قراءة في أعمال المنتدى المدني الأول....

 

 

     أكرم البني*

 

عقد في بيروت بين التاسع عشر من شهر آذار والثاني والعشرين منه المنتدى المدني الأول الموازي للقمة العربية الذي نظمه مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان بالتعاون مع جمعية الدفاع عن الحقوق والحريات في لبنان والمنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان وبالتنسيق مع الشبكة الأورومتوسطية والفيدرالية الدولية لحقوق الانسان، وبدعم من المفوضية الأوروبية.

تميز المنتدى المدني الأول، ليس بتنوع المشاركين وأطيافهم المختلفة وعدد الهيئات والمنظمات التي ضمها وقد توزعت بين أكثر من خمس وثلاثين منظمة وجمعية معنية بحقوق الانسان وأكثر من عشرة مراكز للبحث والدراسات حول قضايا الحريات وحقوق الانسان إضافة الى عدد من الصحفيين والأكاديميين الباحثين بشؤون الإصلاح السياسي والديمقراطية، وإنما أيضاً لطابع الدور الذي طمع بلعبه في موازاة أعمال القمة العربية المزمع عقدها في تونس ومبادرته لتوجيه رسالة الى الملوك والرؤساء العرب حول ضرورات الإصلاح السياسي الديمقراطي وإلحاح الحاجة اليه، وكذلك بسبب المواضيع المتنوعة والشائكة التي عرضت وجرى الحوار حولها، شملت الكثير من المسائل ذات الطابع الإشكالي كوجوه الإصلاح  الديمقراطي العربي ومعوقاته، وطابع الإصلاح الديني، الإرهاب وحقوق الانسان، سبل محاصرة التعذيب الجسدي، حرية الصحافة العربية، حقوق الأقليات، الخصوصية الثقافية وحقوق المرأة، إصلاح  النظام الإقليمي العربي، وسبل تعزيز حركة حقوق الانسان في العالم العربي....

 

الاصلاح السياسي بين الداخل والخارج....

 

كانت الحوارات غنية ومتنوعة في موضع الإصلاح السياسي في المنطقة العربية، ووجد المشاركون أن الإصلاح صار مفردة من الصعب تجاوزها في الخطاب الرسمي العربي، ويمكن أن نتبين في معرض تحديد دوافع الاصلاح الحقيقية، أهي رغبة الخارج أم أمراض الداخل، أن ثمة رأياً سائداً للمنتدى  يعتبر الإصلاح في بلداننا حاجة قديمة قدم أزمات مجتمعاتنا وضرورة لمعالجة أمراضه المزمنة ومشكلات التخلف والنمو قبل أن يتقدم الخارج ويطرح دعواته ومشاريعه الإصلاحية على المنطقة، وبدا كأنه أمر معيب حقاً أن تجري الاستجابة لضرورات الإصلاح بفعل خارجي وإهمال إلحاح حاجات الواقع ومصالح الشعوب، ولفت معظم المتحاورين الى الجوانب الأمنية وأغراض الهيمنة والسيطرة في تقويم الدعوات الإصلاحية الخارجية، وأن ثمة أراء واتجاهات مختلفة في فهم طابع الإصلاح المرتقب ومحتواه، هل يمهد لمعالجة مشاكل المجتمع وأمراضه المزمنة بصورة جذرية أم يكون مجرد مناورة لتخفيف مأزق الأنظمة العربية وأزماتها الراهنة أم امتداد لمشروع خارجي غرضه تعزيز السيطرة على المنطقة، وخلصوا الى أن الإصلاح الحقيقي الذي ينشده المجتمع يعني انفتاحاً واسعاً وجريئاً على الشعب وقواه الحية ويفضي في نهاية المطاف تحرير الإرادة الشعبية وإزاحة حالة التسلط والاحتكار عن ساحة النشاط السياسي وإرساء قواعد العمل الديمقراطي في العلاقة بين السلطة والمجتمع.

