التغيير في سورية: ثمة ما يمكن للديمقراطيين فعله! !



حين تتحدث عن آفاق التغيير في سورية, وأن هناك ما يمكن للقوى الديمقراطية أن تقوم به، تشع في العيون حالة من الاستغراب، وترتسم على الوجوه إمارات الدهشة والتساؤل. أحقاً، م زالت هناك فسحة أمل للتغيير والإصلاح السياسي في سورية، بعد أن لمس الجميع، لمس اليد، عصا التهديد ترفع من جديد، وتطال, أواخر الصيف الماضي، عشرة من ابرز نشطاء المجتمع المدني (رياض الترك وآخرين)؟!. وهل يمكننا أن نتفاءل بإمكانية حدوث هذا التغيير طالما تقحمنا، في كل يوم، اشتراطات النظام ولاءاته، حول ما يسمح أن يقال وما يجب أن لا يقال؟

وطبعاً لا تلبث أن تسمع، وراء إمارات الدهشة، تمتمات وعبارات من مثل أن "حليمة عادت لسيرتها القديمة" وأن ما سُمي "ربيع دمشق" لم يكن سوى ومضة شعاع في ليل لا خلاص منه. وبين هذه التمتمات، ترتفع أنات الألم والحسرة التي تفوح منها رائحة الاستسلام لحالة من الشعور بالاحباط وعدم جدوى أي عمل سياسي، وكأن لسان حالها يقول: إن الأوضاع في سورية لن تخرج من حالة التسلط والانغلاق، وبان ما هو قائم، قدر لا فكاك منه.

في الحقيقة، إن كل مطلع على محطات تطور الحياة السياسية في سورية خلال العقود الماضية لا يستغرب هذا التفشي السريع لحالة الانكسار والإحباط في قطاع مهم من المثقفين والمعارضين السياسيين السوريين، طالما تومض في ذاكرته "محطات"، جاءت قصيرة ومؤقتة، أبدت خلالها السلطة رغبة في التغيير والإصلاح، ثم ما لبثت أن تراجعت عنها، لعل أهمها موجة الانفتاح على المجتمع وأنشطته السياسية والثقافية عامي 1979 - 1980 إبان تصاعد صراعها الدموي مع الإخوان المسلمين، والتي انحسرت سريعاً، لتعود الأمور كما كانت، وربما أشد وطأة!

وإذا كان التاريخ خير معلم، لكن، من الخطأ نقل عبره ودروسه ميكانيكياً، والقياس خارج الزمان والمكان، ودون الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الشروط والظروف بين مرحلة وأخرى. فاللحظة الراهنة التي حفزت ضرورة التغيير والإصلاحات السياسية في سورية تختلف بشكل كبير عن سابقاتها، وتحديدا من حيث الدوافع والأسباب، التي كانت تعود فيما مضى إلى حاجة الصراع الداخلي (الإخوان المسلمين في ذلك الوقت) الذي فرض وألح على السلطة السورية ضرورة الانفتاح على الآخر، بغاية إجراء مراجعة تمكنها من إعادة ترتيب مواقعها وقواها.

في حين تأتي اليوم، تحت ضغط ضرورة موضوعية خارجية التأثير، أفرزتها النتائج التي رست عندها لوحة الصراع العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وما كان يسمى منظومة الدول الاشتراكية، وفشل أو سقوط نموذجها في الحكم وفي إدارة مؤسسات الدولة والمجتمع (النموذج الذي استمد منه النظام السوري الكثير من عناصره وأساليبه). كما لجهة الأثر الكبير لمناخ العولمة والنهضة المعلوماتية في انكشاف جوف هذه المجتمعات ووضوح بنيانها الداخلي وتحطم "الجدران الحديدية" التي كانت تسّورها وتمنع تبادل التأثير بينها وبين العالم الخارجي.

