عام على حرب العراق، وقفة تأمل....

 

                  أكرم البني*

 

تدخل القضية العراقية بعد عام من الحرب مجاهل جديدة وتقف أمام تحديات خطيرة، ويبدو أن كل شيء قد تغير وأن الأمور لن تعود أبداً الى ما كانت عليه وسوف تختلف تالياً جميع المسائل والحلول، مثيرة حزمة من الأسئلة الشائكة عن مستقبل هذا البلد وأي مصير ينتظر الشعب العراقي خصوصاً وشعوب المنطقة على وجه العموم.

عام على سقوط بغداد ليس بالوقت الكافي لاستيعاب هول الحدث والتغييرات التي قد يفرزها أو يسبب فيها،  لكن يمكن القول أن هناك جديداً يتضح شيئاً فشيئاً وأن ثمة نتائج يمكن استخلاصها،غير نهائية ولا تزال مفتوحة على احتمالات كثيرة  يفترض بالعقل العربي أن يتفحصها جيداً في سياق إعادة بناء معادلاته السياسية، لعله يتمكن من استباق الحدث والنظر إلى ما يمكن فعله لتحصين البيت وتمكينه من مواجهة التحديات والأخطار المحدقة.

أولاً، شكلت المأساة العراقية وتداعياتها نقلة مهمة لتحرير الفكر الديمقراطي من بعض الاختلاطات والتشوهات التي منعته من التقدم وأعادت إلى الواجهة حيوية الترابط بين المسألة الديمقراطية ومهامنا التاريخية الوطنية والقومية والتنموية.

فمع كل هزيمة أو انتكاسة نتعرض لها تتكرر العبر ذاتها عن أهمية الديمقراطية، ويعاد استخلاص الدرس نفسه، لكن مغمساً بمزيد من الدماء والآلام، بأن نموذج الدولة الأمنية المركزية القاهرة، ما هو إلا صورة خارجية لبناء هش ينخره الفساد، وأن القمع وإقصاء دور الانسان هما خير ما صنع الهزائم والانكسارات وحطما روح المقاومة والكفاح عند الشعوب، فشعور الإنسان بالحرية والثقة بجدوى انتمائه لوطنه، هو صمام أمان التماسك الداخلي وهو القاعدة السليمة لتفاعل كل القوى الاجتماعية والسياسية وتالياً لاستنهاضها واستقطابها لكف يد الأجنبي وتطاولها.

وبغض النظر عن صحة أو خطأ القول بأن تداعيات الحرب على العراق أطلقت رصاصة الرحمة على الفكر القومي فان ما جرى أظهر بالملموس أن الشعارات القومية الجوفاء، الطنانة والرنانة، التي رفعت طيلة عقود من الزمن لم تكن أكثر رايات خادعة استخدمتها الأنظمة  " القومية جداً "  لتعزيز قطريتها وتثبيت سلطانها وحماية امتيازاتها والتنعم بما سلبته من ثروات، وأظهر أيضاً عجز النظام الرسمي العربي عن اتخاذ أي فعل ايجابي يساعد الشعب العراقي في محنته وتالياً حال الشلل والتمزق التي يعانيها، بين حكومات ولّت وجهها شطر الاحتلال، وأخرى آثرت الصمت واكتفت من الغنيمة بالإياب، وثالثة تتحسب من ضرر الوجود العسكري الأمريكي لكن مصالحها استدعت أن تضبط أفعالها جيداً كي لا تحرق أصابعها في لعبة النار. ما يشير بالبنان الى أهمية الديمقراطية كمخرج للشعوب العربية من أوضاعها القومية المفككة والمتأزمة، توفر المناخ الصحي لتقارب المجتمعات العربية ذوداً عن مصالحها المشتركة وتشجع الانسان العربي على تجاوز النظرة والحلول القطرية الضيقة نحو اختيار التعاضد والتكامل مع أشقائه بغية تحصين المجتمعات العربية وتطوير قدراتها على المنافسة في ظل سيادة العولمة والتجمعات الاقتصادية الكبيرة، مثلما تساعده على امتلاك لغة الخطاب الصحي والنّدي مع الأقليات القومية التي تشاركه العيش على هذه الأرض منذ مئات السنين، وأن حريتها من حريته، ومستقبلها جزء عضوي من مستقبله.

