التغيير الديمقراطي بين حراك الخارج  وممانعة الداخل ….

أكرم البني

 

          من الطبيعي في ضوء تسارع التطورات التي تشهدها الساحة العراقية، ومع كل مشروع جديد يطرحه الغرب أو أمريكا لإصلاح المنطقة وتنميتها ديمقراطياً، أن يحتدم الحوار في صفوف الديمقراطيين السوريين حول واقع الإصلاح السياسي في البلاد ودوافع التغيير أهي داخلية أم خارجية ؟!.

 

لقد أعادت المحاضرة التي ألقاها جهاد الزين في منتدى جمال الاتاسي بدمشق تحت عنوان "علاقة الداخل والخارج في عملية التغيير الديمقراطي" وإعلان انحيازه سلفاً لفكرة "أن الإصلاح ليس فقط لم يأت إلا من الخارج، بل لا يأتي إلا من الخارج" واعتبار "مشروع التغيير الوحيد في المنطقة هو المشروع الأمريكي"، أعادت خلط الأوراق بقوة ووضعت من جديد هذه الإشكالية في دائرة الجدل الساخن، بين رافض لأي شكل من أشكال الاستقواء بالأجنبي ويؤكد أن لا خير يأتي من الخارج وأن التغيير إنما ينبع من الذات ولا يخضع لوصاية أحد، وبين واجد، تحت وطأة تباطؤ بل ركود مسار الإصلاحات الديمقراطية المستحقة، في الدور الخارجي رديفاً رئيساً وفاعلاً، تخللتهما مساحة رمادية من اجتهادات متنوعة حاولت الجمع بنسب ودرجات مختلفة بين هذا وذاك.

 

إلا أن تنوع المواقف والاصطفافات، إذا تجاوزنا لغة المصالح وحسابات المنافع الضيقة، لم يحجب صورتها الانفعالية كاتجاه عام. فجاءت في معظمها أشبه بردود أفعال سياسية ظرفية، إما نكاية بالأمريكيين ومواقفهم الداعمة لإسرائيل وسياساتهم في العراق، أو رداً على استهتار السلطات بالوضع الداخلي وتمنعها عن الإصلاح. ولعل من المفيد في هذه المناسبة توضيح بعض الأسباب التي ساعدت على حضور الذاتي الانفعالي وضعف الموضوعي في بناء رؤية عميقة وواضحة لدى الديمقراطيين السوريين من عملية التغيير وشروط إنجازها....

 

أولاً، عجز الفكر المعارض إلى الآن عن إحداث قطيعة معرفية مع أفكار الماضي وتصوراته المهزومة، خاصة لجهة قراءة جديد العلاقة بين المحلي والوطني كداخل، وبين العالمي والإقليمي كخارج. فرغم مرور زمن غير قصير على انهيارات الدول الاشتراكية وما خلفته من دروس وعلى ثورة الاتصالات وتعزز مكانة العولمة الاقتصادية وانتشارها في حقول السياسة والثقافة، ثمة من لا يأخذ في الاعتبار المعنى الحقيقي للقول بأن العالم أصبح قرية صغيرة ويستمر في الترويج لأوهام الماضي عن السيادة والاستقلال كصورة من صور الانعزال التام عن الغرب الرأسمالي المتوحش، متوهماً أن رؤيته الأيديولوجية تمكنه من بناء أسوار حديدية يتحصن خلفها وهي التي انهارت وعجزت عن حماية دول أقوى أيديولوجياً وأشد منعة.

 

والحقيقة أن العلاقة بين الداخل والخارج أخذت أبعاداً جديدة بعد التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية في العقدين المنصرمين فبقدر ما ازداد حجم انتقال السلع والناس والرساميل والتقانة والمعلومات وتحررت الثقافة والأفكار من العبء الأيديولوجي بقدر ما اختصرت المسافات وضعفت الحدود والموانع الذاتية بين الدول، ليتحول العالم من غلبة منطق الخصوصية والسيادة إلى غلبة المنطق الكوني العام وتفاعلاته، ولتحتل العوامل العالمية أسبقية ملموسة في تقرير نتائج الأزمات الإقليمية والصراعات الوطنية. وبات سير الأحداث ونتائجها يتوقف إلى درجة كبيرة على مدى حضور الإرادة العالمية وطابع قراراتها. هذا إذا لم نذهب مذهب البعض إلى اعتبار ما يحدث من تطور في شبكات الاتصال والتفاعل الكثيف بين المجتمعات يسير بنا نحو إلغاء حدود الدول ويؤدى إلى ظهور مجتمع عالمي واحد، لعل أحد تجلياته بروز تيارات سياسية تنادي بواجب التدخل الخارجي الإنساني لردع أسباب الاضطهاد الداخلي تستند في دعوتها إلى نمو أخلاق عالمية ذات معايير وقيم موحدة تدعو لانبثاق دور مركزي يمنح الحق في التعامل مع أي طرف يهدد المشروع القيمي الإنساني العام.