اتفق المشاركون على أن معوقات الإصلاح كثيرة أهمها ما يتعلق بقوى الاستبداد والفساد وأصحاب الامتيازات والمكاسب الذين يستميتون دفاعاً عن مصالحهم في وجه أي تغيير جدي، إضافة الى واقع القوى الديمقراطية ومشكلاتها على صعيدي الوزن والبرامج، وأيضاً ما خلفته سنوات القمع الطويلة من تغييب دور الناس في العمل السياسي انعكست سلبية وعطالة. ووجد المجتمعون في تنمية قوى المشروع الديمقراطي العربي رداً مناسباً على الأهداف الخارجية المغرضة ولكسر حالة التردد والمماطلة التي تسم سلوك معظم الأنظمة العربية تجاه الإصلاح. وأشاروا الى تفاوتات مهمة في سير البلدان العربية نحو الإصلاح السياسي فأكثرية هذه البلدان، بعد تمييز السودان والعراق كحالتين خاصتين، لا تزال تتردد في السير نحو الإصلاح رغم خطابها الإصلاحي المعلن كمصر والسعودية وسورية مع وجود قلة قليلة سارت بالفعل خطوات ملموسة في إنجاز إصلاحات ذات معنى وان تكن دون المستوى المطلوب كالمغرب والبحرين، واعترف أغلب الحاضرين بأن قوى الإصلاح العربي لا تزال ضعيفة، ولا تزال تالياً حركة الإصلاح وزمام المبادرة بيد السلطات والأنظمة ورهن إرادتها تلجأ إليها هذه الأخيرة كمحاولة للتكيف مع المتغيرات المجتمعية والعالمية أو للمناورة على ضغوط خارجية أو للتخفيف من حالة احتقان اجتماعي أو سياسي.  

وكثف المتحاورون نقاشتهم حول الإصلاح السياسي العربي عبر بيان حمل عنوان توصيات المنتدى الأول الموازي للقمة العربية أعلن عن  " أسفه الشديد لأن مشاريع الاصلاح المطروحة على القمة العربية لا تقدم للشعوب في العالم العربي أي وعد جاد بالاصلاح والتغيير بعد أن افتقرت الى الحد الأدنى اللازم لشجاعة الاعتراف بمدى عمق الأزمة ". وأشار الى " أن المبادرات الدولية المطروحة لإصلاح العالم العربي تجد مبررها في الفراغ الناجم عن القمع المنهجي المنظم الذي قامت به أغلب الحكومات العربية على مدار نحو نصف قرن لكل مبادرة وبرنامج للإصلاح من الداخل، ذلك القمع الذي تراوح ما بين التهميش أو التعتيم على هذه المبادرات أو استضافة أصحابها في السجون والمنافي أو المقابر الفردية أو الجماعية ". وأضاف  بيان التوصيات " أن الحكومات العربية هي آخر طرف يحق له وضع تعارض بين الداخل والخارج، ليس فقط لأنها قمعت مبادرات الاصلاح ولكن أيضاً لأنها عقدت دوماً الصفقات الأمنية مع مختلف الأطراف الدولية دون أن تسأل شعوبها الرأي "  وأشار أيضاً الى " أن رفض بعض الحكومات العربية للمبادرات الدولية للإصلاح هو في حقيقته امتداد لرفض الاصلاح أياً كان مصدر المطالبة به ". وتجاه الذرائع التي ترفعها الحكومات العربية في وجه الإصلاح والمصلحين بالتلويح بمخاطر الفوضى التي قد تنجم عن الاصلاح أو التهويل من خصوصية مجتمعاتنا وأن الاصلاح لا يتوافق مع ثقافتها ودياناتها، رفض البيان هذه الحجج والذرائع وأعتبر " أن الفوضى تتفشى بالفعل وأن خطر الانهيار الشامل يلوح خلف التلكؤ في الشروع بالاصلاح " وأنه " لا يحق للحكومات العربية إهانة ثقافات العالم العربي وأديانه بتقديمها كمبرر لرفض الاصلاح ووضعها بالتعارض مع الحكم الديمقراطي والنزاهة والشفافية وحقوق الانسان "... وختم المجتمعون رؤيتهم حول الاصلاح السياسي بالقول " أن المدخل السليم للإصلاح إذا شاءت الحكومات العربية إنقاذ المنطقة من خطر والتحلل والفقر وتفشي الفساد السياسي والأخلاقي والمالي والإرهاب والتطرف أو خطر تهيئة شعوبها للاستعمار بطلب الإنقاذ من الخارج هو إطلاق الحريات وإعادة الاعتبار لمبادرات الداخل للإصلاح والاعتذار لشهدائها وضحاياها " .

 

مبادىء ومطالب في الاصلاح السياسي....

