العفو السياسي .. ومسار الإصلاح الديمقراطي!

4 كانون الأول 2002

كبشارة العيد شاع خبر الإفراج عن رياض الترك. وبترحيب حار فتح الوطن ذراعيه لاستقبال هذا العجوز الشامخ الأبي وعانق روحه التي لم تهدأ أبداً وقلبه الذي ما تعب قط من الخفقان حباً لشعبه ووطنه وتوقاً للحرية والحياة الكريمة.

وبعيداً عن التكهنات حول الأسباب الحقيقية وراء إطلاق سراح هذا المناضل الكبير، أهي أسباب إنسانية ترجع إلى وضعه الخاص أو إلى حالته الصحية أم استجابة لضغوط خارجية مارستها دول أوروبية والعديد من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، فان ما حدث هو بادرة ايجابية حقاً، ملأت القلوب والنفوس فرحاً. لكن، لا يحتاج المرء إلى كبير عناء ليكتشف "مسحة من الحزن" ارتسمت في عيون الكثيرين على مصير باقي المعتقلين السياسيين وعلى الأمل الذي خاب حين اقتصر "العفو المرتقب" على شخص واحد ولم تتزامن الذكرى السنوية للحركة التصحيحية مع قرار سياسي يطلق سراح دفعة جديدة من المعتقلين أسوة بما حدث في العامين المنصرمين.

ومع ذلك "فالعفو السياسي" على أهميته وضرورته في تخفيف الظلم الذين حاق بالسجناء السياسيين وفي خلق مناخ من التسامح نحتاج إليه جميعنا، يبقى إجراء قاصراً في مسار الإصلاح الديمقراطي، فهو في وجهه المقابل تسويغ لدوافع الاعتقال، وتأكيد على حدوث خلل استدعى التوقيف والسجن، وتالياً إثبات للتهم الموجهة وللأحكام التي صدرت بحق رياض الترك ورفاقه، ليغدو الأمر كأنه انتصار لما جرى من اعتقالات ومحاكمات، وإضفاء نوع من الشرعية السياسية والقانونية على أسلوب القمع وتبريره في التعامل مع الرأي المعارض.

ولا يخفى على أحد أن التهم مثل الاعتداء اللامشروع على الدستور والدعوة لعصيان مسلح أو إثارة النعرات الطائفية والمذهبية، هي تهم "مفبركة" لا أساس لها ولا دليل على صحتها في كل ما قاله أو فعله هؤلاء المعتقلين، فضلاً على أن المحكمة التي أحيلوا إليها كانت محكمة استثنائية سارت وفق أساليب تجانب أصول وقواعد المحاكمات العادلة، والنتيجة أحكام قاسية إنسانيا وسياسياً، طاولت أول ما طاولت، حرية الرأي والتعبير ومشروعية بناء أي شكل من أشكال المعارضة السياسية السلمية في سورية.

إذاّ، فقد حصل ما حصل لدواعٍ سياسية ولم تكن التهم الموجهة والمهمة المنوطة بالقضاء إلا وسائل وآليات مبرمجة غايتها وضع حد لدور هؤلاء المناضلين الديمقراطيين الذين أشهروا انتقاداتهم للحكم وبينوا أخطاءه ومثالبه وأعلنوا تعارضهم مع بعض سياساته، أو جاهروا بدعوتهم لتطوير الانفتاح السياسي القائم نحو إصلاح ديمقراطي واسع يرونه طريقاً ناجعة لتمكين المجتمع من تطهير نفسه وتفعيل قواه وقدراته. فهم لا يملكون الأسلحة والدبابات، ولم يفكروا مجرد تفكير في التخطيط لانقلاب أو لعصيان مسلح، كما أن الأجهزة المعنية تعرف بدقة متناهية حدود "قواهم" وحجم ما يحملونه من "أخطار" على أمن الوطن والمواطن!! ومن هنا فإن رد فعل السلطة الحاد والقاسي لم يأت متناسباً أو منطقيا في ظل توازن القوى القائم (إن صحت التسمية بتوازن قوى، فليس ثمة خصم متربص ينبغي إيقاع الهزيمة به، وليس هناك موقع أو نفوذ مهدد!!) بل جاء ضد حالة متواضعة من الحراك السياسي عُفت باسم "ربيع دمشق " بغية إجهاض الفرصة التي اتيحت لتطوير الحياة الديمقراطية، والعمل على تحجيم الموقف السياسي المعارض وتأطيره ضمن ما سمي "الخطوط الحمر" التي تلزم الجميع بما يمكن أن يقال وما يجب أن لا يقال!! ..

ونتساءل أهي عودة إلى ة الحل الأمني أم "الثقة التاريخية" بنتائج أسلوب القمع بوصفه "الأسلوب الأنجع" في التعامل مع الموقف المخالف؟! أم يعود الأمر إلى حالة من "ضيق الصدر" في التعاطي مع الرأي الآخر وغياب القدرة على تقبل أي انتقاد أو ملاحظة تجاه ما يحصل من أخطاء؟! أم هناك حيثيات أخرى يمكن أن توضح الأسباب التي حفزت السلطة للقيام بسلسلة من الخطوات التراجعية عن أجواء الانفتاح الايجابي التي شهدتها البلاد مع تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم؟! ..

إن أي مراقب للحياة السياسية السورية يلمس لمس اليد مدى الانحسار الذي أصابها جراء قرارات المنع والتضييق على المنتديات السياسية والثقافية وجراء الاعتقالات التي طاولت بعض نشطاء المجتمع المدني. فحالة الخوف أو لنقل الرعب التقليدي من أخطار العمل السياسي عادت لتتملك نفوس البشر وتشل رغبتهم المكبوتة أصلاً في المشاركة بالشأن العام.ترتب على ذلك عودة مظفرة لطقوس الطاعة والإذعان وتراجع ملحوظ، يزداد يوماً بعد يوم، في أعداد المهتمين بالمناقشات والحوارات العامة، بعكس ما شهدناه حين كانت المنتديات السياسية والثقافية في أوج نشاطها.

