السياسة السورية في لبنان مُحَدِّدات وتحدّيات..!!

أكرم البنّي

 

محاضرة ألقيت في منتدى جمال الأتّاسي بدمشق في 5/3/2005

 

  هل سمعت؟!... كان السؤال ينذر بأن زلزالاً أو خراباً هائلاً قد حصل تلته عبارة حاسمة: لقد اغتيل رفيق الحريري!!.. وأضاف قبل أن أصحو من هول المفاجأة ليؤكد رأياً طالما كرره في حواراتنا المشتركة: لا مكان في دنيانا إلا للقمع والعنف ولغة القتل!!..

 

شعرت بالأسى والاختناق وكمن وقع في بئر لا قرار لها، لم تنتشلني من حلكتها سوى الحشود المتقاطرة في بيروت يوم التشييع وما بعده.. بدأت الروح تنتعش رويداً رويداً، ومع اكتمال المشهد ـ ورغم ما شابه من اندفاعات مسيئة لسورية سارع مثقفون لبنانيون لإدانتها ـ بادرت الى الاتصال بسائلي: هل رأيت؟! تقصدت أن يكون سؤالي بشارة أمل بذاك القادم الذي ملأ شاشات التلفزة كما لو أنه يهزأ من العنف والإرهاب!!..

 

تصح في أي حدث نوعي، المقارنة بين ما كانت الأوضاع عليه وما صارت إليه. فالقول "قبل تفجيرات /11/ أيلول وبعدها"، يدل على المتغيرات الناجمة عن هذا الحدث والتي تركت بصمات دامغة في الصراع العالمي لا يمكن تجاهلها بأي حال. وكذلك الأمر، مع حفظ الفوارق بين المثالين وقدر من المجاز، في قولنا، بقبل وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري للدلالة إلى النتائج النوعية التي ترتبت عن إزاحة هذه الشخصية السياسية المسالمة بتلك الصورة الدرامية المرعبة، وما خلفته، وبغض النظر عن الجهة التي نفذت هذه الجريمة النكراء، من آثارعلى لبنان وسورية ومسار العلاقات بينهما

 

السياسة السورية في لبنان :

 تنوعت الرؤى وتعددت في تحليل السياسة السورية تجاه لبنان ومحاولة تقويمها في ضوء ما شهدته خلال عقود من تطورات ومواقف متباينة بدت أحياناً غير مفسرة أو متعرجة في مساراتها بل ومتناقضة في مضامينها، مقارنة مع المبادىء المعلنة للنخبة الحاكمة. وربما يحتاج المرء الى جهد خاص للإمساك بالاتجاه الرئيس لحركتها والذي ينظمه خيط واحد أو لنقل هدف مركزي هو تخديم مصالح النظام السوري لمد نفوذه في منطقة المشرق العربي بالاستحواذ على الورقة اللبنانية وتوظيفها لتحسين وزنه الإقليمي وموقعه التفاوضي، ما يعزز تالياً عناصر هيمنته الداخلية ويدعمها. فمعايرة وزن أي سلطة حاكمة في شبكة العلاقات الإقليمية هو أحد الطرائق الأساسية لقياس قوتها ومدى استقرار مصالحها وامتيازاتها. ما يعني أن السعي لتأكيد الحضور والنفوذ الإقليميين هو واحد من العوامل المساعدة في تمكين السلطة داخلياً وتثبيت سيادتها، خصوصاً إذا كانت سلطة شبيهة بالسلطة السورية تستمد مشروعيتها في الحكم من أيديولوجية وطنية وقومية أساساً وليس من آليات سياسية ديمقراطية.

 

في سبيل تحقيق هذا الهدف زمن الحرب الباردة تكشفت السياسة السورية في لبنان عن عدد من السمات والمحددات المسلكية....

أولاً، نهجها البراغماتي وإنها في غير مكان وزمان أدارت ظهرها للشعارات الوطنية أو القومية التي ترفعها من أجل كسب جولة أو موقع أو للحفاظ على نفوذ مهدد. ولا يغير من هذه الحقيقة نجاحها أحياناً في تمرير هذا النهج وتبريره تحت عناوين التحديات والأخطار الخارجية والمصالح العليا للوطن والأمة العربية.

 

ثانياً، تطبعت هذه السياسة بالوسائط ذاتها التي استخدمتها السلطة السورية لضمان سيطرتها الداخلية واعتمدت القوة العسكرية والتدخلات الأمنية الحادة في تقرير مسار الصراعات اللبنانية وإعادة إنتاج أوزان القوى والمواقع فأتقنت فن إدارة التعامل مع الحال اللبنانية بما ينظم حجم قواها وطابع حضور الخلافات والمصالح دون السماح لغلبة طرف على آخر، بل الحرص كي يبقى كل طرف مهدداً للأطراف الأخرى ومنازعاً لها وعاجزاً عن الحسم وتحقيق انتصار نهائي، ليصار تلقائياً الى تعويم الدور السوري وجعله في موقع الحَكَم والمقرر الوحيد وأنه بمثابة حاجة مستديمة لضمان أمن لبنان وضبط التوازن بين تكويناته وتياراته المختلفة.

