خيارن للدولة السورية بعد الانتخابات العراقية!!..

أكرم البني

 

من المرات النادرة التي يحصل فيها نوع من الإجماع على أن ثمة مرحلة قادمة هي صعبة وربما تكون قاسية جداً على سورية، فنجاح العملية الانتخابية في العراق يعني في أحد وجوهه نجاحاً للسياسة الأمريكية في المنطقة وتالياً حضوراً أوضح وأكثر جدية لضغوطها على النظام السوري والتي يرجح أن تطال هذه المرة ليس فقط دوره الإقليمي وإنما أيضاً البنية الداخلية وضرورة تغير بعض آليات السيطرة السياسية.

 

في الأمس القريب أجمع المراقبون على ربط ضغوط واشنطن على الحكم في سورية بحاجتها لتحوير دوره الإقليمي في خدمة مخططاتها بما في ذلك مقايضة صمتها عن سياساته الداخلية وهيمنته على لبنان بتنازلات يقدمها في صيغ تعاون صريح وملموس لضمان أمن العراق واستقراره، لكن بعد الانتخابات العراقية تبدو إدارة البيت الأبيض أكثر تحرراً من هذا العبء ما قد ينعكس مزيداً من العزم في ممارسة ضغوطها السياسية والاقتصادية ومزيداً من الجدية في مطالبها بإجراء إصلاحات سياسية والأهم مزيداً من الحزم لفك ارتباط الوضع اللبناني بسورية ما يرجح احتمال تشددها في تطبيق كامل القرار / 1559 / دون أن يعني ذلك أن الأمور لن تشهد في بعض اللحظات والمحطات عودة لسياسة الابتزاز والمقايضة وبناء التفاهمات.

 

من جهة ثانية يفضي موضوعياً نجاح الانتخابات العراقية الى تراجع وقع عمليات القتل والتفجير في الحياة السياسية العراقية وقد سقط الرهان على تهديداتها في إفشال المسار الديمقراطي، لتتراجع تالياً أهمية ورقة التدخل بأمن العراق واستقراره التي عولت عليها دول الجوار لإرباك الخصم الأمريكي والبحث عن دور أفضل في المسرح الجديد، وإذا كان من المبكر توقع انحسار العمليات العسكرية وشدة تواترها لكن ثمة بداية يمكن تلمسها في انكماش كتلة المتعاطفين معها، وان ببطء وبصورة متدرجة، بدليل الاعتدال الذي بدأ يسم خطاب بعض زعامات الطائفة السنية في التعاطي مع نتائج العملية الانتخابية.

 

أيضاً أثار زخم اندفاع العراقيين الى صناديق الاقتراع هموم السوريين الديمقراطية وكشف عمق معاناتهم من غياب الحريات المزمن، وبت تسمع أصواتاً ما كانت لتجرؤ بعد سنين طويلة من القمع وقهر الرأي الآخر على كشف مشاعرها ومواقفها الديمقراطية، ناهيكم عن أن نجاح الانتخابات عزز هزيمة العقلية الوصائية وهز بقوة الصورة التي روج لها عن نجاعة نموذج الحكم الشمولي، كل ما سبق يعزز قلق وخشية النخبة الحاكمة في سورية من أن يهدد تقدم عراق ديمقراطي الاستقرار القلق لنظام لا يزال يعتمد أساليب الاستبداد ويرعاها، ويضعها أمام تحدٍ حقيقي لصياغة أشكال جديدة في بنية وعلاقات الحقل السياسي، الأمر الذي يحاصر محاولات بعضها للإفلات من استحقاق الإصلاح الديمقراطي، كما يضعف الممانعة الشرسة ضد التغيير التي تبديها قوى متنفذة ومنتفعة من بقاء القديم واستمراره.

