سورية: حملة مكافحة الفساد .. إلى أين؟!


 30 نيسان 2002

تتناهى
إلى مسامعك، بين الفينة والأخرى، أخبار عن إقالة عدد من المسئولين الحكوميين السوريين، وإحالتهم إلى القضاء بتهمة الفساد، كان من بينها مؤخراً خبر عن إقالة حوالي 20 من كبار ضباط وزارة الداخلية، وعدد موازٍ من المديرين العامين وكبار موظفي الدولة السورية مع إحالة ملفات بعضهم إلى الهيئات المعنية لمحاسبتهم ومعاقبتهم.

مثل هذه الأمور ليست جديدة في سورية. فحملة مكافحة الفساد وصلت أوجها منذ عامين تقريبا عندما طالت رئيس الحكومة السورية واثنين من وزرائه، كما أننا نتذكر جيداً نشاطات، ما كان يسمى، لجان التفتيش عن الكسب غير المشروع، وهيئات المحاسبة والسؤال من أين لك هذا؟!

هذه الحملة عرفت في التاريخ السوري، هجمات جدية، كانت تشتد كلما اشتد المرض، وكلما ازداد تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد، إلا أن الأمور لا تلبث أن تعود كما كانت, وربما أشد وطأة, ونعود جميعنا إلى حالة من الترقب والانتظار, وأيضاً الأمل أن تمكننا هجمة جدية وواسعة ضد الفساد من التخلص نهائياً من هذه الآفة اللعينة!!

ولا يخفى على أحد, أن الفساد منتشر في سورية, انتشار الفطر, وقد أصبح, مع الزمن، وباءً مستشرياً ينخر في خلايا المجتمع كافة، وبشكل خاص في كل مؤسسات الدولة ودوائرها. وبما أن الفساد يعرف بعبارة بسيطة واحدة بأنه استغلال المنصب العام لخدمة المصالح والمنافع الشخصية، فإن انتشاره الواسع والكبير في سورية يتناسب طرداً مع كبر حجم الدولة السورية، واتساع دورها وعمق تداخلاتها في إدارة المجتمع وأنشطته المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، متخذاً أشكالاً وتجليات مختلفة ومتنوعة يعاد تطويرها، يوماً بعد يوم، من قبل الفاسدين والمفسدين، تبدأ بتحرير الصفقات والعقود غير المشروعة لقاء عمولات خاصة ومجزية، مروراً بتقرير وإرساء المناقصات الحكومية لمن يعطي أكثر، ومن ثم تلقى الرشاوى كي يغض النظر عن تجاوزات القانون أو لتسهيل حركة المعاملات في الدوائر الرسمية، وأيضاً عبر استخدام المركز الحكومي، إرهاباً وتهديداً وابتزازاً، بغاية جني ما يمكن جنيه من أموال و"خّوات"، انتهاءًَ باستغلال الصلاحيات العامة لفرض مناخ خاص لنمو وتطوير السوق السوداء بمختلف "بلاويها" (صرف وتهريب العملات الأجنبية، تهريب البضائع والسلع، تجارة الجنس والمخدرات .. إلخ). وطبعاً، من يملك أنفاً ذا حساسية عادية يستطيع أن "يتنسم" روائح مستنقع الفساد النتنة وفضائحه التي تمتد كأذرع الأخطبوط إلى أماكن ومواقع قد لا تخطر على بال أحد.

وإذا كان من الممكن أن نفهم ونفسر (وربما يبرر البعض) حالة الرشاوى لشرطي المرور مثلاً أو لمعقب المعاملات الرسمية، نظراً لواقع الحياة البائسة التي يعيشها أمثال هؤلاء الموظفين الحكوميين، طالما أن أجورهم لا تضمن الحد الأدنى من حاجاتهم، والحاجات الحيوية لأسرهم، كالطعام واللباس والصحة والتعليم. فإن الأمر يغدو، خطيراً ومثيراً للقلق والاشمئزاز عندما ترى كيف يستغل المنصب الحكومي لتمرر الصفقات والمناقصات، ولإبرام العقود غير المشروعة. وكيف تصبح السلطة وعاءً لتجميع وتكديس الثروات، تتم من خلالها عملية اقتطاع وتحويل جزء من الأموال العامة لحسابات هذه الشخصية الحكومية أو تلك، دون أدنى اعتبار لمصالح الوطن والمواطن، وخطط التنمية الاقتصادية العامة.