 

ثالثاً، مع إصرارها على الحضور العسكري المباشر في أهم المواقع الاستراتيجية اللبنانية، ومد النفوذ الأمني في معظم مناطق لبنان، تجنبت السياسة السورية في أغلب الأزمات أسلوب التدخل العضوي بجسدها، مفضلة استئناف صراعها على النفوذ وضمان السيطرة عبر وكلاء يتغيرون ويتبدلون بصورة تثير الدهشة أحياناً تبعاً لتغير حاجات السلطة السورية. فإذا استثنينا دخول القوات العسكرية السورية الى لبنان عام / 1976 /، ثم التصدي العسكري المباشر لحركة التوحيد الإسلامي وقطع الطريق على القيادة الفلسطينية من انتزاع موطىء قدم لها في طرابلس بعد خروجها من بيروت، وأيضاً الإفادة من مناخات حرب الخليج الثانية لتصفية سلطة الجنرال عون، يمكن القول أن السياسة السورية أفلتت كاتجاه رئيس من المواجهات المباشرة ونجحت في التدخل عبر وسطاء لبنانيين متعددين للرد على محاولات إضعاف وزنها أو الالتفاف على دورها المقرر. بل لعب هؤلاء الوسطاء أحياناً دوراً في تصريف أزماتها السياسية الإقليمية وتالياً إرباك خصومها أو الضغط عليهم. فمع المحافظة على جبهة الجولان المحتل هادئة ومستقرة، كلنا يتذكر على سبيل المثال كيف سارعت السياسة السورية الى دعم القوى الوطنية اللبنانية في معارك الجبل والضاحية عام /1983/ لإسقاط اتفاق /17/ أيار وكيف نجحت عبر تسخين الوضع اللبناني أو تفعيل دور أحد أطرافه للتحرر من بعض الضغوط وإعاقة أو إفشال غير مشروع تسووي منفرد، وكيف شكلت مساندتها لحزب الله أحد العوامل التي أكرهت إسرائيل على الانسحاب من الشريط الحدودي اللبناني.

 

رابعاً، إضافة لدأبها في خلق ركائز لبنانية موالية من أحزاب وشخصيات عامة، نجحت السياسة السورية في ربط قطاع مهم من النشاط الاقتصادي اللبناني في عجلة السوق والاقتصاد السوري. فنمت على هامش الوجود العسكري السوري المديد مصالح وتشاركات اقتصادية غير منظورة عنوانها الرئيس التهريب والتجارة غير المشروعة، يتندر البعض ويسميها بتلازم الفسادين، أفضت إلى تشويه المناخ الصحي والضروري لنمو نخب اقتصادية لبنانية وسورية تلتقي مصالحها مع الحاجات الحيوية المشتركة للتنمية الاقتصادية في كلا البلدين، والتي بدونها لا يمكن توسيع القاعدة الاجتماعية المؤمنة بحيوية وتكافؤ العلاقات السورية اللبنانية.

 

خامساً، لضمان الاستحواذ الشرعي على الوضع اللبناني استثمرت السياسة السورية المظلة العربية والعالمية وتحديداً الرعاية السعودية الأمريكية لاتفاق الطائف لتنفيذ ما يفيدها من بنوده بما يعزز أسباب الهيمنة، لكن هذه المرة عبر الإمساك بمفاتيح الدولة اللبنانية وتسخير أهم مؤسساتها كأداة طيعة في يدها. ومن أجل ذلك كان لا بد من تعطيل البند المتعلق بجدولة إعادة انتشار القوات السورية في لبنان والتهرب من تحديد موعد قاطع لانسحابها من أرضه، وأيضاً تجميد أو تأجيل تطبيق البنود الداعية الى تجديد بنية السلطة اللبنانية لجهة إصلاح النظام الانتخابي والتحرر من التقسيمات الطائفية والمذهبية (مجلس نواب بلا طائفية ومجلس شيوخ) وربما دون أن تتحسب بأن مثل هذا التوغل في تقرير مصير لبنان أدى الى تنامي مشاعر الغبن والدونية عند اللبنانيين وتالياً التذمر والعداء لسورية جنباً الى جنب مع انحسار ثقتهم بعمومية السلطة وحيادها وبقدرتها على لعب دور رئيس في توجيه الصراعات الداخلية وترشيدها تحت مظلة واحدة. تجلت هذه الحقيقة بأوضح صورها في عملية التمديد للرئيس إميل لحود وما نجم عنها من تداعيات أفقدت السياسة السورية معظم الرصيد المعنوي الذي كسبته جراء الاعتراف الواسع بدورها في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية.