 

فلا شك سوف ينعكس الحصار الذي يحتمل أن يشتد على السياسة السورية بعد الانتخابات العراقية ويهدد وزنها ودورها الإقليميين اضطراباً وارتباكاً ليس فقط في أدائها الخارجي وإنما أيضاً في طرائق سيطرتها الداخلية، مثلما انعكس نجاحها في تحسين شروط حضورها الإقليمي عنصراً رافداً وداعماً لتأكيد الهيمنة وتمتينها داخلياً، فمعايرة وزن أي سلطة في شبكة العلاقات الإقليمية هو أحد الطرائق الأساسية لقياس قوتها ومدى ثبات مصالحها وامتيازاتها، خاصة إذا كانت على شاكلة السلطة السورية تستمد مشروعيتها في الحكم من أيديولوجية وطنية وقومية وليس من آليات سياسية ديمقراطية.

 

إن احتمال ارتفاع حرارة الضغوط الأمريكية على السياسة السورية في المرحلة القادمة يضعها هذه المرة وأكثر من أي مرة على مفترق طرق لاختيار مساراً من بين توجهات متعددة بأمل وقف التدهور الحاصل أو على الأقل تجاوز حال الاضطراب والارتباك التي تكتنفها، ومن بين هذه التوجهات ثمة خياران رئيسان ومتعارضان في آن....

الأول، إصرارها على الدفاع عن الوضع القائم وخوض الصراع المفروض عليها بالممانعة والمماطلة في إجراء أي تغيير جدي أو جوهري على طرائق وأساليب الحضور الإقليمي، بما في ذلك محاولة لجم الضغوط الأمريكية بتوظيف ما لديها من قوى وأوراق تكتيكية في محيطها الإقليمي، اللبناني أو الفلسطيني أو العراقي، مثلاً تنشيط دور حزب الله وتأزيم الحال اللبنانية والتشجيع على توتير أجواء الصراع في الأراضي المحتلة لإفشال أو إعاقة المسار السلمي الذي بادرت القيادة الفلسطينية الى تبنيه، وأيضاً الرهان على ما يساعد في خلخلة الأوضاع العراقية، أمنياً وسياسياً لإشغال السياسة الأمريكية وكف أذاها، وتلقائياً يتطلب هذا المسار تحويل الداخل الى ما يشبه قاعدة مواجهة، وما يترتب على ذلك من اندفاعات قمعية لإحكام الضبط والسيطرة الأمنية، تتوج بعودة مظفرة لسياسة القبضة الحديدة وخنق هوامش الحراك الشعبي والسياسي المحدودة، وتالياً مزيداً من العزلة والانغلاق.      

 

هذا الخيار يحمل في أحشائه مخاطر جمة، فان نجحت السياسة السورية في الماضي عبر وسطاء متعددين في الرد على محاولات عزلها وإضعافها، وأحياناً لإرباك خصومها أو الضغط عليهم، لكن الأمور سوف تأخذ اليوم منحى مختلف تماماً، فإثارة الأمريكيين في العراق وتسخين الجبهة اللبنانية وتحريك الصراعات الفلسطينية ربما ينقل المعركة، بل هو الاحتمال الأرجح، من معركة بالوساطة إلى معركة ضد الأصل، خاصة وأن اللعبة باتت مكشوفة وتحت أضواء ساطعة ولم تعد المسافة بين الوكيل والأصيل تؤخذ في الاعتبار، وكلنا يتذكر الغارة التي شنت ربيع العام المنصرم على موقع عين الصاحب قرب دمشق، والتهديدات الإسرائيلية ضد سورية اثر عملية بئر السبع ومثلها التهديدات والضغوط الأمريكية لكف اليد السورية عن العراق وما أشيع عن توغل متكرر للقوات الأمريكية في الأراضي السورية في محاولة لضبط الحدود واقتفاء أثار المتسللين.