 

ثانياً، عدم وضوح الصورة التاريخية حول دور كبير " للخارج " في صياغة مجتمعنا الحديث وانتشار اعتقاد واهم لدى عدد غير قليل من المثقفين بأن بلادنا عاشت فعلاً أو استطاعت النمو والتطور بمنأى عن التأثيرات الخارجية وأدوارها.

 

فثمة من هذه الوجهة خارج وخارج، ومن تبسيط الأمور حصر هذا المفهوم في أميركا فقط، وتالياً من المحال إرشادنا إلى مرحلة خاصة لم يخضع فيها داخلنا العتيد لتأثيرات الخارج وبصورة رئيسة. ألم يَصُغ الخارج الاستعماري بعد اقتسام تركة الرجل المريض تركيبة مجتمعاتنا وحدودها ونموذجها السياسي الأول؟! وألم يحضر الخارج الإسرائيلي بقوة في شروط بناء الداخل السوري ولا يزال، ليفرض على مجتمعنا سيادة طويلة الأمد لحالة الطوارئ والأحكام العرفية ويرهق مقومات تطوره تحت عناوين الخطر الخارجي وظروف الحرب؟!

 

لماذا يغيب عن أذهاننا دور الخارج العربي في زمن "الصراع على سورية" كما أرّخ باتريك سيل في كتابه الشهير، وهل ننسى ما ترتب على زمني الوحدة والانفصال والاندفاعات القومية من نتائج وآثار على الواقع السوري وأفاق تطوره؟ ثم أين الحديث عن الخارج السوفييتي والدوران في فلكه ردحاً من الزمن ومعاهدة الصداقة والتحالف الاستراتيجي بما في ذلك الصور والأشكال التي استمدت من تجربته لصياغة علاقة السلطة مع الدولة والمجتمع؟! ثم ألم تحدد سياسات الخارج في صراع السلطة على النفوذ الإقليمي في لبنان وفلسطين ومع تركيا والعراق، الكثير من الترتيبات السياسية والاقتصادية الداخلية، واليوم، أليس تغليباً لدور الخارج تكريسُ الجهود للعب بأوراق "القوة" الإقليمية والتعويل على انشغال أمريكي في العراق وإسرائيلي في فلسطين أو لبنان، وما يترتب على ذلك من انعكاسات خاصة في التعامل مع الوضع الداخلي؟!.

 

ثالثاً، حساسية القضية الفلسطينية وقوة حضور المسألة الوطنية في وعي النخبة المثقفة ووجدانها، والانجرار في ضوء ذلك إلى توظيف "الخارج" توظيفاً تعبوياً سياسياً بعيداً عن كونه إطاراً مرجعياً وواقعاً موضوعياً يحكم حاضر مجتمعاتنا ومستقبلها. فبينما يرفض البعض على عماها، المشروع الأمريكي، بسبب العداء لمواقف واشنطن الداعمة لإسرائيل واحتلالها العراق، ثمة حماس عندهم لدور أوروبي مثلاً ودعوة إلى تشديد الضغوط على النظام السوري من أجل توسيع هامش الحريات وضمان حقوق الانسان قبل توقيع عقد الشراكة، ربما لأن الاستقواء بالخارج الأوروبي هو الخيار الأقل سوءاً بفضيلة أن الأوربيين أقل انكشافاً في دعمهم للكيان الصهيوني!! أو لعل البعض يعتبر الدور الأوروبي داخلي وأنه من عظام الرقبة بحكم العيش المشترك على ضفاف المتوسط!!.

 

ثم إذ يغالي هؤلاء في نشر أوهامهم عن أن إشهار التقاطع في المهام الديمقراطية مع المشروع الأمريكي يمكن أن يصب الماء في طاحونة واشنطن ويساعدها على تحقيق ما ترمي إليه في منطقتنا، فإنهم وللمفارقة المدهشة يؤكدون بالمقابل أن ما تحمله أمريكا من وعود لنشر الديمقراطية هو كذبة كبيرة وأن الإصلاح الديمقراطي هو الطريق الناجعة لكف أذى بوش وهزم مشاريعه، وهم لا يكلون أو يملون من الاستقواء بالمحنة العراقية في أحاديثهم والقول بأن ما وصل إليه المجتمع العراقي بعد قمع معمم وفساد مستشرٍ كان أحد أهم العوامل التي شجعت أمريكا وحلفاءها على العدوان.