 

مصالح ضيقة وربما مدمرة....

في ضوء ما سبق ثمة أسئلة تطرح بإلحاح، هل تمكنت السياسة السورية في لبنان من تحقيق مبتغاها أم انقلب ما راكمته وبالاً عليها؟! وما جدوى استمرارها بهذه الصور والأشكال في إدارة العلاقة مع لبنان؟ أيكون الأمر مجرد عناد ومكابرة، أم دليل أزمة يعاني منها بعض قوى النظام تتكشف عجزا عن التكيف مع الجديد الحاصل؟!

 

إن كل مطلع على تاريخ السياسة السورية وعلى الرغم مما حصل من متغيرات عالمية وإقليمية انتهت بموجبها مناخات الحرب الباردة والأهم بعد احتلال العراق وما تركه من دروس وعبر، لن يجد أي جديد في حركتها الراهنة بل ثمة استمرار وإصرار حتى الآن على معالم النهج القديم في تعاطيها مع المشكلات والأزمات الإقليمية. لكن يتضح الجديد في عمق مأزقها الراهن وانكشاف حجم الهوة على نحو فاضح بين ما تدعيه وما تستطيعه. وقد ضاق هامش مناورتها عالمياً وعربياً إلى حد لم تعهده منذ عقود وانعكس اضطراباً وارتباكاً في مواقفها، لتتأرجح بين تعبئة إيديولوجية لحقن روح التحدي، وبين مماطلة وتسويف ورهان على عامل الوقت وترقب ما يستجد من أحداث لعل بالإمكان تجيير بعض نتائجها بما يحافظ على الوضع القائم ويضمن أقل الخسائر والأضرار. فضلاً عن إبداء مرونة عملية في تقديم بعض التنازلات إقليمياً لتحسين فرص الحوار والتفاهم مع واشنطن. ولا بأس في هذا السياق من العزف على وتر التحذير بأن المس باستقرار سورية هو الأسوأ للمصالح الأمريكية أمام خطورة تيار إسلامي يتحين الفرصة للانقضاض على السلطة والمجتمع!!.

 

ثمة من لا يزال يهوى التحدي ويتوهم أنه يعيش في الماضي وأن السياسة السورية لا تزال تملك قدرة كبيرة يحسب حسابها على المناورة والإشغال، ويدعمها بفكرة تقول إن أفضل الطرق للدفاع عن نظام يحاصر ويهدد هي نقل المواجهة الى خارج ساحته.!!

 

هو ليس مشهد فريد في التاريخ أن تفضي المصالح الأنانية لجماعة ما الى انهيارات عامة ومروعة، وأن تقاد بلاد الى مزيد من الحصار والعزلة والى مواجهات سوف تبدو أشبه بخيارات مدمرة. وبالتالي من غير المستبعد أن يلجأ بعض المتنفذين وأصحاب الامتيازات وربطاً مع حجم الخسارة الاقتصادية وانحسار التسهيلات التي كانوا يتنعمون بها في لبنان وأيضاً الخوف من أن يهدد نجاح لبنان الديمقراطي الاستقرار الهش لتركيبة لا تزال تعتمد أساليب الاستبداد وترعاه لضمان سيادتها، أن يلجأوا الى الدفاع عن الوضع القائم في لبنان وخوض الصراع المفروض عليهم بالممانعة في إجراء أي تغيير جدي في طرائق العلاقة مع هذا البلد.

هم يجازفون في تضمين ورقة الاستقرار اللبناني حساباتهم في محاولة ربما يائسة لوقف تدهور الوزن السوري وإعادة الأمور إلى سابق عهدها، وتالياً الميل الى دفع السياسة السورية رغم شروطها الصعبة كي تخوض معركة النفوذ الإقليمي في لبنان كمعركة "كسر عظم" دون تقدير للعواقب المحتملة، وغالباً وفق سيناريو باتت مشاهده معروفة، يبدأ من جر لبنان الى أزمة وفاق ثم التهويل بخطورة حزب الله وبعض التيارات الإسلامية المتطرفة إن حررت من ضوابطها، وربما التشجيع تكتيكياً على تحريك الحدود اللبنانية مع إسرائيل، ربطاً مع تفعيل بعض القوى والأوراق التكتيكية في المحيط، الفلسطيني أو العراقي، على أمل الإفادة من كل ذلك لإظهار الدور السوري كحاجة موضوعية لا غنى عن استمراره إقليمياً وأنه خير من يضبط إيقاع الصراع بين اللبنانيين ودور المقاومة في آن. الأمر الذي يتطلب تلقائياً تحويل الداخل الى ما يشبه قاعدة مواجهة، وما يترتب على ذلك من اندفاعات قمعية لإحكام الضبط والسيطرة الأمنية، ربما تتوج بعودة مظفرة لسياسة القبضة الحديدة وخنق هوامش الحراك الشعبي والسياسي المحدود.