 

الخيار الثاني، وهو الأرجح في ظل الشروط الإقليمية والعالمية الراهنة لكنه الأصعب على السلطة السورية والأفضل لخير المجتمع ومستقبله، يقوم على تعاطي عقلاني مع الواقع القائم واتجاهات تطوره تحسباً من أن تصل الأمور إلى حافة حرب شاملة محسومة النتائج سلفاً في ضوء اختلال موازين القوى، ما يستدعي المسارعة الى استثمار مساحات الوقت الضائع لكن هذه المرة ليس من أجل الركون الى أوراق الضغط ومنطق حسابات القوة والتوازنات العسكرية بل من أجل تصحيح العلاقة مع لبنان وتحصين البيت الداخلي ديمقراطياً بإطلاق دور الإرادة الشعبية في مواجهة ما يستجد وأيضاً الرهان على الشرعية الدولية ومنظماتها لرد الضغوط وتهدئة أية اندفاعات عدوانية إسرائيلية أو أمريكية، كبديل لا غنى عنه لتجنب ما هو أسوأ، ربطاً مع اضمحلال ما كانت تملكه سوريا من تحالفات عالمية وإقليمية في ظل اهتراء النظام السياسي العربي وانحسار الدورين الروسي والإيراني الداعمين لها تاريخياً، ثم تراجع حظوة الرعايتين الفرنسية والأوروبية.

 

ولعل المجدي في مواجهة الأساليب العتيقة التي كانت تدار بها الأزمات الإقليمية هو تقدم سياسية من نوع آخر تأخذ في الاعتبار هذا المتغير النوعي في توازن القوى وتتعامل ليس مع منطق الرغبات بل مع حقيقة ما يحصل على الأرض كي لا تغدو نوعاً من المغامرة أو المجازفة غير محمودة النتائج، كما أن المنطق الطبيعي يؤكد على أن ثمة تناسب طردي بين شدة الضغوط الخارجية وضرورة الانفتاح السياسي وأن من الضروري في ظروف الحصار والأزمات المبادرة نحو تغيير علاقات السلطة مع المجتمع لتوفير المناخات المساعدة على الوحدة والتلاحم.

 

 لقد " نفض البعض يده " من السلطة وفقد الثقة بدورها ووعودها الإصلاحية بعد مراوحة في المكان دامت سنين وسنين، لكن اليوم يصح المثل القائل " مكره أخوك لا بطل " ما يعني أن النظام السوري بات مجبراً أكثر من أي وقت على التغيير وخصوصاً لجهة نقد العقلية السياسية القديمة وربما اقتلاعها من جذورها، فالخروج من أتون الظروف العصيبة التي يعيشها تعني الالتفات أساساً صوب مهمة مركزية ينظمها خيط واحد هو إجراء إصلاحات ديمقراطية جدية وجريئة تؤدي إلى تغيير صورة السياسة السورية نوعياً في أوساط الرأي العام العربي والعالمي كي تلامس المعايير والتوجهات العامة حول الحريات وحقوق الانسان واحترام إرادة الجماعة الدولية، وأيضاً المبادرة لنزع صواعق التفجير الداخلي بتقديم تنازلات مجزية للمجتمع وقواه الحية بدءاً من تخفيف حضور القبضة القمعية ودرجة استئثارها بالثروة والأنشطة السياسية والاقتصادية، انتهاءاً بضمان حقوق الناس وبصورة خاصة حرياتهم السياسية وحقوق المواطنين الأكراد.

 

ربما من المجازفة القول أن ثمة أمل بحصول التغيير المرتقب أو بعضه، وتغذيه شائعات تنتشر عن عزم النخبة الحاكمة استثمار فرصة انعقاد المؤتمر القطري لحزب البعث في مطلع الصيف القادم، للبدء بإجراء إصلاحات واسعة يفترض أن تعيد صياغة أشكال جديدة من العلاقة مع المجتمع تأخذ بعين الاعتبار مصالح مختلف تياراته السياسية وتكويناته الاجتماعية.... وان غداً لناظره قريب!!..

 

دمشق / 16 / 2 / 2005