 

رابعاً، واقع توازن القوى الراهن والمناخات السياسية السائدة. فالقوى الديمقراطية لا تزال ضعيفة وعاجزة عن انتزاع دور متميز لها في عملية التغيير مثلما لا تزال أسيرة الخوف والتحسب من طرح جديد أفكارها واجتهاداتها السياسية. وبالتالي فهي تقف مكرهة أمام خياري قوة، السلطة أو الأمريكان. وطالما من الصعب الاستقواء بمشاريع واشنطن للإصلاح في ضوء ما سبق، وفي ظل السياسات الأمريكية المنحازة ضد الحقوق العربية المشروعة، فخيار مناشدة السلطة وحثها على السير في عملية الإصلاح السياسي وتكرار المناشدة هو الحال القائمة. وربما على طريقة "جود بالموجود"، يحاول الديمقراطيون التهويل من خطر المشاريع الخارجية بصفتها ضرراً عاماً سيلحق بالجميع لإقناع السلطة بخيار التغيير الديمقراطي. الأمر الذي يطرح سؤالين مهمين، أولهما عن مستقبل المعارضة الديمقراطية في عملية الإصلاح السياسي إذا كانت السلطة تعرف هذه الحقيقة وهي تعرفها جيداً، وثانيهما عن احتمال بقاء موقف الديمقراطيين السوريين على حاله لو حازوا ما يمكنّهم دخول لعبة توازن القوى وملكوا بعض القدرة على تعديلها في صالح مشروع التغيير الديمقراطي؟!. 

 

لا يختلف اثنان أن الإصلاح الديمقراطي في بلادنا هو حاجة قديمة قدم ما نعانيه من أمراض فساد وتخلف قبل أن تطرح أمريكا مشاريعها عن التنمية والإصلاح. بل ربما يشكل هذا الإصلاح في حد ذاته، وعند الكثيرين، مطلباً وطنياً في مواجهة مطامع أمريكا ومخططاتها. لكن الإقرار بهذه الحقيقة شيء، والتسليم بأن محفزات الإصلاح هي محفزات داخلية شيء آخر. إذ لو ما العامل الخارجي ما كنا لنحلم أن تفكر السلطات السورية مجرد تفكير بالإصلاح والتغيير. فالخارج هو ما كشف أزمات مجتمعنا وسخّن مسارات الإصلاح بدءاً من دور النتائج التي خلفها "الخارج" السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية التي استمد نظامنا من طرائقها في الحكم وإدارة المجتمع الكثير، انتهاءاً بالدعوات الخارجية لنشر الديمقراطية في المنطقة وما أحدثه الاحتلال الأمريكي للعراق من جديد في توازن القوى في صالح شروط التغيير؟!.

 

الاعتراف بهذه الحقائق ليس دعوة للاستقواء بالمشروع الأمريكي الشرق أوسطي أو غيره، بل محاولة للوقوف على أرض موضوعية وإعادة بناء وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي حكمت آليات عملنا وتفكيرنا لسنين طويلة وخاصة فيما يتعلق بتصويب المقولة الشائعة عن أسبقية الخارج على الداخل. فالتحدي اليوم لمن يرغب حقاً في اعتراض المبادرة الأمريكية ليس في كيل الشتائم واللعنات عليها بل في تركيز كل الجهود لإطلاق حركة الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي على مداها. ولا ضير هنا من القول أن ما تطرحه المشاريع الخارجية من مهام ديمقراطية هو مطلب مجتمعاتنا أيضاً وحاجة حيوية لها، وأن الشروع في الإصلاح السياسي وتحقيق نتائج مهمة على طريق بناء المواطنة وضمان الحريات وتوسيع فرص التعددية وحقوق التعبير لا يسبب أية خسارة على صعيد شروط مواجهة الخارج. بل على العكس لن تستقيم هذه المواجهة طالما يقهر الإنسان وتدمر روح المبادرة والمساواة لديه، ويفقد إحساسه بأنه يبذل ويضحي من أجل وطن حر كريم لا من أجل دوام حال الفساد والقهر والتمييز.  

 

دمشق