 

هذا المسار يحمل في أحشائه مخاطر جمة. فان نجحت السياسة السورية في الماضي عبر وسطاء متعددين في الرد على محاولات عزلها وإضعافها، وأحياناً لإرباك خصومها أو الضغط عليهم، لكن الأمور سوف تأخذ اليوم منحى مختلف تماماً. فتسخين الجبهة اللبنانية وإثارة الأمريكيين في العراق وتحريك الصراعات الفلسطينية قد يخلق الذرائع المناسبة لنقل المعركة، من معركة بالوساطة إلى معركة ضد الأصل. خاصة وأن العزلة صارت خانقة واللعبة باتت مكشوفة ولم تعد المسافة بين الوكيل والأصيل تؤخذ في الاعتبار، ما يضع سورية في دائرة النار، ويجرها الى حرب شاملة محسومة النتائج سلفاً في ظل اختلال توازن القوى الراهن. وكلنا يتذكر الغارة التي شنت ربيع العام المنصرم على موقع عين الصاحب قرب دمشق، والتهديدات الإسرائيلية ضد سورية اثر عملية تل أبيب الأخيرة ومثلها تكرار التهديدات الأمريكية والتي تتخذ يوماً بعد يوم طابعاً أكثر جدية وحزماً.

 

فيما مضى أجمع المراقبون على ربط ضغوط واشنطن على الحكم في سورية بحاجتها لتحوير دوره الإقليمي في خدمة مخططاتها بما في ذلك مقايضة صمتها عن سياساته الداخلية وهيمنته على لبنان بتنازلات يقدمها في صيغ تعاون صريح وملموس لضمان أمن العراق واستقراره. لكن بعد الانتخابات العراقية والنهج السلمي للقيادة الفلسطينية الجديدة، والنجاح في طي ملف الخلافات الأمريكية الأوروبية حول العراق، ووحدة موقفيهما من تطبيق القرار /1559/ ومن تشكيل لجنة دولية لكشف اللثام عن منفذي اغتيال الحريري، وأيضاً ما نجم عن هذه الجريمة من إعادة رسم مشهد جديد من المواقف والاصطفافات العربية ومن وحدة الصف اللبناني المعارض وتقدم دوره سياسياً وشعبياً، بعد كل ما سبق تبدو إدارة البيت الأبيض أكثر تحرراً من بعض أعبائها ومن حاجتها للمقايضة والتفاهم. ما يشير ربما الى بداية مرحلة جديدة في العلاقات السورية الأمريكية عنوانها المواجهة، كانت فاتحتها استدعاء السفيرة الأمريكية من دمشق، والحملة المتواصلة التي يشنها الرئيس الأمريكي جورج بوش ضد سورية ولسحب قواتها من لبنان.

 

من المفارقات المدهشة أن معظم القوى السياسية المعارضة في سورية أو الموالية للنظام تعترف ضمناً أو جهراً بالنجاح الذي حققته السلطة في العقود الأخيرة من القرن الماضي على صعيد إنماء الدور والنفوذ الإقليمين، وأنها استطاعت أخيراً الخروج من لعبة "الصراع على سوريا" كما عنون باتريك سيل كتابه الشهير، ودخول المشهد الإقليمي كرقم فاعل وأحياناً قوي.

 

لكن السياسة السورية التي نجحت بعقلية وأساليب الماضي في كسب جولات معروفة في غير زمان ومكان وبالأخص في لبنان لتعزيز حضورها الإقليمي، فقدت اليوم الكثير من فاعليتها وتحديداً مع انعدام شروط التوازنات الذي ميز فترة الحرب الباردة ومع حجم الحضور الأمريكي في المنطقة بعد احتلال العراق ثم انحسار ما تملكه من قوى وتحالفات، في ضوء اهتراء النظام العربي والانتقال اللافت لمصر والسعودية الى جوقة المطالبين بانسحاب القوات السورية من لبنان وبتطبيق فوري لاتفاق الطائف، وتراجع الدورين الروسي الإيراني الداعمين لها تاريخياً وفشل مبادرتي سورية الأخيرتين مع موسكو وطهران لتفعيلهما، ثم خسارة الوزنين الفرنسي والأوروبي وانتقالهما إلى صفوف أعدائها، كل ذلك يقود الى القول إن الإصرار على العقلية والأساليب القديمة سوف يفضي إلى عكس الأهداف المتوخاة ويغدو نوعاً من المغامرة أو المجازفة غير محسوبة النتائج.