كل ذلك وضع السلطات التي اعتمدت مثل هذا النموذج في طريق مسدودة، انتهت بها إلى دوامة أزمة تزداد تفاقماً يوما بعد يوم، جوهرها يتكثف: بأنها غدت عاجزة عن الاستمرار في الحكم بنفس الأشكال والطرائق القديمة، وعن اعتماد الأساليب السابقة في علاقتها كسلطة مع المجتمع وأنشطته المختلفة. الأمر الذي وفر أرضية موضوعية، بغض النظر عن الرغبات والدوافع الذاتية، تلح على ضرورة إجراء تغيير شامل - أو إصلاحات متفرقة على الأقل - في أشكال (وليس جوهر) علاقة الهيمنة بين السلطة والمجتمع، ما يفسح في المجال أمام الجميع للمشاركة في صياغة مستقبل هذا التغيير وحدوده، والذي يعني في عبارة واحدة: إزاحة حالة التسلط والاحتكار السياسيين التي عرفتها سورية خلال عقود من الزمن، بالانفتاح على الآخر وإرساء قواعد العمل الديمقراطي في علاقة السلطة مع الدولة ومع المجتمع في مستوياته المختلفة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وطبعاً، لا يختلف اثنان أن مثل هذا التغير لن يتم بضربة واحدة، ولن يتحقق بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى وقت وجهد يتبادلان التأثير عكساً بينهما، فكلما كانت الجهود حثيثة والقوى أكبر، استطعنا اختصار الوقت والزمن، والعكس بالعكس!

وبالتالي يمكننا القول إن الفرصة الموضوعية التي تحث وتحرض على ضرورة إجراء التغيير والإصلاح في سورية، هي فرصة كبيرة يجب الإفادة منها على أكمل وجه، لكنها لن تثمر، إلا عندما تقترن بعوامل ذاتية مساعدة، تحدد تبعاً لقوتها وفاعليتها، مدى سعة هذا التغيير وعمقه ووتيرة تحققه على الأرض:

العامل الأول: يتعلق بالسلطة السورية نفسها. درجة وعيها وتفهمها لضرورة وأهمية هذا التغيير ومسئوليتها تجاهه. كما مدى شعورها بالحاجة للتكيف مع المستجدات العالمية وإعادة تأهيل نفسها في إدارة المجتمع وفي علاقتها مع الآخر، فرداً ومؤسسات. وتجدر الإشارة هنا إلى ظهور بعض الدلائل التي تشير إلى وجود رغبة أو تفهم لدى بعض أطراف النظام لإجراء مثل هذا الإصلاح، أو بعض جوانبه على الأقل، وبخاصة في المستوى "التأسيسي" لأشكال جديدة في العلاقة مع المجتمع وأنشطته المختلفة. إلا أن هذا الأمر لم يأخذ طريقه، بقوة، على أرض الواقع، وما زال ينوس بين مد وجزر، ناهيك عن أثر عزم العطالة، عطالة الماضي، الذي يكبل سلوك السلطة السورية ويسم حركتها بالبطء والتثاقل، حتى، في حال إقرارها بعض خطوات الإصلاح. يُضاف إلى ذلك، دور القوى السلطوية صاحبة المصالح والامتيازات، التي تستميت دفاعاً عن نفسها ضد أي محاولة للتغيير ستمس بنتائجها مصالحها وامتيازاتها، هادفةً إلى إبقاء الوضع كما هو قائم، وناشرة شعوراً بالإحباط والاستسلام وأن لا جدوى من النضال الديمقراطي في سورية. وما الهجمات الأخيرة لمحاصرة المنتديات الثقافية، واعتقال بعض نشطاء المجتمع المدني إلا محاولة ملموسة تصب في خدمة هذا الهدف.