 

رسم المشاركون مبادىء ومطالب أساسية يفترض أخذها في أية مبادرة جدية للإصلاح السياسي تبدأ بالتأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها ما يستلزم تمتعها بالحقوق التي تقرها المواثيق الدولية لحقوق الانسان واحترام الحريات العامة وحقوق الرأي والتعبير والمعتقد والحق في التعددية الفكرية والسياسية والحزبية بما يعني المساواة التامة في الكرامة والمواطنة بصفتها المدخل السليم للتعامل مع مشاكل المجتمع ككل ومع خصوصية الجماعات القومية أو الدينية ما يرسخ شعور المواطن بالكرامة والمساواة ويثري ثقافته وحياته وبما يعني أيضاً احترام حقوق المرأة  كجزء لا يتجزأ من حقوق الانسان مع الإقرار  بأهليتها القانونية والمساواة مع الرجال في الحقوق والواجبات سواء في العلاقات الأسرية أو في الفضاء العام، جنباً الى جنب مع التأكيد على نبذ العنف وكل أشكال التحريض على الكراهية الطائفية والعرقية وعلى حق الشعوب العربية في التمتع بأنظمة تمثيلية مدنية وحياد السلطات تجاه الديانات والمذاهب المختلفة مع الالتزام بضمان حق الجميع في أداء شعائرهم الدينية دون تمييز بينهم في الحقوق العامة.

واستكملت هذه الرؤية المبدئية بالاتفاق على عدد من المطالب الأساسية للإصلاح وفي مقدمتها مهمات باتت أشبه بإجراءات اسعافية لا تحتمل أي تأجيل مثل إنهاء حالات الطوارىء والأحكام العرفية وإلغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية ووقف ممارسات الاعتقال الإداري أو التحفظي والاختفاء القسري وإنهاء ممارسة التعذيب بكل صوره وأشكاله، وإطلاق سراح سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين ووضع حد لملاحقة المخالفين في الرأي والسماح للمنفيين لأسباب سياسية بالعودة الى بلدانهم دون شروط وبضمانات قانونية.

وتتجه المطالب لتؤكد على ضرورة إصلاح التشريعات العربية التي تتعارض مع حريات الرأي والتعبير وحق التجمع والتنظيم السلمي والى إسقاط كل القيود التشريعية والإجرائية على حرية تكوين الأحزاب والمنظمات الأهلية، بما في ذلك التصدي للفساد ولنهب المال العام وتعزيز آليات الشفافية والمحاسبة وكفالة حرية تنقل الأفراد  وكفالة حقوق القوميات والأقليات العرقية والدينية والثقافية واللغوية، وعدم السماح للمؤسسات الدينية بممارسة الرقابة على النشاط السياسي والفكري والأدبي والفني.

 

الإرهاب وإصلاح الخطاب الديني....

 

كان التوجه السائد في معالجة ظاهرة الإرهاب يقوم على اعتبار أن الاصلاح السياسي الديمقراطي هو المدخل الناجع لمواجهة هذه الظاهرة وحصار دورها ونتائجها، ووضح أن ثمة ميل لإعلان موقفاً قاطعاً ضد استخدام العنف مهما كانت صوره وأشكاله ومن أي طرف جاء، وأيضاً ثمة رغبة جادة لبذل جهد خاص لنصرة معركة فكرية وثقافية ضد عقل الإرهاب ذاته تكشف جذره الأخلاقي الذي يبيح لجماعة بشرية من أجل مصالح وغايات خاصة اللجوء الى وسائل العنف وأساليبه دون اعتبار لأمن الناس وحياتهم، وبدا أيضاً أن ثمة اتجاهاً شبه سائد لرفض وإدانة كل أعمال العنف والقتل التي تطال المدنيين مهما كانت الغاية التي تقف خلفها، أهي مقدس ديني أم شرعية ثورية أم أهداف وطنية أو قومية عادلة.

واحتل الموقف من العمليات الإرهابية التي تقوم بها بعض الجماعات الإسلامية ضد المدنيين حيزاً من الاهتمام  ووجد المشاركون أن تجديد الخطاب الديني بات ضرورة داخلية عربية وإسلامية عميقة انطلاقاً من النظر الى الانسان باعتباره قيمة مركزية عليا ومن أهمية الإيمان بنسبية المعارف وتحكيم العقل في كل شؤون الدنيا.