 

أين مصلحة سورية من بقاء القوات العسكرية في لبنان؟!..

ثمة قلق ظاهر في المجتمع السوري من تداعيات الأزمة الراهنة في العلاقات السورية اللبنانية واحتمالات تطورها. هل تعزل البلاد وتفرض بحقها عقوبات قاسية أم تجر الى حرب؟ وأين مصلحة المواطن من كل ما يجري ومن الإصرار على استمرار الوجود العسكري في لبنان؟!

 

في الرد على هذا السؤال البسيط، تثار جملة من الآراء والدفوعات هي أشبه بحجج وذرائع مما هي حقائق ملموسة على الأرض، خيطها الناظم الركون الى مقولات وشعارات إيديولوجية للدفاع عن الوضع القائم وكمحاولة لوقف تنامي المشاعر المتعاطفة مع حق اللبنانيين الطبيعي في التحرر.....

 

الرأي الأول، يجد استمرار القوات السورية في لبنان ضرورة حيوية عسكرياً لردع أي عدوان محتمل وللحفاظ على الموقع التفاوضي مع العدو الصهيوني. بل ويعتبرها عائقاً مهماً أمام محاولات تغلغل إسرائيل في البنية المجتمعية اللبنانية، مستنداً الى مفاهيم عتيقة في قراءة توازن القوى من الوجهة العسكرية فقط، والتي اختلفت جذرياً مع انتهاء الحرب الباردة وتقدم نظرية جديدة للحروب وطابع أدواتها الحاسمة ما أدى الى تراجع وزن العامل العسكري في معايرة امكانات الدول وقوة حضورها وأعاد الحسابات الى أصولها الصحيحة التي تحتل فيها الكتلة الداخلية بتكاملها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومن ثم العسكري الموقع الرئيس في قياس قدرة أي بلد ومدى قوته. هذا دون إغفال الجديد الإقليمي بعد احتلال العراق وحضور قوات أمريكية على مرمى حجر، حيث يصح القول أن مثل هذه الميزة العسكرية لم يعد لها أهمية تذكر بل ربما تكون نقطة ضعف عند حصول أي معركة. ففي ظل اختلال توازن القوى بهذه الصورة الفاضحة وضحالة ما تملكه سورية من قدرات عسكرية بالقياس الى التقنيات العالية للحرب الحديثة يصبح تعدد الجبهات واتساعها أحد أسباب الهزيمة ويغدو الخيار العسكري أشبه بمقامرة خاسرة، اللهم إلا إذا تنكر أصحاب هذا الرأي لدعايتهم التاريخية عن حقيقة العلاقة والتحالف بين واشنطن وتل أبيب ووجدوا ان القوات الأمريكية في العراق سوف تقف على الحياد إذا ما نشبت حرب مع إسرائيل أو العكس.

 

إذا كانت ثمة غاية استراتيجية في بقاء لبنان ساحة داعمة لسوريا وجارا آمنا، فالأجدى ليس الإصرار على ذهنية الماضي بل تجاوزها وتغيير الآليات التي حكمت العلاقة بين البلدين بإظهار احترام إرادة اللبنانيين والثقة بهم، الأمر الذي يوفر مناخات صحية لتفتّح دور حقيقي للبنان في حماية المصالح والأمن المشترك. ومن هذه الزاوية، وإذا تجاوزنا جدلاً الحق الطبيعي للشعب اللبناني في وطن حر ومستقل، يصح القول أن سحب القوات العسكرية والأمنية من لبنان يزيل كثيراً من الأسباب التي خلقت جوا من العداء للسياسات السورية كما يساعد على بناء عتبة من الثقة بين الشعبين هي الأبقى لقطع الطريق على نيات الأعداء المشتركين ومخططاتهم. بينما الإصرار على العكس لا بد إن يستحضر أسباباً جديدة لتعميق الشروخ وزيادة الحساسيات ليس فقط بين لبنان وسوريا وإنما أيضاً بين اللبنانيين أنفسهم، ما يهدد استقرار لبنان وأمنه وتالياً استقرار سورية وأمنها.

 

الرأي الثاني، تسوسه عقلية تأمرية تجد أن المبادرة اليوم لتصحيح العلاقة مع لبنان لن تقدم أو تؤخر، وأن الأمور تسير وفق مخطط مرسوم مسبقاً سواء انسحبت القوات السورية أم لم تنسحب. مثل هذا الرأي يحرر السلطة من مسؤولية ما سوف تؤول إليه الأوضاع، ويسقط الفائدة التي يحتمل أن تترتب في حال راجعت حساباتها ومواقفها. كأن ليس من قيمة لاندفاعة خاطئة أو خلل سياسي يسهل مهمات الآخر المتربص بنا ويمكنه من تنفيذ مخططاته، وكأن من يهدد بمخطط ما غير معني بأي إجراء للرد!!.