إن السلطة السورية، ومن زاوية مصالحها الخاصة قبل مصلحة المجتمع، معنية أكثر من غيرها، بوعي ضرورة التغيير، وبالحد الأدنى إعادة تأهيل نفسها لعلاقة أفضل مع المجتمع تنسجم مع المتغيرات العالمية، وهي من يقع على عاتقها الإحساس الأعلى بالمسؤولية، والإدراك المبكر لأهمية الإصلاحات السياسية، وفي القلب منها، طي صفحة الاعتقال السياسي وإطلاق حرية الصحافة، وفسح المجال لنشاط كل الأحزاب الديمقراطية المعارضة. فاستمراء لعبة الانتظار، وإدارة الظهر لحاجات الواقع ومتطلباته ينذرنا جميعاً باحتمال انفجار الأوضاع والوصول إلى حالة قد لا تحمد عقباها.

العامل الثاني: وهو العامل الأهم، يتعلق بالديمقراطيين السوريين، والدور المناط بهم فكرياً وعملياً، كي يفرضوا واقعاً جديداً يعمق ويرفع من ضغط وإلحاح ضرورة التغيير والإصلاح، وضمن هذا الحقل لدى القوى الديمقراطية السورية ما يمكن أن تفعله جدياً. وتحديداً، إذا عرفت كيف تتكاتف جميعها للامساك بالحلقة المركزية في سلسلة الإصلاح السياسي في سورية وهي الدعوة، والعمل على رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإعادة العلاقة طبيعية بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، الأمر الذي يؤكد على سيادة القانون ويقف حائلاً موضوعياً في وجه أي محاولة لتجاوزه والعبث به، بما يؤدي إلى كف يد الأجهزة الأمنية والتنفيذية عن التدخل في كل شاردة وواردة في حياة البشر، مضفياً على "عقدهم الاجتماعي" في التعايش المشترك مناخاً صحياً وصحيحاً، وموفراً فرصة غالية لكسر حاجز الخوف والفزع لدى الناس ويشجعهم على العودة إلى المشاركة الطبيعية في إدارة شئونهم العامة.

وعلى هذه الطريق، يمكن للديمقراطيين السوريين المثابرة في نضالهم حول قضايا الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، واستثمار أي فرصة لتسجيل وتعميم اختلافهم ومعارضتهم لكل قرار أو ممارسة سلطوية تستهدف استمرار سياسة القسر والإكراه، والاستفادة مما هو متاح، مهما كان محدوداً وضيقاً، لتحسين شروط نضالها ولامتلاك أدوات أكثر تأثيراً وفاعلية في علاقتها مع بعضها ومع جماهيرها التي تنتظر منها الكثير.

وإذا كان بين الديمقراطيين السوريين من يعي مثل هذه الحقائق، ويعتبرها بدهية، فان هذا الوعي، ما زالت تشوبه الحسابات الذاتية والمصالح الحزبية الضيقة، في حين يتطلب الأمر، الآن وأكثر من أي وقت مضى، قوى وأدوار الجميع، ووحدتهم لتجاوز التردد وبالإحباط وحالة الشعور بعدم جدوى النضال. فالأمل معلق على الجميع في السعي المشترك لاستعادة زمام المبادرة السياسية وتكوين فعل ديمقراطي حقيقي قادر على فرض التغيير والإصلاح عبر نضال سياسي سلمي، يومي ودؤوب. ولن يكون الرد المناسب والحقيقي على ما نلمسه من عودة إلى الوراء، وعلى محاصرة النشاطات السياسية والتضييق على المنتديات الثقافية، كما على الاعتقالات الأخيرة إلا من خلال إعادة زرع الأمل، والعمل لابتداع أشكال جديدة، مهما بدت بسيطة ومحدودة، لتشجيع الجميع على العودة إلى المشاركة بهمومهم وقضاياهم العامة.

إن التغيير قادم لا محالة، ولا بد أن تبوء بالفشل كل محاولة لتأجيله أو مقاومته، وعلى الجميع أن يعي هذه الحقيقة، كي نجتاز كافة الصعوبات والعوائق ونصل إلى بر الأمان.

فكلنا في قارب واحد، وغرقه يعني غرقنا جميعاً.