ووجد المشاركون أن أبرز المعوقات أمام تجديد الخطاب الديني هو التوظيف السياسي للدين بواسطة الجماعات المتطرفة وبعض الحكومات والأحزاب السياسية لخدمة أهدافها الخاصة وكذلك ازدهار مفاهيم صراع الحضارات والثقافات بين العالمين العربي والغربي وأيضاً الشعور الراسخ لدى الشعوب العربية بعدم الإنصاف والتهديد نتيجة تخاذل أغلب الحكومات الغربية في دعم القضايا العادلة للشعوب العربية وخاصة القضية الفلسطينية.

 وفي سياق ضرورات الاصلاح الديني حث المنتدى الحكومات العربية على مراجعة مضامين الخطاب الديني في الإعلام المرئي والمسموع وفي مناهج التعليم وتخصيبها بأفكار المجددين الدينيين بما في ذلك إعادة الاعتبار للتراث الديمقراطي والحقبة الليبرالية السابقة في المنطقة العربية التي وفرت أفضل ازدهار لتجدد الفكر الديني، وحث المنتدى أيضاً علماء الدين والمفكرين الإسلاميين على ضرورة مراجعة المرتكزات الفقهية للعنف والتطرف والإرهاب والامتناع عن توظيف قدسية الدين في التحريض على مصادرة الفكر والأدب وأعمال العقل.

 

القوميات والأقليات وحقوق المرأة....

 

اجمع المشاركون على أن إخفاق الحكومات العربية في حل مشكلات التمييز بالنسبة للأقليات القومية والعرقية والإثنية والدينية فتح الباب لانتهاكات واسعة لحقوق الانسان وأدى الى تفجر نزاعات أهلية وأعمال عنف داخلي ملحقاً أضراراً فادحة بأسس المجتمع وشروط تنميته، وتم عرض أمثلة ملموسة عن شعب جنوب السودان والشيعة في دول الخليج والأكراد في العراق وسورية وأقباط مصر وأمازيغ دول المغرب العربي.

ودعا المنتدى الى الإقرار بالتعددية القومية والعرقية والدينية واللغوية، وإدانة مظاهر التعصب والاستعلاء الديني أو القومي وكل أشكال القهر والطغيان التي تتعرض لها أية أقلية وأيضاً ممارسات الإقصاء من المشاركة السياسية داعياً الى توفير المناخ الديمقراطي والإطار القانوني الذي يضمن تمتع الجميع بحقوق المواطنة الكاملة واحترام التنوع والخصوصيات الثقافية للقوميات والإثنيات المختلفة، وخصص المجتمعون دعوتهم للاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية وضرورة حل مشكلة " البدون " في بلدان الخليج، واتخاذ إجراءات ايجابية تجاه بعض الفئات المهمشة في العراق وحق أكراده في تقرير المصير واختيار الصيغة الملائمة لعلاقتهم مع الحكومة المركزية وضرورة تمتع الأكراد السوريين بالحقوق الثقافية والمساواة التامة ومنح الجنسية للمحرومين منها وإلغاء كافة القيود على بناء وإصلاح الكنائس في مصر.

 وبخصوص وضع المرأة العربية وجد المشاركون أن هوة كبيرة لا تزال تفصل بين حقوق النساء كجزء أصيل من منظومة حقوق الانسان واتجاه معظم الدسايتر العربية للإقرار بالمساواة بين المواطنين وبين الواقع المعاش لغالبية النساء، خاصة وأن نصف الدول العربية لم تصدق بعد على اتفاقية إلغاء أشكال التمييز ضد المرأة ومن صادق عليها يضع تحفظات تحت ذريعة الخصوصية تتناقض مع جوهرها، ويزيد الطين بلة ازدهار تيارات رجعية أو محافظة تتبنى أكثر التفسيرات الفقهية تزمتاً تجاه المرأة وتكرس نمطاً من الثقافة يقوم على إقصاء النساء بالتعاون مع سياسات رسمية تخضع للابتزاز الديني ليعاد إنتاج هذه الثقافة وتكريسها من خلال سن القوانين وخاصة قوانين الأحوال الشخصية ومن خلال المؤسسات التعليمية والمنابر الإعلامية.

ودعا المشاركون الى مساواة حقيقية بين الرجل والمرأة تتجاوز المساواة القانونية والتشريعية الى تغيير المفاهيم والتصدي للصور النمطية من النساء والى التنطح لمهمات عاجلة لإقرار المساواة في المشاركة السياسية وفي مراكز صنع القرار ومؤسساته ولمكافحة كل أشكال العنف ضد النساء وخاصة تلك المسكوت عنها كالعنف الأسري والاستغلال الجنسي وجرائم الشرف وضمان حق النساء في منح جنسيتهن لأبنائهن من أجانب أسوة بالرجال.