 

طبعاً لا أحد ينكر أن ثمة مخطط قديم ومكشوف للولايات المتحدة وإسرائيل وللغرب عموماً للنيل من حقوقنا ومصالحنا، لكن يفترض أن نعي أن هذه المخطط لا يملك مساراً حتمياً في التنفيذ. وهو يتحسب جيداً من الرأي العام العالمي ويسعى الى كسبه أو على الأقل تحييده، مستثمراً ما تخلفه أخطاؤنا من ذرائع كي يطلق قواه وضغوطه بأقل ردود أفعال تذكر.

 

لدينا في الماضي القريب مثالان هامّان يؤكدان هذه الحقيقة. فلو افترضتا جدلاً أن سياسة النظام السوري في موضوع التمديد للرئيس لحود جرت بخلاف ما شهدناه وقال المجلس النيابي اللبناني كلمته في اختيار مرشح من بين مرشحين ربما معظمهم موال لسورية، هل كانت أمريكا أو فرنسا بكل ما تملكانه من قوة قادرتين على إصدار قرار مثل القرار /1559/؟! وأيضاً لنفترض أن صدام حسين أحجم عن احتلال الكويت فهل كنا وقفنا أمام ذاك المشهد المذهل من تحالف القوى الدولية والحضور العسكري الأمريكي الواسع في المنطقة، الأمر الذي يعيد الى الذاكرة ما أجمع عليه المراقبون بأن السفيرة الأمريكية في بغداد أوقعت صدام حسين في فخ اجتياح الكويت كي تستند حكومتها إلى هذا الحدث لتأليب العالم وإعلان الحرب ضده.

 

الرأي الثالث، يدعي بأن خروج القوات السورية سوف يفضي الى انفلات الوضع اللبناني نحو صراعاته الطائفية والمذهبية، الأمر الذي يضعضع أمن لبنان مهدداً أمن سورية.

 مثل هذا الرأي يحمل في طياته إدانة واضحة لسنوات طويلة من الهيمنة السورية على لبنان قصرت خلالها في مساعدة اللبنانيين على بناء مؤسسات وقوى قادرة على إدارة أمورهم وضبط أمنهم. بل يصح هنا قول القائلين بأن هذه الهيمنة تقصدت عدم تمكين اللبنانيين من امتلاك أسباب السيطرة الذاتية على شؤونهم كي تبقى الحاجة إليها، كفعل توازن، قائمة ومستمرة.

لكن اليوم ليس الأمس وثمة تقدير مبالغ فيه عن صعوبة التوفيق ذاتياً بين تنازع المصالح والمواقف اللبنانية لا يأخذ في الاعتبار ما يمكن أن تلعبه مآسي الحرب الأهلية من دور في توليد حالة تفاهم أو تعاقد مضمر بين مختلف الفئات الشعبية والسياسية اللبنانية من أجل حماية السلم الأهلي والنأي به ما أمكن عما يضعفه من ضروب العصيان والتمرد الداخلي. يرجح هذا المسار السلوك الحيادي والمتوازن للجيش اللبناني في التعاطي مع ما يحصل من تظاهرات واعتصامات، وتزيده رجحاناً خصوصية الخلافات التي يشهدها لبنان والتي نهضت بصورة رئيسة بفعل خطأ خارجي وليس بسبب تفاقم الاحتقانات الداخلية. بل تظهر التفاعلات الداخلية اللبنانية أشبه بردود أفعال ومنازعات بين مشاريع سياسية مستقبلية أكثر مما هي صراعات لقوى متخندقة في امتيازات الماضي.

 

ولنقل، أعطوا اللبنانيين فرصتهم في إدارة شؤونهم بأنفسهم وسوف ينجحون. وهم بشرونا بنجاحهم حقاً، بدليل هذا الإتقان للأساليب المدنية والسلمية في إدارة التظاهرات والاعتصامات وأشكال الاحتجاج. وبدليل مواقف معظم زعماء المعارضة المصممين مهما تكن ردود أفعال السلطة على الاحتكام الى الحياة الديمقراطية ومؤسساتها وليس الى السلاح.

