوس وأدى إلى انحسار المد الكبير في أعداد المشاركين الذي بلغ أوجه في آخر محاضرة لرياض الترك قبل سجنه، فتقلص عدد الحضور بشكل ملحوظ وصارت الوجوه ذاتها تتكرر في كل جلسة من جلسات المنتدى، كما هو حال أعداد المداخلين والمحاورين التي باتت تقتصر في معظم الأحيان على أصحاب الهم السياسي العتق، وأغلبهم ممن انتموا أو ما زالوا ينتمون إلى أحزاب أو منظمات سياسية معارضة. إضافة إلى أن المناخ الجديد أثّر بقوة على أسلوب الحوار فنَحا صوب التورية والمواربة محل اللغة الصادقة والصريحة، كما عكس نفسه بوضوح على طابع الموضوعات المتداولة فاتجهت في معظمها نحو موضوعات عامة ذات بعد فكري ثقافي أو اجتماعي (كالعولمة، القومية، الشباب، الإصلاح الديني، المعرفة والشراكة، التعليم العالي .. إلخ).

ومع تقديرنا لأهمية هذه الموضوعات وضرورة الحوار حولها فإنها جاءت على حساب قضايا السياسة المحلية، ما أظهر المنتدى كمن يهرب أو يتهرب من دوره الحقيقي في معالجة هذه القضايا الساخنة والملحة وأفقده بعضاً من حيويته وتالياً من قدرته على جذب جمهور جديد يتعطش لسماع إجابات شافية عن حقيقة أوضاعه وهمومه الداخلية.

في هذا السياق ظهرت أصوات قليلة خافتة ما فتئت تطالب القائمين على المنتدى باتخاذ قرار "جريء" يعلن وقف أعماله وتجميد نشاطاته بذريعة أن استمراره ساهم ويساهم في تجميل وجه نظام شمولي لم يتقدم إلى الآن بخطوات جدية على صعيد مشروع الإصلاح الديمقراطي ولم يُجرِ أي تغيير ملموس في مستوى سيطرته وتحكمه على ساحة النشاط السياسي. مثل هذه الأصوات إذ تستند إلى حقيقة ساطعة بأن الإجراءات التي أقدمت عليها السلطة في مستوى الإصلاح الديمقراطي ما زالت هشة ومحدودة فإنها تندفع في دعوتها إلى حد التطرف حين تطالب قوى التغيير الديمقراطي بالتخلي طواعية عن الإمكانية الوحيدة المتاحة لممارسة الحوار السياسي العلني والصريح دون أن تقدم أي حل أو بديل آخر. وكأنها تأنف العمل التراكمي أو تترفع عن استثمار وتوظيف كل ما هو متاح وممكن كي تخلق وضعاً جديداً يؤدي بدوره إلى توسيع ما كان متاحاً وممكناً. ونتساءل من قناة هذا الرأي عن الجدوى إذاً، من طرح أية أهداف أو شعارات بسيطة ومتواضعة تتعلق بالحريات العامة؟! أليس من الأفضل لهؤلاء أن يرفضوا ويعارضوا ما رفع من مطالب ومهام ديمقراطية مثل إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، أو إطلاق دور المنتديات السياسية والثقافية من جديد، أو تحرير السجناء السياسيين، أو إقرار قانون للأحزاب يشرع حق التنوع والتعدد الفكري والسياسي طالما في تحققها أو تحقق بعضها ما يحّسن بالتأكيد وجه النظام السوري ويجّمله؟!