 

إصلاح النظام الإقليمي ومهمات جديدة....

 

وجد المنتدى أن ثمة حاجة ماسة لنظام إقليمي جديد يستند الى بناء عصري يقوم على أسس الحق والقانون والديمقراطية وحقوق الانسان ما يطلق عناصر القوة الكامنة لإنجاز الأهداف الوطنية والأهداف القومية المشتركة على حد سواء، ومالت بعض الآراء الى تفريع هذه المهمة بدءاً من إصلاح منظومة الجامعة العربية عبر تحديث اتفاقية الأمن المشترك وصياغة اتفاقية اقتصادية جديدة تنهض على مبدأ المواطنة الاقتصادية المشتركة والتقدم جدياً بمشروع لتحديث بنية الثقافة العربية والتفسير المستنير للإسلام بما يوفر أساساً لخطاب سلمي وعادل، مروراً بإتاحة فضاء مناسب لتطوير وتشبيك العمل المشترك بين منظمات المجتمع المدني على المستويين الوطني والقومي والمساهمة في إنضاج شروط تكوين بدائل أكثر صلابة للتعاون والاتحاد بين المجتمعات العربية، انتهاءاً بنشر شبكات للنشاط الدعاوي والسياسي والاجتماعي بين البلدان العربية وعلى المستوى العالمي  لتعزيز الترابط والنشاطية المدنية والحقوقية بين المجتمعات العربية والفضاء المدني الكوني، والتشجيع على خلق تكوينات وسيطة كالجامعات المشتركة ومراكز البحوث وغيرها.

وخلص المجتمعون الى ضرورة إعادة هيكلة جامعة الدول العربية كي تصبح منبراً للشعوب وليس للحكومات فقط بما يساعد على تعزيز الروابط الثنائية والجماعية بين الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية ومنظمات الإغاثة الإنسانية وعلى إفساح المجال لتمثيل شعبي يعبر عن نفسه من خلال منتدى مدني موازي يواكب الاجتماعات الرئيسة للجامعة ويتيح الفرصة لفتح قنوات مؤسسية للحوار والتفاعل المتبادل بين ممثلي الحكومات والمنظمات غير الحكومية، تصل الى بناء روابط بين المنظمات المتخصصة داخل الجامعة والأمانة العامة وبين مؤسسات المجتمع المدني العربية.

واتفق المشاركون على أن التطورات الحالية في المنطقة  العربية تضع قضية الاصلاح الشامل وفي القلب منه الاصلاح السياسي الديمقراطي على رأس أولويات قوى الدفع الديمقراطي عموماً ومنظمات حقوق الانسان على وجه الخصوص وتدعو الجميع الى الانتقال بعملها خطوة أخرى الى الأمام وأن ترتقي إزاء الاصلاح الديمقراطي الى عمل مخطط ومؤسسي ومتواصل، مرة للتفاعل مع احتمال انتقال الجامعة العربية وعلاقتها بحقوق الانسان الى طور جديد، ومرة للتعاطي مع المبادرات الدولية للإصلاح، إذ لا يحول تحفظ منظمات حقوق الانسان عليها دون الاشتباك الايجابي والبناء معها ومع أصحابها، والاشتراك في مناقشتها وتقويمها، وصولاً الى السعي للتأثير الايجابي على المضمون النهائي لها.

وختم المجتمعون موقفهم بالدعوة الى ضرورة أن يتحول هذا المنتدى الى منتدى سنوي دائم يجتمع بشكل موازي لاجتماعات القمة العربية مع السعي لعقده في الدولة مقر القمة وتوسيع نطاقه ليمثل بشكل أفضل المجتمع العربي المدني.

 

ملاحظات واستنتاجات....

 

أولاً، إن عقد المنتدى المدني في هذا الوقت وفي ظل الظروف العصيبة التي تمر بها المنطقة العربية يظهر روحاً عالية من المسؤولية، إن لجهة تلمس خطورة الوضع الراهن أو لجهة التنطح للعب دور ما للتخفيف من الآثار السلبية لما هو قادم وتقوية الايجابي، خصوصاً وأن المنتدى مد يده الى الجميع دون استثناء على قاعدة الهم المشترك ووحدة المصير وبأفق نصرة عملية الاصلاح السياسي الديمقراطي وتعزيز حقوق الانسان العربي.

