وأبى هذا الفارس أن يترجل!!

 

 

17 تموز 2002

أخيراً، صدر الحكم بحق رياض الترك، عامين ونصف العام من السجن، مع التجريد من الحقوق المدنية.

حكم الرجل، لأن روحه لم تهدأ أبداً، وقلبه ما زال يخفق توقاً للحرية ولحياة كريمة، دون أن تشفع له شيخوخته وأمراضه المزمنة، أو السبعة عشر عاماً التي أمضاها وحيدا في سجنه الانفرادي، أو إحساسه المفعم حباً ومسئوليةً تجاه شعبه ووطنه.

أخيراً، أعيد المارد إلى مصباحه السحري، لاعتدائه على الدستور، وإثارة العصيان المسلح، ونشر الأخبار الكاذبة .. بينما يتابع "المعنيون بالأمر" مهماتهم في إزالة ركام الدمار الذي خلفه هذا الاعتداء، ومحاصرة بؤر العصيان المسلح التي أثارها، وإطفاء نار الطائفية والصراعات المذهبية التي استعرت، وأيضاً ما زال هناك الكثير من الجد والعمل كي يتم القضاء نهائياً على الشائعات والأخبار الكاذبة التي أطلقها لإضعاف روح الأمة وهي في أتون حربها الضروس!!

وأن تسمع قرار الحكم وحيثياته، ترتد مشدوهاً كمن صعقه تيار كهربائي، ولا تحتاج إلى كبير عناء كي تكتشف أنه حكم جائر انسانياً وقانونياً، يطيح أرضاً بحرية الرأي والتعبير وبمشروعية بناء أي شكل من أشكال المعارضة، كما يكسر عنوة رغبة مناضل ديمقراطي دأب على التضحية بذاته وكل ما يملك في سبيل حرية الإنسان وسعادته، وأبدى احتراماً عالياً للرأي الآخر وحقوق الإنسان وتخطياً للحسابات الصغيرة والآفاق الضيقة. إنه حكم، أشبه ما يكون برسالة موجهة لكل دعاة الإصلاح والتغيير الديمقراطي في سورية بأن يتحسسوا رؤوسهم جيداً، وبأن أحد منهم لن ينجو أبداً، وإن تأخر دوره بعض الوقت.

ومن كل ما جرى يعتصر قلبك ألم وقهر لا يعرفان حدوداً، وأنت تلحظ الأعداء الحقيقيين للدستور، والساخرين من الحق والقانون، ومن نخروا عميقاً في المجتمع، فساداً وتخريباً، يسرحون ويمرحون على هواهم. ورياض الترك سجين ومجرد من الحقوق المدنية، وهو من دفع جل حياته ثمناً للحرية، ومن داس على جراحه وآلامه ودعا إلى طي صفحة الماضي وتناسي مآسيها، وإلى مصالحة وطنية ودور للجميع في مواجهة التحديات والتعديات الكبيرة على حاضر سورية ومستقبلها.

ففي أي سبيل نمضي، والى أين تقودنا هذه الطريق؟!

وإلى متى تبقى لغة القسر والقوة، اللغة السائدة في حياتنا وعلاقاتنا، فلا نعترف ونسلم بحق الآخر في إبداء رأيه ومعارضة ما يراه من مثالب وأخطاء، وأنه معني، مثله مثل الأخرين، بحاضر هذا الوطن ومستقبله؟!

أما آن الأوان، أن يعي الجميع حقيقة، أن رياض الترك بين أهله وناسه، هو وطن أقوى وأشد مناعة، في زمني الحرب والسلم على حد سواء. وأن الاعتقال السياسي، وقهر الرأي الآخر، يصبح، يوماً بعد يوم، من مخلفات الأزمنة الغابرة ومن سمات المجتمعات الضعيفة والهزيلة. وأن الإنسان الحر لا المقيد الذليل، هو الأزكى والأوفى تضحيةً في سبيل تطور المجتمع وازدهاره.

وأن تلك اليد البيضاء الناعمة، لهذا العجوز الشامخ الأبي، التي لوحت للجموع أمام مبنى المحكمة، هي يد خير ومحبة، وهي بارقة خلاص من مخاض الحرية الصعب والعسير.

وأن تلك الجموع التي صفقت لرياض الترك طويلاً، وكابدت الزجر والردع، وأيضاً الحرمان من وداع فارسها إلى سجنه، هي وعد عطاء، وأمل بوطن حر مزدهر ومنيع.

ولعل الوقت لن يطول على "علاء الدين" ليجد "مصباحه السحري"، ويطلق "المارد" من جديد!!