من جهة ثانية، وبعيداً عن عبارات التشاؤم والتفاؤل في تقدير حال مشروع الإصلاح والتغيير الديمقراطي في سورية، ينبغي التأكيد أن استحقاقات هذا التغيير باتت حاجة موضوعية، تزداد إلحاحا يوماً بعد يوم، بغية تجاوز أوضاع قائمة ثبت عجزها عن تلبية حاجات المجتمع وظهر تخلفها عن مواكبة التطورات والمتغيرات العالمية، فلم تعد ثمة جدوى من التمسك بالوسائل والطرائق القديمة في الحفاظ على السيادة والهيمنة وباتت السلطة معنية جدياً باعتماد أشكال جديدة، لنقل أقل احتكاراً أو أكثر انفتاحاً إن صح التعبير، في إدارة الدولة والمجتمع، الأمر الذي يبقي صيرورة الإصلاح الديمقراطي مفتوحة ويمنح منتدى الأتاسي إمكانية موضوعية لاستمرارٍٍِِ تزداد فاعليته طرداً مع تحسن المناخ السياسي ومع اتساع هامش الحرية المتاح، دون أن نغفل أن هناك مسئولية ذاتية تعود للمنتدى والدور المفترض أن يلعبه في دفع مسار الإصلاح والتغيير الديمقراطي قدماً إلى الأمام .. دوره في نشر الوعي الديمقراطي وثقافة حقوق الإنسان، والتهيئة الفكرية والسياسية لحياة ديمقراطية في سورية تغتني بروح المنافسة الشريفة والسعي نحو الأفضل لا روح القهر والتحطيم، روح المصالحة والتسامح لا روح الحقد والتشفي وتتشبع بحق قبول الآخر وشرعية وجود معارضة سياسية سلمية وعلنية. دوره تالياً في علاج أزمة الثقة التي تتغلغل عميقاً في الحياة السياسية السورية بين صفوف القوى الديمقراطية المعارضة ذاتها ومن ثم بينها وبين السلطة والمساهمة في تكريس وعي مفهومي جديد حول ثنائية السلطة المعارضة، المفهوم الذي افتقد له المجتمع السوري منذ أمد بعيد.

يجب أن لا يُفهم مما سبق أن المطلوب من منتدى الأتاسي التعويض عن دور سياسي مفقود أو ضعيف لقوى المعارضة الديمقراطية رغم أن التجربة التاريخية غنية بأمثلة في مصر وفي بلدان أوروبية مختلفة لعبت خلالها منتديات الحوار مثل هذا الدور بل المطلوب أن يتقصد المنتدى في أعماله إنجاز مهمة تأسيسية، فكرياً وسياسياً وتربوياً، جوهرها إشاعة المفاهيم الديمقراطية وزرع قيم الحرية في النفوس. وفي هذا الصدد يحق لمنتدى الأتاسي أن يفخر بأنه أخذ بيدنا جميعنا من ظلمات الشمولية الشيوعية أو القومية أو الدينية، وقاد خطواتنا المتعثرة في طريق احترام الرأي المخالف وعلمنا أصول الحوار الديمقراطي وصبر الاستماع والإصغاء إلى الآخر. وأنه نجح أيضاً في إثارة حوارات ناضجة حول موضوعات سياسية في منتهى الحساسية مثل التعددية والوحدة الوطنية ومسار الديمقراطية وآفاقها مفهوم الرأي والرأي الآخر. وأنه في كل جلسة من جلساته، لم يكل أو يمل من المطالبة بالحريات السياسية وإطلاق سراح السجناء السياسيين.

نتمنى لمنتدى الأتاسي في ضوء المراجعة النقدية التي تمت، أن يعيش عامه الثالث بكل حيوية وحرية وأن يزدهر في إثارة موضوعات فكرية وسياسية تساعد على التوصل إلى إجابات علمية ومسئولة عن أسئلة الواقع الملحة، وفي توسيع دائرة نشاطه، عربياً وعالمياً، بدعوة مثقفين عرب وأجانب للمشاركة والحوار، ونأمل أن يحظى أخيراً، بالموافقة على طلب الترخيص لينال حقه القانوني في الوجود والنشاط، بما في ذلك تخصيص قاعة في أحد المراكز الثقافية بدمشق لإدارة جلساته أو منحه فرصة لاستئجار إحدى الصالات العامة تحقق هذا الغرض.

إن منتدى جمال الأتاسي بتفرده في الاستمرار بنشاطه العلني "شبه الشرعي" وبالتفاف كل ألوان الطيف الديمقراطي السوري حوله، يبقى محط آمال الكثيرين وفرس رهان لتفعيل الحياة السياسية الراكدة وتهيئة المجتمع لدور جدي، فاعل ومشارك في عملية الإصلاح والتغيير الديمقراطي المستحقة.