وأيضاً هناك حقيقة جلتها الكارثة العراقية هي فشل وإخفاق أنظمة الحكم المركزي الشمولي في قيادة المجتمع وإنجاز برامجه التنموية، فتركز الثروة ورأس المال بيد الدولة والحزب الواحد وقيام سلطة كلية، مطلقة الحضور، تحتكر كامل الحياة السياسية ومعظم أوجه النشاط الاقتصادي وتفرض نفسها كمجال وحيد للحراك الاجتماعي، وتلهث على حساب تنمية المجتمع وراء اقتناء التكنولوجيا العسكرية والأسلحة المتطورة، أفضى إلى تخريب البنية الوطنية وتدمير خلايا النمو والتجدد في المجتمع والى حضور أزمة عميقة متراكبة، ومزيداً من الاستبداد والفساد وعسكرة الحياة والاندفاع إلى حروب هوجاء لا مبرر لها امتصت طاقة المجتمع ومعظم ثرواته ليغدو ضعيفاً أمام أي طامع.

ثانياً،  كشفت الحرب على العراق هشاشة الذرائع الأمريكية وفضحت عمق المطمع من احتلال أرضه في تأكيد السيطرة على المنطقة والتحكم بشرايينها النفطية كمدخل لتعزيز الهيمنة على العالم، وإذ اعتبرت الحرب على أفغانستان بأنها الثأر الأمريكي من أحداث / 11 / أيلول / 2001 / فان الحرب على العراق كانت العلامة الأولى البارزة الدالة على آليات جديدة في الهيمنة الأمريكية. ويبدو أن واشنطن وقد توسلت لعقود من الزمن وسائل غير مباشرة للسيطرة، عن بعد أو بالوكالة إن صح التعبير، طوت أخيراً صفحة هزيمتها المرة في الفيتنام وخطت عبر العراق خطوة كبيرة لتسوغ دور الحروب وتستسهل التدخل العسكري المباشر والقوة العنيفة في إدارة الصراع العالمي وتقرير نتائجه.

وبالتالي لم تنجح أساليب المكر والخداع واستغباء الآخرين في إخفاء أهداف واشنطن ولم يمر وقت طويل حتى انكشف زيف ادعائها بأنها خاضت الحرب على العراق لنزع أسلحة الدمار الشامل أو لضرب الإرهاب وملاحقة عناصر تنظيم القاعدة، أو حتى كمحررة من أجل وضع حد لديكتاتورية طويلة فرضها صدام حسين على شعبه، وقد فضحتها عنجهيتها وممارساتها التسلطية وسخريتها من التظاهرات الشعبية الواسعة المناهضة للحرب وازدرائها قرارات الأمم المتحدة ومجلس أمنها.

ورغم تاريخ واشنطن الحافل بالتنصل من القرارات الأممية التي قد تؤثر على مصالحها المادية أو السياسية أو مصالح حلفائها، فإن سلوكها تجاه الأمم المتحدة في الحدث العراقي هو نقلة جديدة تنذر بإعطاء مبرر لكل دولة قوية وطاغية لتصفية حساباتها مع دول أقل منها قوة وتسليحاً ويفتح الباب للفوضى وانهيار الروادع الإقليمية والعالمية وفقدان أية أهمية للاتفاقات والمواثيق التي تتعلق بحقوق الانسان وحريات الشعوب، ما وضع الإنسانية جمعاء أمام تحد كبير لإفشال النوايا الأمريكية في القضاء على المنظمة الدولية ودورها، وبالفعل يمكن القول أن بعض النجاح قد تحقق على هذا الصعيد وأن البيت الأبيض قد أكره أخيراً على مراجعة حساباته ليس تجاه الأمم المتحدة فقط ولكن نحو الحلفاء الأوربيين أيضاً، بدليل إشراك الدول الثمانية الكبرى بمناقشة مشروع الشرق الأوسط الكبير في حزيران القادم، والدور المفترض أن تلعبه الأمم المتحدة لرعاية الانتخابات المزمع إجراؤها بعد تسلم العراقيين السلطة.