 

 لعله لم يقرأ التاريخ اللبناني جيدا من يكرر إثارة الشكوك باللبنانيين ويدعي بأن غالبيتهم لا تكن ودا لسوريا وسوف تسارع بمجرد تحييد الدور السوري إلى أحضان أعداءها ومناهضيها. فالشعب اللبناني اظهر في غير محطة ومحنة حرصاً كبيراً على سورية على قاعدة مصالح تاريخية مشتركة وروابط عميقة بين البلدين لا يمكن فصمها أو إهمالها مهما تكن القوى التي تتحكم بسياستيهما. ولنتساءل، هل بأساليب القهر والإكراه يمكن تقوية حبال الود والاحترام المتبادل؟ وأين ذهبت مفاخرة البعض بأن الحكم في سوريا صنع في لبنان من "الركائز والحلفاء" ما يضمن بعد انسحابه العسكري وضعا مواليا وآمنا لعقود من السنين؟

 

الرأي الرابع، يعترف بضرورة انسحاب القوات العسكرية السورية من لبنان لكنه يرفض أن يتم تحت التهديد والضغوط الخارجية. ويتضح أن أصحاب هذا الرأي إنما يضعون العربة أمام الحصان مغفلين السبب الرئيس فيما وصلنا إليه من حصار وضغوط والذي يتعلق بطابع السياسة السورية تجاه لبنان وتباطؤها في تغيير أساليبها وعلاقتها مع هذا البلد. بل أليس من الوهم والخطر التفكير بالتأجيل ريثما تهدأ الضغوط على أمل أن يظهر القرار السوري كأنه نابع من إرادة ذاتية. هذه الضغوط، وكما تشير التطورات وتداعيات اغتيال الرئيس الحريري، لن تهدأ أبداً بل الأرجح أن تتصاعد وتأخذ أشكال أكثر حدة وحزماً. فأين الحل وقتئذٍ؟! ثم أليس من الأجدى أن يصرف هؤلاء جهودهم في البحث عن مخرج مرضٍ لمأزقهم، بتوفير غطاء عربي مثلاً، أو من خلال مبادرة الدولتين السورية واللبنانية لصياغة اتفاق طارىء يجدول زمنياً انسحاب القوات السورية. والأهم وربما الأفضل أن يتم هذا الانسحاب عبر التنسيق مع إرادة وطنية يتوافق عليها جميع اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم وتياراتهم. وبالنتيجة طالما ليس ثمة معنى أو جدوى من الانتظار وطالما أن الانسحاب العسكري من لبنان أصبح أشبه بعلاج أو دواء ناجع للخلاص مما وصلنا إليه، فلا قيمة عندها لطعمه المر أو لطريقة تناوله برغبة المريض أم رغماً عنه!! ولنتذكر هنا قول الخميني عندما شّبه موافقته على وقف إطلاق النار مع العراق كأنه يتجرع كأساً من السم!!..

 

الرأي الخامس وهو الأوسع انتشاراً، يدعو الى إعلان النفير العام وحالة الاستنفار لأن ما يجري هو مخطط إمبريالي يهدف النيل من سورية ومواقفها الوطنية. وتحتقن هذه الدعوة بخطاب هجومي مفعم بلغة لاذعة تندد بالعدوان ومخططاته وبعبارات التحدي والإشادة بسورية التي لا تعرف الخضوع أو الاستسلام، ربطاً مع السخرية من أي تنبيه الى ضرورة تمثل دروس التجربة العراقية ومآسيها والسخرية أيضاً من أية دعوة إلى التروي والتعقل. فالجواب جاهز أبداًُ بأنها دعوة إلى الخنوع والاستسلام، دون أن تعرف إذا كان أصحاب هذا الرأي سيتنطحون بأجسادهم لخوض المواجهات ورد العدوان، أم يفضلون التنعم بامتيازاتهم والقتال حتى آخر مواطن سوري دفاعاً عن مصالحهم الخاصة.

 

إذا كانت ثمة جدية في الرد على الضغوط والتهديدات الخارجية وكف أذاها عن المجتمع والسلطة على حد سواء، فليس بالتعبئة الإيديولوجية والحماسة تحيا المواجهات بل بإرساء ركائزها ومقومات نجاحها على الأرض. والأجدى أولاً التوقف عن إطلاق دعوات الاستقطاب الحادة والمسطحة، مع السلطة أو ضدها، والمبادرة لإطلاق عملية الإصلاح الديمقراطي على مداها لتحقيق نتائج مهمة على طريق بناء المواطنة وضمان الحريات واحترام التعددية وحقوق التعبير كضرورة لا غنى عنها في مواجهة نيات الخارج ومخططاته. بل لن تستقيم هذه المواجهة طالما نرزح تحت وطأة حالة الطوارىء والأحكام العرفية لعقود من السنين وتغيب حقوق الناس وحرياتهم ولا يزال مئات الألوف من الأكراد محرومين من حقهم في نيل الجنسية السورية، وطالما يقهر الإنسان وتدمر روح المبادرة والمساواة لديه، ويفقد إحساسه بأنه يبذل ويضحي من أجل وطن حر كريم لا من أجل دوام حال الفساد والقهر والتمييز. والأجدى ثانياً المسارعة لبناء علاقة صحية ومتكافئة مع لبنان هي ما تمنح البلدين القوة والمنعة، ويزيدهما منعة السعي الحثيث لتحسين صورة سورية في أوساط الرأي العام العربي والدولي وكسب تعاطفه عبر السير خطوات حازمة كي تلامس هذه الصورة المعايير والتوجهات العالمية حول الحريات وحقوق الانسان.