ثانياً، يمكن القول أن المنتدى يشكل حالة اعتراضية على المبادرات الدولية المعنية بإصلاح المنطقة بإشهار الوجه العربي الخاص لمشروع الاصلاح السياسي الديمقراطي وإيضاح المسافة بينه وبين المشروع الليبرالي الغربي لجهة الأهداف والوسائل والأدوات، مثلما يشكل عامل إحراج وتعرية لسلوك الأنظمة العربية التي لا تزال تماطل وتؤجل الاستحقاق الديمقراطي ويفضح ذرائعها وحججها الواهية. ولا يغير من هذه الحقيقة بل يؤكدها أن تدعم المفوضية الأوروبية هذا المنتدى وتظهر رغبة جادة في خلق أطر حوارية لتقوية التيارات الداخلية الناهضة والراغبة في الاصلاح الديمقراطي والحقوقي.

ثالثاً، صحيح أن المشاركين في المنتدى جاءوا من مشارب إيديولوجية مختلفة ومنابت سياسية متنوعة ما أعاق تطور النقاشات وإمكانية دفعها الى نهاياتها المنطقية، لكن سلوكهم دل على نضج حواري وروح ديمقراطية لافتة في احترام التنوع والاختلاف والرأي الآخر، ما يمكن اعتباره بداية موفقة ونموذجاً متواضعاً لإرساء مناخات التعددية وقواعد الحوار الديمقراطي.

رابعاً، يعتبر المؤتمر بحد ذاته صوتاً صارخاً ضد انتهاكات لا تزال مستمرة لحقوق الانسان من خلال البيانات التي أصدرها لإطلاق سراح سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين في عدد من البلدان العربية وضمان حقوق اللاجئين الفلسطينيين وإدانة انفجارات مدريد والأعمال الإرهابية في العراق وأيضاً اغتيال الشيخ أحمد ياسين.

خامساً، ثمة ملاحظة نقدية تتعلق بشروط التحضير لعقد المنتدى والفترة الزمنية القصيرة المخصصة لمناقشة قضايا على هذه الأهمية والحساسية، ولعل إعداد وتوزيع الأبحاث ومشاريع القرارات وتوزيعها على المشاركين قبل مدة مناسبة من عقد المنتدى بغرض دراستها بروية ووضع الملاحظات مسبقاً عليها كفيل بتجاوز هذه الإشكالية.

سادساً، كشفت بعض حوارات المنتدى عن حالة تشوش في الرؤية عند التمييز بين العمل الحقوقي والعمل السياسي، واللافت حضور بعض المبالغات والاندفاعات في تغليب السياسي وإخضاع الحقوقي له، ما يستدعي المبادرة لرسم مسافة صحيحة بين النشاطين مع التأكيد على أوجه التداخل والتفاغر التي لابد حاصلة في مسارات العمل الملموس، وخصوصاً مع تنطح منظمات حقوق الانسان للعب دور داعم لحركة الاصلاح السياسي الديمقراطي.   

سابعاً، شكل هذا المنتدى موضوعياً  تربة خصبة لنمو وبناء شبكة عربية لحقوق الانسان غرضها تفعيل وتوجيه المنظمات العربية والهيئات المعنية بحقوق الانسان وتنسيق أنشطتها، أشبه ما تكون  بساحة للتعاون وتبادل الخبرات والمطبوعات ومدخلاً لنشر وتعزيز ثقافة الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان، ولوضع الأسس المناسبة للبدء بخطوات تعاون أولية لرصد ومراقبة الانتهاكات التي تتعرض لها حقوق الانسان العربي وإثارتها إعلامياً ومع مرتكبيها على حد سواء، بما في ذلك التقدم لرعاية أية مبادرات لتكوين لجان حقوقية أو مدنية ذات مهام تفصيلية أو اختصاصية كلجان لدعم المعتقلين السياسيين أو لتأهيل ضحايا القمع والتعذيب أو لحماية حقوق الأقليات وغيرها ودعم جهودها ونشاطاتها.

 

                                                      * كاتب سوري وعضو في المنتدى المدني الأول 

                                                                                                        

                                                                      دمشق ـ 5 / 4 / 2004 /