ويتضح اليوم أن مصالح أمريكا نفسها لتعزيز سيطرتها على المنطقة والاستئثار بثرواتها وتوفير أفضل الفرص لاستمرار دور العدو الصهيوني وتفوقه، باتت تستدعي بعد النقلة العراقية وإقرار قانون إدارة الدولة المؤقت طرح مشاريع لنشر الديمقراطية في محاولة لتفكيك المنطقة وإعادة صياغتها كمجتمعات تحتكم الى معايير النموذج الليبرالي ما يمنحها استقراراً أكبر ويوفر تربة مناسبة للتخفيف من الاندفاعات وردود الأفعال الشعبية والسياسية الحادة، لكن هذه المشاريع تقف على مسافة واضحة لجهة الغايات والطرائق والأدوات مما تطمح إليه الشعوب العربية وقواها الحية في معركتها ضد قوى الاستبداد ولبناء مجتمع ديمقراطي يحقق لها حريتها وكرامتها وسيادتها الوطنية ويكسبها فرصتها الحقيقية لدفع عملية التنمية والتحرر الاجتماعي والاقتصادي قدماً إلى الأمام.

ثالثاً، عام مضى وربما بردت جراح العراقيين إذ اللافت أن ثمة بوادر مشجعة تظهر تفهماً لآليات الهدم والبناء، هدم المخلفات الاستبدادية للنظام العراقي بعيداً عن الثأرية وردود الأفعال الغوغائية، وبناء مستقبل واعد وحر للأجيال القادمة، فالقديم ليس كتلة واحدة بل حالة غير منسجمة يفترض التفريق والتمييز بين مستوياتها وقواها المحركة، ما يعني مراعاة المسافات بين مقوماته المختلفة مثل السلطة والدولة والحزب والجيش، وأن لكل منها رغم تداخلها وتفاغرها، موقع خاص في الماضي العراقي ودور متميز، فإذ  يقتضي الموقف من الاستبداد إزاحة السلطة القديمة ورموزها الأساسية بوصفها المسؤول الرئيس عما وصل اليه العراق اليوم ومحاسبتها على ما ارتكبته من جرائم، فان مؤسسات الدولة هي حال مختلفة لا يجوز أخذها بجريرة أفعال السلطة وهي تضم آلاف الكوادر والخبراء ويشكلون جزءاً حيوياً من مقومات بناء المستقبل، وبالعين ذاتها يمكن النظر الى الكتلة الكبيرة التي يتألف منها حزب البعث وأيضاً الى الكثير من عناصر الجيش والشرطة والأمن، دون أن يعني ذلك تبرئه أحداً من مسؤولية ما ارتكبه بحق المواطنين العراقيين من آثام لكن وفق أدلة ملموسة وعبر قضاء علني وحيادي، ولعل إشراك ممثلين عن حزب البعث في مؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد مؤخراً في أربيل خطوة صحيحية على هذه الطريق.

رابعاً، بعد عام من الحرب على العراق ومن أعمال المقاومة ثمة سؤال يطرح نفسه بقوة عن ماهية هذه المقاومة الغامضة التي لم تكشف أو يكشف بعضها عن برنامج سياسي أو مواقف تنم عن وضوح الرؤية، تضرب خبط عشواء ولا يهمها ما ينجم عن عملها من أثار ونتائج على مصالح الشعب العراقي ومستقبله.

 فماذا نأمل من تكرار هذا الشكل من العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال ومنشآت الدولة والمدنيين العراقيين، هل الغاية هي التشفي والثأر وزرع البلبلة؟! أم إشغال المحتل لغاية في نفس يعقوب والآخرين؟!  أم لعل الأمر بعث الراية الوطنية مرة أخرى بالتعارض مع الديمقراطية والحريات العامة؟!.ولنسأل عن طابع الدولة وماهية المشروع السياسي الذي يتطلع المقاومون لبنائه بعد طرد المحتلين؟! وأين مسؤوليتهم من احتمال اندلاع حرب أهلية وصراعات قومية لا تبق ولا تذر، وتدفع بالمجتمع العراقي الى بؤرة التشذرم والانقسام بما يخدم في نهاية المطاف أعداء العراق والمتربصين به طمعاً؟!.