والأسوأ من كل ذلك، عندما ترى كيف تصبح قيم الفساد أحد شروط اختيار الأفراد لتولي المسئوليات السياسية والإدارية وكيف تغزو هذه القيم العقول والضمائر، فتغدو في الثقافة الشعبية مظاهر إيجابية تدل على الشطارة والحنكة والذكاء. في مواجهة القيم النبيلة، قيم الحق والنزاهة والعدل، التي أصبحت، على ما يبدو، سمات الشخصية الضعيفة والساذجة وقليلة الحيلة!!

وما يزيد الطين بلة، حين يصل الفساد في سورية إلى سلك القضاء، فيدك بذلك، آخر معقل من معاقل الدفاع عن صحة المجتمع وسلامته. وما ينفطر له القلب، ويثير الشجون والألم، أن هذا المرض الخبيث، قد التهم فعلاً، قطاعاً مهماً من سلك القضاء السوري، ليس بسبب ضعف الحماية الموضوعية، لضمائر القضاة وقيمهم، في ظل تردي أجورهم ومستويات معيشتهم، فحسب؛ وإنما أيضاً، بسبب تلك العلاقة الخاطئة والمَرَضية، التي عرفتها بلادنا، لعدة عقود خلت، بين القضاء والسياسة. حيث أخضع قانون الطوارئ والأحكام العرفية المؤسسة القضائية للمؤسسات التنفيذية، فاسحاً المجال، على طول الخط، لفرض الإرادة والمصالح السياسية على حساب الحق والقانون، ضارباً عرض الحائط بدور القضاء في تكريس سيادة القانون وقيم الخير والعدالة.

ومن المفيد، في هذا الصدد، إدراج قصة تُروى عن (ونستون) تشرشل، وكان رئيساً لوزراء بريطانيا، وقتئذ، حيث وضعت أمامه تقارير تشير إلى مدى تفشي ظاهرة الفساد في البلاد. فبادر بعد اطلاعه على محتوى هذه التقارير، إلى سؤال المعنيين عنها: أين واقع القضاء في ما تعرضونه عليّ؟! وعندما جاءته الإجابة بان الفساد لم يصل إليه حتى الآن. تنهد وأضاف على الفور: إذاًً، ما زالت الأمور بخير.. فكل شيء، طالما القضاء بخير، يمكن تصحيحه!

ومما لاشك فيه أن داء الفساد يصيب معظم بلدان العالم، لكن بدرجات ومستويات مختلفة، حيث نلمسه في العديد من الدول المتطورة، ظاهرة جزئية ومحدودة (وكلنا يتذكر الفضائح التي طالت بعض المسئولين الحكوميين في أوروبا وأمريكا: نيكسون وميتران وكلينتون .. إلخ). ورغم محدودية وضيق انتشار ظاهرة الفساد في مثل هذه البلدان، فإن الصحافة الحرة لا تلبث أن تكتشفها، وتلاحقها أجهزة الرقابة، وتخضع للمحاسبة أمام القضاء، كما ينبذها الرأي العام والضمير الحي كونها في نظر الثقافة الشعبية جزءاً من القيم السلبية البغيضة.

أما في مجتمعاتنا المتخلفة، وبشكل خاص تلك المجتمعات التي تغيب فيها الحريات وسيادة القانون والصحافة الحرة؛ فان الفساد يصبح، مع الزمن، حالة سياسية واجتماعية متفشية، وجزءاً عضوياً من تركيبة الدولة ومقومات بنائها، وتربة صالحة لنمو الروح الانتهازية وتسلل الشخصيات الفاسدة إلى مواقع القيادة والى المناصب السياسية والإدارية. فنجد أنفسنا، كأننا أمام شبكة مترامية الأطراف، لاهدف ولاغرض لها، سوى تسخير الصلاحيات والمسئوليات العامة في خدمة الامتيازات الخاصة والربح وسرقة المال العام. مستندة بذلك إلى غياب الحريات العامة والى تفشي روح وأساليب التسلط والقهر والإرهاب التي أقصت المواطنين عن ممارسة حقهم في المشاركة بالشأن العام وحجبت دورهم في المراقبة والاحتجاج على مظاهر الفساد ومسلكيات أزلامه.