 

الخيار الأسلم والأفضل....

     ان حال الحصار وارتفاع حرارة الضغوط التي تتعرض لها سورية والتي يمكن اعتبارها من " العيار الثقيل " ان صحت التسمية في حجمها وجديتها وأيضاً في تنوعها وشدة تواترها، يضعها هذه المرة وأكثر من أي مرة على مفترق طرق لاختيار مسار من بين توجهات متعددة بأمل وقف التدهور الحاصل. ومن بين هذه التوجهات ثمة خيار وحيد هو الأسلم ولنقل الأفضل لحاضر سورية ومستقبلها، لكنه الأصعب على السلطة ومصالح بعض المتنفذين فيها، يقوم على تعاطي عقلاني مع الواقع القائم واتجاهات تطوره تحسباً من أن تصل الأمور إلى حافة الهاوية. وتالياً استثمار مساحات الوقت الضائع ليس من أجل الركون الى أوراق الضغط والى منطق القوة العسكرية والأمنية بل لاتخاذ قرار تاريخي وجريء بنقل مركز الثقل وبؤرة الاهتمام السياسيين صوب الداخل والسير قدماً نحو الإصلاح الديمقراطي والانفتاح على المجتمع وقواه الحية بما يعيد صياغة الشرعية السياسية على أسس جديدة.

 

القضية مطروحة بهذه البساطة، إما الإصرار على العقلية القديمة، عقلية الوصاية الوطنية والقومية، وإخضاع كل شيء بما في ذلك الحياة السياسية في لبنان وسورية لمواقف النخبة الحاكمة وإغراضها الخاصة دون اعتبار للآخر السوري واللبناني على حد سواء، وإما التطلع لبناء علاقة جديدة بينها والمجتمع السوري وبينها ولبنان تأخذ في الاعتبار ما حصل من مستجدات، وتتجه نحو تأسيس عقد ديمقراطي في الحياة السورية ونحو احترام إرادة اللبنانيين في تقرير مصيرهم، وما يعنيه ذلك من سحب القوات العسكرية والتدخلات الأمنية والخضوع للعقد الاجتماعي الوفاقي الذي أرساه اتفاق الطائف.

 

يتضح اليوم إن الشأن اللبناني صار في أكثر من وجه ومعنى شأناً داخلياً سورياً. وصورة هذا الأخير سوف تبدو انعكاساً طبيعياً للصورة التي سوف ترسم للعلاقة مع لبنان. وبالتالي لم يعد بالإمكان النظر الى تقدم حركة الإصلاح الديمقراطي في سوريا بمعزل عن تقدمها في سلوك النظام تجاه لبنان، والعكس بالعكس.

 

وفق هذه الثنائية من البديهي أن يجمع الديمقراطيون السوريون بين مطالباتهم بنصرة الحريات والديمقراطية في سورية مع تشديد الدعوات لسحب القوات العسكرية من لبنان ووقف التدخل بالشؤون اللبنانية. وتالياً بين أهمية تفعيل قنوات التواصل مع الديمقراطيين اللبنانيين لتوحيد الإيقاع ومحاصرة الاندفاعات العنصرية والمتطرفة من كلا الجانبين، وبين إطلاق المبادرات الثقافية والسياسية لخلق مقومات تراكمية في المناخ والوعي والعمل الملموس، تحث على التغيير والإصلاح في سورية وفي العلاقة مع لبنان على حد سواء. خصوصاً بعد أن "نفض الكثيرون أياديهم" من أسلوب المناشدات وانحسرت ثقتهم بقدرة السلطة على المبادرة وقد تكشف حتى الآن عجزها عن توليد تيار واضح المعالم يتبنى خط الإصلاح والتغيير ويقارع من أجله القوى الممانعة.

 

اليوم تعيش سورية مخاضاً عسيراً، ويتنامى شعور عام بخطورة الوضع الراهن وخطورة ما هو آت. كما ينتشر إحساس بأن الاستمرار في السياسات الراهنة سوف يأخذ البلاد نحو المزيد من الحصار والعزلة أو ربما نحو حرب قد تأكل الأخضر واليابس، ما يضعنا جميعاً أمام اختيار حاسم: إما التجاوب مع ضرورات التحول الديمقراطي وتعويض انحسار الدور الإقليمي بوطن حر معافى، وإما الإصرار على تغليب لغة المصالح الضيقة والدفاع عن امتيازات ومغانم ربما سيكون أصحابها أول ضحاياها.

 

دمشق