إن ظاهرة المقاومة العراقية ومآل عملياتها العسكرية وجدواها أعادت الى دائرة الجدل الساخن العلاقة بين الغاية والوسائل، وطرحت أسئلة عن وسائل طرد المحتل مع المحافظة على صحة المسار الديمقراطي في ظل شروط بالغة الدقة والتعقيد، وأيضاً عن صواب اللجوء الى وسائل غير مشروعة إنسانياً أو لا ديمقراطية من أجل تحقيق غرض سياسي مهما كان عادلاً ومشروعاً، وبالتالي عن المآل الذي سوف نصل اليه إذا انتصرنا لمناخ الحروب وللمنطق القائل باستخدام القوة والعنف الأعمى؟! أليس في هذا السلوك انجرار الى وسائل العدو التي ندينها ونجرمه عليها، ومن ثم خضوع لقواعد لعبة يسعى كي يفرضها علينا في ظل توازن قوى يميل على نحو كاسح لمصلحته؟!.

لا شك أن التجربة العراقية برهنت للعراقيين قبل غيرهم أن نبذ العنف واعتماد أساليب النضال الديمقراطي هو أحد أهم وجوه النضال وأكثرها إلحاحاً في الوقت الراهن لمقاومة الاحتلال وهزمه وللخروج من مستنقع الانحطاط والتفسخ، في ظل حقيقة لا يجوز تجاهلها بعد الآن تقول أن قدر المجتمعات الضعيفة والمتخلفة أن تلجأ أساساً الى مختلف الوسائل المدنية الديمقراطية لمقاومة الاحتلال كي تربح المعركة الأخلاقية إنسانيا وعالمياً أمام عدو مدجج بأعتى أنواع الأسلحة وقوة اقتصادية وتكنولوجية مذهلة.

يخطىْ من يعتقد أن هذه الطريق دعوة الى الاستسلام أو الخنوع، بل لعلها الطريق الأجدى كي لا نكرر هزائمنا وانكساراتنا ونصل الى هدفنا المنشود بأقل معاناة وألم، ونتجب تالياً أن تفضي الوسائل غير الديمقراطية الى إقصاء الناس عن دورهم أو الى الانتقاص من طابع الهدف أو تشويهه ومن ثم إجهاضه ما يستدعي دورة جديدة من المعاناة والتضحيات.

خامساً، لقد هزت الكارثة العراقية العقل السياسي العربي هزاً عنيفاً وزادت من حجم الهوة والثقة بينه وبين المجتمع، ويحتاج جسرها إلى ما يشبه الثورة في المفاهيم وفي طرائق التفكير، تبدأ بوقفة نقدية جرئية تكشف عن أسباب عجز المثقفين العرب وتقصيرهم وأهم ما ارتكبوه من أخطاء، وتحديداً لجهة تغاضي معظمهم أو صمتهم، تحت شتى الحجج والذرائع، عن حالات الاستبداد والعنف والاضطهاد التي مارستها السلطات العربية بحق شعوبها، بما يعني أول ما يعني، المسارعة إلى فك هذا الارتباط المرضي مع الأنظمة والحكام جنباً الى جنب مع التحرر من أوهام الإيديولوجيات، وإعادة الاعتبار لدور الانسان بوصفه المحرك الرئيس لكل تحدٍ وتطور، ودونه لا يمكن تعويض حالة العجز والقصور أمام توازن قوى يميل على نحو كاسح ضدنا.

   لقد جربت المجتمعات العربية كل الخيارات الأيديولوجية والسياسية، بقديمها وحديثها، وكانت النتائج مخيبة للآمال، فلا الأرض تحررت ولا الوحدة القومية أنجزت ولا حدثت النهضة المنشودة ولا ارتقى الإنسان إلى مجتمع العدالة والحرية.

ونظرة متأنية ومتفحصة إلى هذه النتائج التاريخية والى ما يعانيه العراق اليوم، تسقط الكثير من الأوهام المعششة في الأذهان وتكشف في الوقت ذاته بساطة المشكلة وأنها تعود أساساً إلى انعدام الثقة بالإنسان العربي، إلى غياب الحريات والتعددية السياسية، إلى مناخ الشمولية والاستبداد الذي ساد أمداً طويلاً ودفع بالتجارب جميعها إلى طريق مسدودة.

          * ـ كاتب سوري                            دمشق ـ 1 / 4 / 2004