على ضوء ما سبق يمكننا القول إن الفساد في سورية هو ظاهرة سياسية بامتياز، ومعالجتها لن تكون مثمرة وناجحة إلا عندما تكون، أولاً وأخيراً، معالجة سياسية. فحملة مكافحة الفساد، مهما اشتدت هجماتها، ومهما قست العقوبات الرادعة بحق الفاسدين والمفسدين، ليست أكثر من مسكّنات ألم، تخفف من آثار المرض ولا تعالج أسبابه، وهي لن تؤتي أوكلها، ولن تجدي نفعاً في حل هذه المعضلة، حلاً شاملاً، وفي استئصال شأفة الفساد وجذوره الضاربة عميقاً في المجتمع والدولة، طالما يتم التغاضي عن المناخ السياسي، غير الطبيعي والتسلطي، الذي نما وترعرع فيه الفساد، ووصل إلى ما وصل إليه اليوم. الأمر الذي يقودنا إلى تلمس الضرورة الملحة لرفع حالة الطوارئ وإعادة العلاقة الطبيعية بين السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية، بما يفسح في المجال لفصل القضاء عن المصالح السياسية، ولتوفير التربة الخصبة لنمو دور القضاة الطبيعي في تكريس سيادة القانون وقيم الحق والخير والعدل في المجتمع، جنباً إلى جنب، مع ضرورة إشاعة الحريات العامة في البلاد، وبشكل خاص حرية انتخاب واختيار الأشخاص الأكفاء والمنزهين عن الأغراض الشخصية، إلى المناصب العامة، إضافة إلى حرية التعبير والرأي والنشاط السياسي. فمناخ الحرية هو المناخ الوحيد القادر على تصحيح كل الأخطاء، وعلى مراقبة الأداء العام لكل مسئول، وفضح أي سلوك يتجاوز الصلاحيات والمسئوليات العامة.

وإذا كانت مثل هذه المعالجة السياسية الجذرية لظاهرة الفساد، هدفاً بعيد المنال في المدى المنظور؛ فإن أسلوب المحاسبة والمعاقبة (الذي يطال بعض الرموز الفاسدة، بين فترة وأخرى) رغم أهميته، سيبقى قاصرا وعاجزا إذا لم يترافق مع اجرءات اسعافية فورية، تزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم، تساعد على محاصرة بؤر الفساد وعزلها في جزر صغيرة، ما أمكن ذلك، وبما يخفف إلى الحد الأدنى من مخاطرها تجاه المجتمع والدولة.

هذه الإجراءات الاسعافية ترتكز إلى ضرورة كف يد السلطة التنفيذية عن تسمية وتعيين القضاة، الذي لا نعرف غيره في سورية منذ زمن طويل، وفسح المجال لانتخاب الهيئات القضائية، على قاعدة الكفاءة المهنية والقانونية والأخلاقية، مع ضرورة توفير مستوى مادي لائق للقضاة يشكل حماية موضوعية لضمائرهم وقيمهم الإنسانية، جنباً إلى جنب، مع ضرورة تحسين الوضع المادي لكل العاملين في الدولة بما يوفر حداً من الأجور يتناسب مع متطلبات المعاشية، ويقيهم من الانحرافات الأخلاقية التي تفرضها وطأة الحاجة لمستلزمات وشروط الحياة.

إضافة إلى ذلك تقف في سلم الأوليات، ضرورة إطلاق يد الصحافة، دون حسيب أو رقيب، في انتقاد وتعرية ومطاردة كل مظاهر وقوى الفساد، مهما بدت صغيرة وتافهة، عساها تلبي دعاء المبتهلين "اللهم افضحنا ولا تسترنا حتى يتبين الخبيث من الطيب".