وقتئذ، لأول مرة، أتاح هامش الحرية النسبي لطائفة متنوعة من الفتية والشباب فرصة المشاركة والاحتكاك بالنشاطات السياسية وساعد الكثيرين منهم على اكتشاف أهميتهم ومكانتهم في المجتمع وعلى بناء الثقة الضائعة بأنفسهم وبوطنهم. ويحضرني في هذا السياق ما قاله شاب حديث العهد في اهتماماته السياسية كان يتردد بحذر على احد المنتديات: "بأنه بدأ يشعر بالحماس وبجدوى مشاركته في الحوارات السياسية وأنه صار يتحسس جيداً معنى انتمائه لوطنه وقضايا شعبه وأن ما حفظه من تحذيرات عن خطر العمل السياسي أو وصايا تقديس الخلاص الفردي أصبحت موضع شك وتساؤل أمام ما رأته عيناه من صور التفاعل والتشارك وتفهم الرأي الآخر وطرائق إدارة الصراع بين المتحاورين" .. لكنه بعد الاعتقالات الأخيرة صار يلمح إلى إحساسه بالخوف والقلق وأنه يفكر جدياً بوقف حضوره إلى المنتدى، وللأسف استمر هذا الشاب في الحضور حتى إحالة معتقلي ربيع دمشق إلى المحاكم ثم ذهب ولم يعد، لعله رحل إلى عزلته وسلبيته أو ربما تتقاذفه الآن "بلاوي" العالم السفلي أو تشوهه الارتباطات والملاذات الطائفية والعشائرية المتخلفة!!

فإلى أين نسير؟! وأي طريق نسلك؟! ..

ولماذا يريد البعض تثبيط الهمم وتقويض قدرات البشر ودورهم الذي لا غنى عنه في مواجهة التحديات الجسام الماثلة أمامنا؟! .. وهل ثمة جدوى ومستقبل يرتجى من تسييد لغة القسر والإكراه ومن نبذ الآخر وعدم الاعتراف بحريته وحقه في نقد ومعارضة ما يراه من مثالب وأخطاء كأنه ضلع قاصر غير معني مثله مثل الآخرين بحاضر هذا الوطن ومستقبله!! .. ثم أليس من المؤلم حقاً التحفظ على من بقي من معتقلين سياسيين والإصرار على اعتبار ما جرى بحق معتقلي "ربيع دمشق" مساراً صحيحاً ينبغي الاستمرار فيه دون مراجعة أو إعادة نظر؟! ..ثم إلى متى تبقى كل دعوة صادقة لبناء مجتمع التعددية والديمقراطية جريمة لا تغتفر، وكل مدافع عن المجتمع المدني ودوره الحيوي في بناء الوطن وحمايته، شخص مدان يستحق أشد قصاص؟! ..

إن العيون ترنو صوب عفو سياسي لكن ما يحتاجه مجتمعنا أكثر من ذلك بكثير، يحتاج إلى حل سياسي عام لأزمة قائمة، إلى "عفو" لكن من طراز خاص إن صح التعبير، ليس فقط، بمعنى إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين على أهمية وأولوية هذه الخطوة، وليس أيضاً لإسقاط كل التهم وتبرئة السجناء من الأحكام التي صدرت بحقهم فحسب، وإنما أساساً، بوصفه إرادة سياسية واضحة غايتها إعادة الروح أو لنقل بعث جديد لحركة الإصلاح الديمقراطي والتأكيد على رؤية لمستقبل الحياة السياسية السورية تطوي ملف الاعتقال السياسي نهائياً وتوفر مناخاً طبيعياً يضمن حرية الرأي والتعبير ويحترم حق وجود الموقف السياسي المعارض دون أن يترتب على ذلك المساءلة أو الحساب والعقاب.

لقد غدا الإصلاح السياسي الديمقراطي حاجة موضوعية ملحة لتغيير أوضاع قائمة ثبت عجزها عن تلبية حاجات المجتمع ومتطلباته وظهر تخلفها عن مواكبة التطورات والمتغيرات العالمية وهو يزداد إلحاحاً وتطلباً في ظل الأجواء المتوترة التي تمر بها المنطقة لتفعيل كل القوى واستنهاضها في مواجهة تحديات البناء والتنمية والتصدي للأخطار الخارجية المهددة.

هناك الكثير يجب عمله لتفعيل دور الناس في الحياة العامة ولتمكينهم من تجاوز حالة الخوف والهروب من المشاركة السياسية، ولعل خير ما يمنحهم الثقة والاطمئنان هو الركون إلى حكم المؤسسات وسيادة القانون والعمل على بناء آليات حضارية تنظم العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة وأجهزتها. وتبقى الخطوة الأولى على هذه الطريق إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين ومعالجة آثار ونتائج المحاكمات التي جرت، والمسارعة إلى تبرئة رياض الترك ومعتقلي ربيع دمشق الآخرين من التهم والأحكام التي صدرت بحقهم وإعادة الحياة والحيوية للمنتديات السياسية والثقافية.

إن الفرحة بحرية رياض الترك على اتساعها هي فرحة ناقصة، ويبقى الجرح مفتوحاً طالما أن العديد من المعتقلين السياسيين قيد السجون .. فمتى تكتمل فرحتنا وتلتئم الجراح؟!